بيوت الله (المساجد) مكانتها وواجب تعظيمها والعناية بها

 لقد خصّ الله تعالى المساجد بالذكر في كتابه الكريم ليبين لنا أهميتها ومكانتها وعظيم بركتها، وجعل سبحانه عمارتها علامة تمييز المؤمنين عن غيرهم قال تعالى "إِنَّمَا يَعۡمُرُ مَسَٰجِدَ ٱللَّهِ مَنۡ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ وَأَقَامَ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَى ٱلزَّكَوٰةَ وَلَمۡ يَخۡشَ إِلَّا ٱللَّهَۖ فَعَسَىٰٓ أُوْلَٰٓئِكَ أَن يَكُونُواْ مِنَ ٱلۡمُهۡتَدِينَ" فعمارة المسجد علامة الهدى، وهي أعمال الأنبياء والصالحين من أتباعهم، وهي على نوعين: عمارة بالتردد عليها وبملازمتها وبذكر الله فيها بأنواع الذكر، وعمارة بالبناء والصيانة والنظافة والتهيئة.

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «أَحَبُّ الْبِلَادِ إِلَى اللهِ مَسَاجِدُهَا، وَأَبْغَضُ الْبِلَادِ إِلَى اللهِ أَسْوَاقُهَا» مسلم. ولذلك كان المشي إليها عبادة، والجلوس فيها طاعة، وبالعناية بها أمر الله تعالى الأنبياء ومن سار على نهجهم.

وتكرمة لعمّار بيوت الله فقد شدد سبحانه في النهي عن كل ما يؤذيهم وإن كانت الأذية للخلق عموما محرّمة، إلا أنها تعظم حينما تكون في بيت الله ولعمّار بيت الله، ولذا فإن العناية ببيوت الله وبعمّار بيوت الله من تعظيم شعائر الله قال سبحانه "ذَٰلِكَۖ وَمَن يُعَظِّمۡ شَعَٰٓئِرَ ٱللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقۡوَى ٱلۡقُلُوبِ"

وأهم وأعظم ما تُعمر به المساجد هو عمارتها بالتوحيد وصيانتها عن الشرك بكل صوره، وصيانتها عن الأقذار والأوساخ وعن عبث الصغار.

إنّ من تعظيم بيوت الله المحافظة على نظافتها، وصيانتها من الأذى، والعناية بنظافة وصيانة مرافقها التابعة لها كأماكن الوضوء ونحوها، عَنْ عَائِشَةَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ بِبُنْيَانِ الْمَسَاجِدِ فِي الدُّورِ، وَأَمَرَ بِهَا أَنْ تُنَظَّفَ وَتُطَيَّبَ» أحمد وابن ماجة وأبو داود وصححه جمع من المحققين. والمقصود بالدور أي الأحياء السكنية، فينبغي أن يكون لكل حي مسجدا، وعلى أهله العناية ارتياده وعمارته بالصلاة والذكر، والعناية بطيبه ونظافته ورعاية جماله وتهيئته للمصلين والعاكفين.

وإن من تعظيم الصلاة الحضور إليها مبكرا، والتقدم نحو الصف الأول ما أمكن ذلك. عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا فِي النِّدَاءِ وَالصَّفِّ الْأَوَّلِ، ثُمَّ لَمْ يَجِدُوا إِلَّا أَنْ يَسْتَهِمُوا عَلَيْهِ لَاسْتَهَمُوا وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي التَّهْجِيرِ، لَاسْتَبَقُوا إِلَيْهِ، وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي الْعَتَمَةِ وَالصُّبْحِ، لَأَتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْوًا» متفق عليه. وقد قيل "الْمَسْجِدُ بَيْتُ كُلِّ تَقِيٍّ " ورعاية لحقوق المصلين فلا يجوز حجز الأماكن في الصفوف الأولى وغيرها، سواء للنفس أو للغير، لما فيه من التعدي على حق من حضر مبكراً للصلاة.

وكذلك من تعظيم المساجد الحضور إليها بطهور وبزينة وبرائحة تناسب المقام. قَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " مَنْ أَكَلَ مِنْ هَذِهِ الْبَقْلَةِ، الثُّومِ - وقَالَ مَرَّةً: مَنْ أَكَلَ الْبَصَلَ وَالثُّومَ وَالْكُرَّاثَ فَلَا يَقْرَبَنَّ مَسْجِدَنَا، فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ تَتَأَذَّى مِمَّا يَتَأَذَّى مِنْهُ بَنُو آدَمَ " مسلم. فيُحرم من الحضور للمساجد من كان به أذى يتقزز منه الناس عادة تكرمة للملائكة وللمصلين.

