التقوى والتوبة سببان لأداء أمانة الوصول إلى الجنّة

لقد خلق الله تعالى الإنسان وحمّله الأمانة، والأمانة هنا هي أمانة إيصال النفس إلى الجنّة عبر طرق شائكة بالذنوب والخطايا، وَعِرةٌ بالشهوات والفتن. ولقد حمّل الله الإنسان هذه الأمانة ولم يتركه عرضة للفتن تنهشه أو للذنوب توقفه إن أراد إكمال المسير كما يُفترض.

فنبّه سبحانه إلى التقوى يستعان بها لتمهيد الطريق نحو الجنة وعلى صناعة السلامة من كثير من الفتن والذنوب، ووعد المتقين بان يكون جلّ جلاله معهم معينا ومتفضلا فقال سبحانه فقال سبحانه "وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ يَجۡعَل لَّهُۥ مَخۡرَجٗا" وقال سبحانه "وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ يَجۡعَل لَّهُۥ مِنۡ أَمۡرِهِۦ يُسۡرٗا" وقال جلّ شأنه "وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ يُكَفِّرۡ عَنۡهُ سَيِّ‍َٔاتِهِۦ وَيُعۡظِمۡ لَهُۥٓ أَجۡرًا" فاتقوا الله، بالتعرف على حدوده التي حدّ لعباده، وبالتزام أمره ونهيه ما استطعتم، تسلموا من كثير من المعوقات في الطريق الى الجنة، ولقد عدّ الله تعالى بفضله وكرمه تقديم العبد لأمره جلّ شانه وما يحب سبحانه على هوى النفس طريقا إلى الجنّة "وَأَمَّا مَنۡ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِۦ وَنَهَى ٱلنَّفۡسَ عَنِ ٱلۡهَوَىٰ فَإِنَّ ٱلۡجَنَّةَ هِيَ ٱلۡمَأۡوَىٰ" فتركُ مجلسا تحبه النفس، وقطع مشاهدة تعلقت بها الروح، وترك نوما يحتاجه الجسد لأجل أمر لله تعالى حلّ موعده، فهذا نهي للنفس عن الهوى وهذا هو التقوى، كما أن تجنب ما تميل له النفس وتُفتتن به مما تيسر من محرم قول أو عمل أو مكسب أو مجلس أو طعام وشراب خوفا من الله تعالى هو تقوى لله تعالى وتمهيد للطريق نحو الجنّة.

ومما نبّه عليه الله تعالى مما يستعان به لأداء الأمانة وإيصال النفس لأبواب الجنّة وهي سالمة، التوبة والاستغفار.

يقول سبحانه وتعالى "يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمۡ وَيَهۡدِيَكُمۡ سُنَنَ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِكُمۡ وَيَتُوبَ عَلَيۡكُمۡۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٞ وَٱللَّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيۡكُمۡ وَيُرِيدُ ٱلَّذِينَ يَتَّبِعُونَ ٱلشَّهَوَٰتِ أَن تَمِيلُواْ مَيۡلًا عَظِيمٗا يُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمۡۚ وَخُلِقَ ٱلۡإِنسَٰنُ ضَعِيفٗا" ضعيفا أمام شهواته وهوى نفسه وغضبه، وضعيفا أمام ما يعرضه ويزينه المفسدون، والله بيّن لنا كي ننجو طرق من قبلنا في النجاة، كيف عالجوا وُعُورةَ طريقهم نحو الجنّة وكيف نجوا من أشواك الطريق من فتن وشهوات علّنا ننجو كما نجوا وان نسلم من الهلاك كما سلموا.

فبعد التقوى تأتي التوبة، والتوبة تعني الندم على التفريط والإساءة في حق النفس عند ربها، وتعني استيعاب قول الله عزّ وجلّ "كَلَّاۖ بَلۡۜ رَانَ عَلَىٰ قُلُوبِهِم مَّا كَانُواْ يَكۡسِبُونَ" واستيعاب قول رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «تُعْرَضُ الْفِتَنُ عَلَى الْقُلُوبِ كَالْحَصِيرِ عُودًا عُودًا، فَأَيُّ قَلْبٍ أُشْرِبَهَا، نُكِتَ فِيهِ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ، وَأَيُّ قَلْبٍ أَنْكَرَهَا، نُكِتَ فِيهِ نُكْتَةٌ بَيْضَاءُ، حَتَّى تَصِيرَ عَلَى قَلْبَيْنِ، عَلَى أَبْيَضَ مِثْلِ الصَّفَا فَلَا تَضُرُّهُ فِتْنَةٌ مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ، وَالْآخَرُ أَسْوَدُ مُرْبَادًّا كَالْكُوزِ، مُجَخِّيًا لَا يَعْرِفُ مَعْرُوفًا، وَلَا يُنْكِرُ مُنْكَرًا، إِلَّا مَا أُشْرِبَ مِنْ هَوَاهُ» مسلم. يستوعب المؤمن ذلك فيعالج طريقه نحو الجنّة بالتوبة والاستغفار فلا يمسي ولا يصبح ولا ينام ولا يستيقظ، ولا يقوم من مجلس إلا وقد طهّر سجله مما أحدثته الفتن والشهوات من أثرٍ سيء، الحسرةُ إحدى ثماره.

