التطوع بإدخال السرور على الآخرين بشرى وأمان

 إن مما قررته الشريعة الإسلامية وجعلته من خير الأعمال وأعظمها أجرا، وهو ما التزمت به المملكة العربية السعودية في مناهجها وقيمها والتزمت به في رؤيتها المباركة، هو العمل التطوعي، قال تعالى "۞ وَمَن تَطَوَّعَ خَيۡرٗا فَإِنَّ ٱللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ" وقال سبحانه "فَمَن تَطَوَّعَ خَيۡرٗا فَهُوَ خَيۡرٞ لَّهُ" قال الرازي "وَالطَّوْعُ مَا تَرْغَبُ بِهِ مِنْ ذَاتِ نَفْسِكَ مِمَّا لَا يَجِبُ عَلَيْكَ."

والتطوع نوعان: عبادةٌ محضةٌ بين العبد وربه كصلاةٍ وصيامٍ وذكرٍ ونحو ذلك، ونوعٌ آخر في الغالب هو الأفضل ثوابا والأعلى درجة والذي يتمثل في إدخال السرور على الآخرين قدر المستطاع، وأفضليته لأنه ذو نفعٍ متعدٍ للآخرين وليس مقتصرا على النفس، وهو ما يُعرف اليوم باسم العمل التطوعي.

والتطوع قرضٌ حسن، فالْقَرْضُ: اسْمٌ لِكُلِّ مَا يُعْطِيهِ الْإِنْسَانُ لِيُجَازَى عَلَيْهِ، وَقد سَمَّى اللَّهَ تَعَالَى عَمَلَ الْمُؤْمِنِينَ لَهُ على رجاء ما أعدّ لهم مِنَ الثَّوَابِ قَرْضًا، لِأَنَّهُمْ يَعْمَلُونَهُ لِطَلَبِ ثَوَابِهِ، قَالَ الْكِسَائِيُّ: الْقَرْضُ مَا أَسْلَفْتَ مِنْ عَمَلٍ صَالِحٍ أَوْ سَيِّئٍ، وَقَالَ ابْنُ كَيْسَانَ: الْقَرْضُ: أَنْ تُعْطِيَ شَيْئًا لِيَرْجِعَ إِلَيْكَ مِثْلُهُ.

وأفضل عمل يقدمه الإنسان وهو يرجو عودته إليه هو إدخالُ السرورِ على الآخرين بما يناسب حاله ووسعه، ويناسب حالهم واحتياجهم، في مختلف المجالات الاجتماعية أو الصحية أو البيئية يقول الله تعالى "وَتَعَاوَنُواْ عَلَى ٱلۡبِرِّ وَٱلتَّقۡوَىٰ" وَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَغْرِسُ غَرْسًا، أَوْ يَزْرَعُ زَرْعًا، فَيَأْكُلُ مِنْهُ طَيْرٌ، أَوْ إِنْسَانٌ، أَوْ بَهِيمَةٌ، إِلَّا كَانَ لَهُ بِهِ صَدَقَةٌ» مسلم.

في الحديث الصحيح عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: يَا ابْنَ آدَمَ مَرِضْتُ فَلَمْ تَعُدْنِي، قَالَ: يَا رَبِّ كَيْفَ أَعُودُكَ؟ وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ، قَالَ: أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ عَبْدِي فُلَانًا مَرِضَ فَلَمْ تَعُدْهُ، أَمَا عَلِمْتَ أَنَّكَ لَوْ عُدْتَهُ لَوَجَدْتَنِي عِنْدَهُ؟ -وذلك أن عيادة المريض تُدخل السرور عليه وتشدّ من عضده في ألمه وكربته وتساعد في شفائه فهو في حاجة إلى إخوانه في ذلك- يَا ابْنَ آدَمَ اسْتَطْعَمْتُكَ فَلَمْ تُطْعِمْنِي، قَالَ: يَا رَبِّ وَكَيْفَ أُطْعِمُكَ؟ وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ، قَالَ: أَمَا عَلِمْتَ أَنَّهُ اسْتَطْعَمَكَ عَبْدِي فُلَانٌ، فَلَمْ تُطْعِمْهُ؟ أَمَا عَلِمْتَ أَنَّكَ لَوْ أَطْعَمْتَهُ لَوَجَدْتَ ذَلِكَ عِنْدِي، يَا ابْنَ آدَمَ اسْتَسْقَيْتُكَ، فَلَمْ تَسْقِنِي، قَالَ: يَا رَبِّ كَيْفَ أَسْقِيكَ؟ وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ، قَالَ: اسْتَسْقَاكَ عَبْدِي فُلَانٌ فَلَمْ تَسْقِهِ، أَمَا إِنَّكَ لَوْ سَقَيْتَهُ وَجَدْتَ ذَلِكَ عِنْدِي} مسلم. فلو ادخل السرور على مسلم فاقد له، لوجد هذا السرور يوم يلقى ربه! وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: كُلُّ سُلاَمَى مِنَ النَّاسِ عَلَيْهِ صَدَقَةٌ، كُلَّ يَوْمٍ تَطْلُعُ فِيهِ الشَّمْسُ، يَعْدِلُ بَيْنَ الِاثْنَيْنِ صَدَقَةٌ، وَيُعِينُ الرَّجُلَ عَلَى دَابَّتِهِ فَيَحْمِلُ عَلَيْهَا، أَوْ يَرْفَعُ عَلَيْهَا مَتَاعَهُ صَدَقَةٌ، وَالكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ صَدَقَةٌ، وَكُلُّ خُطْوَةٍ يَخْطُوهَا إِلَى الصَّلاَةِ صَدَقَةٌ، وَيُمِيطُ الأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ صَدَقَةٌ} البخاري. هذه أعمال متنوعة كلها تدخل السرور على الآخرين، قد جعلها الله جلّ جلاله قرضا عليه يرده سبحانه وتعالى يوم القيامة لصاحبه وقد يُعجّل هذا الردّ في الدنيا مع ما يدّخره لمقدمه في الآخرة. وفي حديثٍ حسنٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَجُلًا جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ أَيُّ النَّاسِ أَحَبُّ إِلَى اللهِ؟ وَأَيُّ الْأَعْمَالِ أَحَبُّ إِلَى اللهِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَحَبُّ النَّاسِ إِلَى اللهِ تَعَالَى أَنْفَعُهُمْ لِلنَّاسِ، وَأَحَبُّ الْأَعْمَالِ إِلَى اللهِ تَعَالَى سُرُورٌ تُدْخِلُهُ عَلَى مُسْلِمٍ..} هذه الأعمال على تنوعها هي أعمال تَسرُّ المستفيد منها وهي تطوعية ليست مفروضة وإذا قُدّمت بدون مقابل تبذل لوجه الله تعالى ورجاء ما عنده كانت قرضا حسنا لابد أن يُوفّى لك. وفي قصة بداية تنزل الوحي كانت بشرى خديجة رضي الله عنها للنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لمّا خاف مما حدث له حيث بشرته، قَالَ: «لَقَدْ خَشِيتُ عَلَى نَفْسِي»، قَالَتْ لَهُ خَدِيجَةُ: كَلَّا أَبْشِرْ، فَوَاللهِ، لَا يُخْزِيكَ اللهُ أَبَدًا، وَاللهِ، إِنَّكَ لَتَصِلُ الرَّحِمَ، وَتَصْدُقُ الْحَدِيثَ، وَتَحْمِلُ الْكَلَّ، وَتُكْسِبُ الْمَعْدُومَ، وَتَقْرِي الضَّيْفَ، وَتُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الْحَقِّ.

