الأشهر الحُرُم والتربية على تعظيمها
دعا الله تعالى عباده الحنفاء لزيارة بيته الحرام من كل أصقاع الدنيا "وَأَذِّن فِي ٱلنَّاسِ بِٱلۡحَجِّ يَأۡتُوكَ رِجَالٗا وَعَلَىٰ كُلِّ ضَامِرٖ يَأۡتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٖ" وتعظيما منه جلّ جلاله لهذه العبادة، ولأن القادم للبيت الحرام سيمرّ بمناطق خطرة أمنيا، فقد اختار جلّ جلاله أشهرا محددة من السنة فخصّها بتعظيم الظلم فيها وجعلها أشهرا حُرُما يأمن فيها الناس عموما وقاصدي البيت الحرام خصوصا على أنفسهم وعلى أموالهم، وحذّر سبحانه من الاستهانة بهذا التعظيم والتحريم، فقال سبحانه "إِنَّ عِدَّةَ ٱلشُّهُورِ عِندَ ٱللَّهِ ٱثۡنَا عَشَرَ شَهۡرٗا فِي كِتَٰبِ ٱللَّهِ يَوۡمَ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ مِنۡهَآ أَرۡبَعَةٌ حُرُمٞۚ ذَٰلِكَ ٱلدِّينُ ٱلۡقَيِّمُۚ فَلَا تَظۡلِمُواْ فِيهِنَّ أَنفُسَكُمۡۚ وَقَٰتِلُواْ ٱلۡمُشۡرِكِينَ كَآفَّةٗ كَمَا يُقَٰتِلُونَكُمۡ كَآفَّةٗۚ وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلۡمُتَّقِينَ" وقال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في خطبة حجة الوداع: "إِنَّ الزَّمَانَ قَدِ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللهُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ- قد عاد تخصيص أشهر الحج والأشهر الحرم لما كانت عليه أيام الخليل إبراهيم عليه السلام التي قضى الله تعالى بها مع بدء الخليقة فليس الأمر خاص بالإسلام- السَّنَةُ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا، مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ، ثَلَاثَةٌ مُتَوَالِيَاتٌ: ذُو الْقَعْدَةِ، وَذُو الْحِجَّةِ، وَالْمُحَرَّمُ، وَرَجَبٌ شَهْرُ مُضَرَ الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ" ثُمَّ قَالَ: "فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ حَرَامٌ عَلَيْكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، وَسَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ، فَلَا تَرْجِعُنَّ بَعْدِي كُفَّارًا أَوْ ضُلَّالًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ، أَلَا لِيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ، فَلَعَلَّ بَعْضَ مَنْ يُبَلِّغُهُ يَكُونُ أَوْعَى لَهُ مِنْ بَعْضِ مَنْ سَمِعَهُ" ثُمَّ قَالَ: «أَلَا هَلْ بَلَّغْتُ؟» قَالُوا نَعَمْ. قَالَ: «اللَّهُمَّ! اشْهَدْ (ثَلاَثًا). ثُمَّ قَالَ: وَيْحَكُمُ! انْظُرُوا لاَ تَرْجِعُوا بَعْدِى كُفَّارًا؛ يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ" متفق عليه. قَالَ الْحَسَنُ حِينَ بَلَّغَ هَذِهِ الْكَلِمَةَ: «قَدْ وَاللَّهِ بَلَّغُوا أَقْوَامًا كَانُوا أَسْعَدَ بِهِ»
حدّد رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ هذه الأشهر وهي: شهر رجب المعروف، والأشهر الثلاثة القادمة ذو القعدة
وذو الحجة ومحرم. هي أشهر لها مكانتها العظيمة عند الله العليّ العظيم، ومن عظّمها
كانت له منزلة عظيمة عند الله جلّ وعلا في الدنيا وفي الآخرة. ووصية رسول الله صَلَّى
اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن نحترم وَنُعظّم ما اختار الله تعالى وعظّم من زمان، ونحترم
وَنُعظّم ما خصّه جلّ وعلا هذا الزمان من محرمات ومعظّمات وهي الدماء والأموال
والأعراض، ومن بلغته الوصية فامتثلها وحفظ حدودها وتخلّق بها كان أولى بالنبي
والنبي أولى به والله وليه ومولاه، وكان أسعد بهذه الوصية من كثير من الأولين
والآخرين، وكان حريا أن يحظى بحب من الله تعالى وبثنائه وبحفظه إذ عظّم ما عظّم
الله وحفظ ما حدّه الله.