وكذلك يجب تجنب أذية المصلين كما يحدث بوضع الأحذية في مداخل وأبواب المساجد بعيدا عن الأمكنة المخصصة لها مما يُظهر ويسبب العشوائية ويشوّه صورة المسلم، ولما في ذلك من الضرر لا سيما على كبار السن وذوي الإعاقة الذين قد يتعثرون بها، إضافة إلى ما في ذلك من تشويه لا يليق ببيوت الله ولا يليق بمسلم بلغ من الوعي مبلغا عاليا، ولقد جاءت الشريعة بالحث على إماطة الأذى عن الطريق، قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَتُمِيطُ الْأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ صَدَقَةٌ» متفق عليه. فكيف إذا كان الطريق مدخلا لبيت من بيوت الله تعالى.

 وكذلك يجب على المصلين القادمين للمسجد بالسيارات الانتباه والحذر من إيذاء الناس بإيقاف سيارتهم على وجه يؤذي المارّة ويضيق عليهم ويُعيق حالات الإسعاف الطارئة، أو يُلحق الضرر بالمجاورين للمسجد، فتلك أذية محرمة شرعاً، وظاهرة سلبية لا تليق بمرتادي بيوت الله، وتتنافى مع ما ينبغي أن يكون عليه المسلم من الالتزام بالآداب وعدم أذية الناس.

إنّ أعظم ما تُعظّم به بيوت الله هو تطهيرها من الشرك ومن البدع ومن اللهو والعبث الذي لا يليق ببيت الملك العليّ العظيم جلّ جلاله،

قال تعالى: "فِي بُيُوتٍ أَذِنَ ٱللَّهُ أَن تُرۡفَعَ وَيُذۡكَرَ فِيهَا ٱسۡمُهُۥ يُسَبِّحُ لَهُۥ فِيهَا بِٱلۡغُدُوِّ وَٱلۡأٓصَالِ ۞رِجَالٞ لَّا تُلۡهِيهِمۡ تِجَٰرَةٞ وَلَا بَيۡعٌ عَن ذِكۡرِ ٱللَّهِ وَإِقَامِ ٱلصَّلَوٰةِ وَإِيتَآءِ ٱلزَّكَوٰةِ يَخَافُونَ يَوۡمٗا تَتَقَلَّبُ فِيهِ ٱلۡقُلُوبُ وَٱلۡأَبۡصَٰرُ ۞ لِيَجۡزِيَهُمُ ٱللَّهُ أَحۡسَنَ مَا عَمِلُواْ وَيَزِيدَهُم مِّن فَضۡلِهِۦۗ وَٱللَّهُ يَرۡزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيۡرِ حِسَابٖ" نسأل الله أن نكون منهم وأن يجزينا أجرنا بغير حساب فضلا منه سبحانه وكرما. عن ابن مسعود أنه رأى قوما من أهل السوق لما نودي بالصلاة، تركوا بياعاتهم، ونهضوا إلى الصلاة، فقال عبد الله: هؤلاء من الذين ذكر الله في كتابه (لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ). فلعلنا ان نكون منهم بالمحافظة على الصلاة في وقتها وحيث نودي بها.

عباد الله هذه المساجد معظمة عند الله تعالى ومُعظّمٌ من يُعظّمها، فلنتعاون على تعظيمها وعمارتها وأن نكون للمتقين قدوة في ارتيادها وفي عمارتها بالتعبد صلاة وذكرا، وفي صيانتها ونظافتها ورعاية مرافقها لتكون كما يُفترض ببيوت الله تعالى، فلعل الله تعالى أن يكرمنا وأن يهبنا بيوتا عالية في الجنّة وأن يُعظم لنا الأجر والقدر والمنزلة.

ثم صلوا وسلموا على من أمرتم بالصلاة عليه بقول ربكم جلّ في علاه "إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلَٰٓئِكَتَهُۥ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِيِّۚ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ صَلُّواْ عَلَيۡهِ وَسَلِّمُواْ تَسۡلِيمًا"

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

التقوى والتوبة سببان لأداء أمانة الوصول إلى الجنّة

المسلم وشدّ البنيان الإيماني أو هدمه

يوم عاشوراء يوم التوحيد، يوم العلم والعمل، يوم الصبر والتفاؤل