فالتحق رعاك الله بالمنصة الوطنية للتطوع، اعتن وفقك الله بالأعمال التطوعية ما استطعت، تُسِرُ بها من حولك وتستعين بها على نوائب الدهر وتأمن غوائله، وتغنم بها الحسنات وتكن من خير الناس وتكسب سببا لبشراك في الدنيا وفي الآخرة.

يقول ربنا تبارك وتعالى " وَمَا تُقَدِّمُواْ لِأَنفُسِكُم مِّنۡ خَيۡرٖ تَجِدُوهُ عِندَ ٱللَّهِۗ إِنَّ ٱللَّهَ بِمَا تَعۡمَلُونَ بَصِيرٞ" ويقول سبحانه "وَأَقۡرِضُواْ ٱللَّهَ قَرۡضًا حَسَنٗاۚ وَمَا تُقَدِّمُواْ لِأَنفُسِكُم مِّنۡ خَيۡرٖ تَجِدُوهُ عِندَ ٱللَّهِ هُوَ خَيۡرٗا وَأَعۡظَمَ أَجۡرٗا"

للعمل التطوعي ثمار لا تحصى في الدنيا وفي الآخرة ويكفي أن الله تعالى قد عدّه قرضا عليه سبحانه وتعالى، وفي واقع حياتنا تبيان لذلك فكثيرا ما نعيش فرجاً وفرحاً بفضل الله تعالى من حيث لا نحتسب، ولو تفكّر أحدنا في ذلك لوجد قرضا تم تقديمه في زمن ما فجاء القضاء له في الوقت المناسب، وتلك عاجل بشرى المؤمن، والثواب في الدنيا علامة ثواب أكبر يوم القيامة.

ومما كانت العرب تفاخر به في جاهليتها وفي إسلامها، في قديم تاريخها وحديثه هو العمل على إدخال السرور على وفد الله ضيوف الرحمن القادمين للحج، وها هي قوافل الحجيج قد قرب موعدها مرورها بمدينتنا، وفي الغالب يصاحب رحلتهم البرية الكثير من الإرهاق والتعب والملل، فأدعو جمعياتنا الخيرية لتبني حملةٍ تطوعيةٍ تتاح للجميع وليس السعوديين فقط، تهدف لإدخال السرور على الحجاج العابرين بمدينتنا وتوعيتهم وتفقد احتياجاتهم، حتى ولو كان معهم من ليس بحاج، فإن القوم الجالسون لذكر الله لا يشقى بهم جليسهم وكذا الحجاج لا يُحرم من كان بقربهم ولم يحج معهم من السرور والخير المعدّ لهم، حملةً تظهر صور التكاتف بين المسلمين وتحيي المبادرة والتنافس في إكرام وفود الله تعالى وضيوفه.

وأجزم بفرحة ستغمر قلوب الكثير خصوصا من الشباب تتجلى في المبادرة للمشاركة كلٌ ووسعه وما مكّنه الله منه، فالتطوع اليوم هو باب للحسنة في الدنيا وللحسنة في الآخرة تقبل الله من الجميع.


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

التقوى والتوبة سببان لأداء أمانة الوصول إلى الجنّة

المسلم وشدّ البنيان الإيماني أو هدمه

يوم عاشوراء يوم التوحيد، يوم العلم والعمل، يوم الصبر والتفاؤل