يوم عاشوراء يوم التوحيد، يوم العلم والعمل، يوم الصبر والتفاؤل
الحمد الله مالك الملك ومدبر الأمر، رحمن وسعت رحمته كل شيء وكتبها سبحانه حقا عليه للمتقين من عباده. أشهد أن لا إله إلا هو العزيز الحكيم، وأشهد أن محمد بن عبد الله عبده ورسوله وإمام أنبيائه ورسله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه والتابعين وسلّم تسليما كثيرا. أما بعد
فيقول تعالى "يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ
ٱتَّقُواْ رَبَّكُمُ ٱلَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفۡسٖ وَٰحِدَةٖ وَخَلَقَ مِنۡهَا
زَوۡجَهَا وَبَثَّ مِنۡهُمَا رِجَالٗا كَثِيرٗا وَنِسَآءٗۚ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ٱلَّذِي
تَسَآءَلُونَ بِهِۦ وَٱلۡأَرۡحَامَۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيۡكُمۡ رَقِيبٗا"
غدا بإذن الله تعالى يحلّ علينا يوم
عاشوراء، وهو يوم عظيم من أيام الله تعالى التي نصر فيها عباده نصرا مؤزرا، وأظهر
التوحيد ظهورا جليّا، يوم عظيم يتفاءل به العباد تفاؤلا بالغاً في خاص أمرهم
وعامّه.
عن عائشةَ رضيَ الله عنها قالتْ: كانَ يوم
عاشوراءَ تَصومُهُ قُرَيْشٌ في الجاهِلَيَّةِ، وكانَ رسولُ الله صَلَّى اللهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يصومُهُ، فَلما قَدمَ المدينَةَ صَامَهُ، وأَمَرَ بِصيامِهِ
قبلَ أن يُفْرَضَ رمضانُ، وكانَ يومَاً تُسْتَرُ فِيهِ الكعبةُ، فَلما فُرِضَ
رمضانُ، كانَ رمضانُ الفريضةَ، وتَركَ يومَ عاشُوراءَ، وقالَ رسول الله صَلَّى
اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "من شاءَ فَلْيصُمْهُ، ومن شاءَ أَفْطَرَ" البخاري.
وعنِ ابنِ عبَّاسٍ رضيَ الله عنهُما قالَ: قَدِمَ
النبيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ المدينةَ، فرأَى اليهودَ تَصومُ يومَ
عاشوراءَ، فقالَ: "ما هذا؟ ". قالوا: هذا يومٌ صَالحٌ، هذا يَومٌ نَجَّى
الله بَني إسرائِيلَ من عَدُوِّهِمْ وفي روايةٍ: هو اليومُ الذي أَظْهر الله فيه
موسى وبَني إسْرائيلَ على عدوِّهم، فَصامَهُ مُوسى شكراً لله، ونحنُ نَصومُهُ
تَعْظيماً لهُ، قال: " نحن أَوْلى بموسى مِنكُمْ". فَصامَهُ، وأَمَرَ
بِصيامِهِ. البخاري
يقول تعالى "فَلَمَّا
تَرَٰٓءَا ٱلۡجَمۡعَانِ قَالَ أَصۡحَٰبُ مُوسَىٰٓ إِنَّا لَمُدۡرَكُونَ قَالَ
كَلَّآۖ إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهۡدِينِ فَأَوۡحَيۡنَآ إِلَىٰ مُوسَىٰٓ أَنِ ٱضۡرِب
بِّعَصَاكَ ٱلۡبَحۡرَۖ فَٱنفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرۡقٖ كَٱلطَّوۡدِ ٱلۡعَظِيمِ
وَأَزۡلَفۡنَا ثَمَّ ٱلۡأٓخَرِينَ وَأَنجَيۡنَا مُوسَىٰ وَمَن مَّعَهُۥٓ
أَجۡمَعِينَ ثُمَّ أَغۡرَقۡنَا ٱلۡأٓخَرِينَ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَةٗۖ وَمَا
كَانَ أَكۡثَرُهُم مُّؤۡمِنِينَ وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ"
لقد كانت العرب تصوم يوم عاشوراء وتعظمه،
ولكنه لا تدرك سره، إلا عادة ساروا عليها، حتى علم النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ سر هذا اليوم فأمضى صيامه على ما اعتاده وزيادة أن جعل ذلك شكرا لله
تعالى على نصره وفضله، وتأكيدا لترابط أهل الإيمان كافّة، وتبيانا لأسباب الفوز
بنصر الله وأهمها شكر الله كما أمر وشرع.