فبعد أن جاء نصر الله والفتح واستقر الأمر ودخل الناس في دين الله أفواجا ،وأصبحت جزيرة العرب وما حولها في أمنٍ وأمان وطمأنينة واستقرار، جاء الأمر من الله تعالى بتعظيم هذه الأشهر الحرم وجاء التأكيد عليها من رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لنعلم بأن التحريم والتعظيم للظلم في هذه الأشهر الحرم باق إلى قيام الساعة وليس مرتبطا بحالات الخوف، وأن الدين القيّم هو في تجنب الظلم عموما في كل وقت، وبالأخص في هذه الأشهر الحرم التي خصّها الله بالتحريم.
أدعو نفسي وإيّاكم لتعظيم هذا الزمان
واحترامه، فإن الله تعالى لم يخصص هذه الأشهر وينهى فيها عن الظلم ويؤكد ذلك رسول
الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ويوصي بإبلاغ وصيته لمن لم يسمعها إلا لعظم
خطيئة الظلم في هذه الأشهر، ولا يستخف بهذا التعظيم إلا من باع عقله للشياطين.
وما أجمل أن نعرف هذه الأشهر ونتعلم أحكامها، وأن نعرّف بها ونذكّر بها وبالواجب فيها، ونربي انفسنا ومن حولنا على تغيير السلوك المعتاد إلى سلوك المُعظّم لما عظّم الله وحرّمه، فنحمل أنفسنا على تجنب ما حذّر منه رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وهو ما يتعلق بالدماء وبالأعراض وبالأموال، ولأننا في بلد آمن بحمد الله وفي مجتمع محافظ،
فصيانة للأعراض نتجنب الغيبة في هذا الزمان خاصة، إذ الغيبة كبيرة من كبائر الذنوب تمحق حسنات فاعلها وقد تلحق الضرّ بمن اغتيب فهي بوابة كل جناية وهي ظلم عظيم، كما نتجنب التعرض لمقدمات الزنا كافّة بكل صورها، فقد قال تعالى "وَلَا تَقۡرَبُواْ ٱلزِّنَىٰٓۖ إِنَّهُۥ كَانَ فَٰحِشَةٗ وَسَآءَ سَبِيلٗا".
وصيانة للدماء نتجنب التهور في القيادة، فالتهور اعتداء محرّم وظلم كبير وآثاره قاسية على الجميع، ومَلَلُكُ من الطريق أو تأخرك في الذهاب لما تريد ليس مبررا لئن تُحمّل الآخرين خطأك وتقصيرك ومزاجك.
وصيانة للأموال فنحذر من الغش ومن استغلال الجهل
بالخدمة المقدمة واستغلال الحاجة للتلاعب بالأسعار، وكذا نعتني بالصدق في التعامل
مع من تعامل معنا وأن ننصح له فيما نقدم له، وبالأخص فيما نأخذ عليه ثمنا.
ثم صلوا وسلموا على نبي هو برّ رحيم بكم
يعزّ عليه ويؤلمه ما يسبب الضرر لكم ويكره كل ما يبعدكم عنه يوم يترقب وصولكم على
حوضه العظيم، صلوا عليه دوما فقد أمركم الله تعالى بذلك ووصاكم هو بهذه الصلاة وهو
حبيبكم الذي أحبكم وتمنى رؤيتكم وعدّكم إخوانه، وهنيئا لمن كان أخا لمحمد صلى الله
عليه وسلم
تعليقات
إرسال تعليق