حبا للعباد الصالحين ولنجاتهم وتنيها لهم لخطورة الطريق وسهولة تمهيده، أمرهم الخالق جلّ وعلا بالتوبة وألا لا يكتفوا بالإيمان وبعض العمل الصالح فقال سبحانه "وَتُوبُوٓاْ إِلَى ٱللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ لَعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ" لقد علم رسول الله صلى الله عليه وسلم خطر الغفلة وأهمية ومكانة التوبة فقال لأمته: «إِنَّهُ لَيُغَانُ عَلَى قَلْبِي، وَإِنِّي لَأَسْتَغْفِرُ اللهَ فِي الْيَوْمِ مِائَةَ مَرَّةٍ» مسلم. ولئن كان رسول الله e  يتوب من الغفلة مئة مرة فإن العبد كثير الخطأ أولى بتكرار التوبة والاستغفار.

يقول تعالى "وَلَقَدۡ عَهِدۡنَآ إِلَىٰٓ ءَادَمَ مِن قَبۡلُ فَنَسِيَ وَلَمۡ نَجِدۡ لَهُۥ عَزۡمٗا" ذاكرة تنسى وعزم يضعف ولا يستمر، ولكن الله رحمه ورحمنا من بعده، فشرع لنا التقوى نتقي بها الخلل ما استطعنا، وشرع لنا التوبة نجبر بها الحال الضعيفة ونشد العزم المتضرر من كثرة النسيان، ونعالج بها آثار وعورة الطريق التي قد تؤخر الوصول إلى الجنّة، بالتوبة نغسل القلوب ونجدد الصلة بالله تبارك وتعالى، ونكسب بها ثناؤه ورضاه جلّ جلاله "إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلتَّوَّٰبِينَ وَيُحِبُّ ٱلۡمُتَطَهِّرِينَ". يقول النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "طُوبَى لِمَنْ وَجَدَ فِي صَحِيفَتِهِ اسْتِغْفَارًا كَثِيرًا" ابن ماجة والنسائي وصححه الأرناؤوط والألباني وغيرهما. فاستغفر الله لي ولكم ولوالدينا وللمسلمين والمسلمات الأحياء منهم والأموات وأسأله سبحانه أن يجعلنا من التوابين المتطهرين الفائزين بطهارة القلب والسجل ورضاه جلّ شانه.

فضلا من الله تعالى وعونا لعباده فقد وعدهم سبحانه بقبول توبة التائب أيا كان الذنب، بل وبسرعة القبول وبتبديل السيئات حسنات، ووعد جلّ جلاله التائب أن يكون في حفظه، وأن يكون محل نظره ورعايته، وأن يسبغ عليه فضله، وأن يمتّعه في الدنيا متاعا حسنا وفي الآخرة يحلل عليه رضاه فلا يشقى أبدا. هذه بعضا من فضائل الله تعالى على التائب، والمغبون من فرّط في هذا الفضل واستهان بالفتن، لنراقب أنفسنا عباد الله ولنستشعر دوما ذاك الضعف والنسيان والنقص الذي لا يسلم منه بشر، ولنتخذ من التوبة التي سببها الندم على الخطأ والذنب، ولنتخذ من الاستغفار الذي يعني الاعتذار، لنتخذ منهما سببا للتخلص من كل ما يعلق بنا من خلل يجلب الحسرة والألم.

وكلنا يعلم أن المعتذر لا يعتذر وهو عاقد العزم على الاستمرار في خطئه، ولا راغب في الاستمرار على خطئه، حتى وإن تكرر الخطأ والاعتذار جَاءَ رَجُلٌ لِعلَيّ رضي الله عنه فَقَالَ: مَا تَرَى فِي رَجُلٍ أَذْنَبَ ذَنْبًا قَالَ: «يَسْتَغْفِرُ اللَّهَ وَيَتُوبُ إِلَيْهِ» قَالَ: قَدْ فَعَلَ ثُمَّ عَادَ. قَالَ: يَسْتَغْفِرُ اللَّهَ وَيَتُوبُ إِلَيْهِ. قَالَ: قَدْ فَعَلَ ثُمَّ عَادَ. قَالَ: «يَسْتَغْفِرُ اللَّهَ ثُمَّ يَتُوبُ إِلَيْهِ» فَقَالَ لَهُ فِي الرَّابِعَةِ: قَدْ فَعَلَ ثُمَّ عَادَ، فَقَالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: «يَسْتَغْفِرُ اللَّهَ وَيَتُوبُ إِلَيْهِ وَلَا يَمَلُّ حَتَّى يَكُونَ الشَّيْطَانُ هُوَ الْمَحْسُورُ»

فلنسأل تعالى دوما العافية من التعرض للفتن ولنسأله جلّ جلاله الإعانة على ذكره وشكره وحسن عبادته، ولنكثر من الاستجابة لأمره سبحانه الذي بدأ فيه بنفسه حيث قال جلّ وعلا "إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا"


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

المسلم وشدّ البنيان الإيماني أو هدمه

يوم عاشوراء يوم التوحيد، يوم العلم والعمل، يوم الصبر والتفاؤل