وإنما يُشكر الله تعالى بالتعبد بما علّمنا
إيّاه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن ذلك صيام يوم عاشوراء، نصومه شكرا لله،
ونصومه تقربا لله، ونصومه إثباتا لاتباعنا سنة رسول الله، ونصومه تفاؤلا بنصر وفرج
لنا خاصة في خاص أمرنا ولأمتنا في عام أمرها.
ولو
تأمل مسلم في سيرة موسى عليه السلام لوجد السر في الإكثار من إيراد أخباره في
القرآن الكريم، إذ يعلّمنا الله تعالى أنّ العلم والعمل بعلم والصبر والحِلم
والتجاهل وحسن الخلق هي أداوت النصر التي استخدمها موسى عليه السلام وهي خُلق
الأنبياء جميعا، وهي أدوات صناعة المستقبل الأجمل لمن أخذ بها في خاص أمره وعامّه.
وأن نكران الجميل سمة لدى الكثير من الخلق وهي علامة على انهم شر الخلق وأشنعهم
عاقبة وإن طال تمتعهم بوهم من السلامة والسعة فلا يؤبه لهم ولا يُترك فعل الخير
بسببهم.
وأكثروا عباد الله من الاستغفار ففيه رضا
الله وفيه عون الله وبسببه خيرات لا تحصى تتنزل بأمر الله. فاستغفر الله لي ولكم
الحمد لله العليّ العظيم، غافر الذنب وقابل
التوب اللطيف الخبير، والصلاة والسلام على البشير النذير والسراج المنير محمد بن
عبد الله وعلى آله وصحبه ومن والاه وبعد عباد الله.
عنِ ابنِ عبَّاسٍ رضيَ الله عنهما قالَ: ما
رأَيْتُ النبيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَحَرَّى صِيامَ يَومٍ
فَضَّلهُ على غَيرهِ إلا هذا اليومَ، يومَ عاشوراءَ، وهذا الشهرَ. يَعني شهرَ
رمضانَ. البخاري.
عباد الله منذ يوم عرفة وإلى اليوم كم من
الأخطاء وقعنا فيها؟ وكم هي حاجتنا لما يمحو تلك الذنوب والخطايا؟ ورحمة من الله
تعالى فقد وهبنا يوما نصومه فيمحو الله به كثيرا مما سلف من الذنوب والخطايا، غدا
يوم عاشوراء هبة الله لعباده، قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ: «وَصِيَامُ يَوْمِ عَاشُورَاءَ، أَحْتَسِبُ عَلَى اللهِ أَنْ يُكَفِّرَ
السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ» مسلم. فنصوم عاشوراء شكرا لله سابق فضله وعونه لعباده، وشكرا لله سابق وعونه
لنا خاصة، ونصومه أملا بتكرار نصر الله، ونصومه تفاؤلا بنجاحات لنا لم نحسب لها
حسابا.
يوم عاشوراء يوم عظيم بصيامه يتبين المتبع
لرسول الله من ضده، ويتبين المستحق لوعد الله ممن استحق وعيده، وبمراجعة عمل الناس
في الأيام الفاضلة وغيرها تدرك أن وعد الله لا يخلف فمنهم من يستحق فضل الله ونصره
ومنهم من يتركه الله لمن تعلق به "لَّا تَجۡعَلۡ
مَعَ ٱللَّهِ إِلَٰهًا ءَاخَرَ فَتَقۡعُدَ مَذۡمُومٗا مَّخۡذُولٗا" عَنْ أَبِي
هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "
قَالَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ،
مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي، تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ " مسلم. لئن كان الصيام إحدى
صور الشكر لله تعالى، فإن التوحيد هو أهمها وأعظمها ولا يقبل الله عملا بغيره، ولا
وعد عند الله تعالى لمن فرّط فيه.
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ
صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: " لَئِنْ عِشْتُ إِلَى قَابِلٍ،
لَأَصُومَنَّ الْيَوْمَ التَّاسِعَ، يَعْنِي مع عَاشُورَاءَ " فمن صام اليوم
ليجمعه مع الغد فقد أحسن ومن نسي فليصم الحادي عشر إن تيسر له، والأهمّ أن يصام
يوم غد لأنه يوم عظيم ذو فضل عظيم لدرجة أن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ كان يتحرى لصومه.
عباد الله يقول الله تعالى "إِنَّ ٱللَّهَ
وَمَلَٰٓئِكَتَهُۥ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِيِّۚ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ
ءَامَنُواْ صَلُّواْ عَلَيۡهِ وَسَلِّمُواْ تَسۡلِيمًا"
تعليقات
إرسال تعليق