لاستقرار المعيشة والتغيير للأفضل

 وتمضي الحياة كالمعتاد بحمد الله، تمرّ أزمة وترحل ولا تضرّ بفضل الله، وتستمر الحياة بنا في حال أفضل في الأمنٍ والرغدٍ وفي التطلعٍ لمستقبل أجمل.

وهذه الحال من الاعتياد على معيشة هانئة وممارسات معينة، وهذه الثقة في حُسن الحال مستقبلا مع الأمن والأمان، هي حالٌ قلّ من يحصل عليها، وهي حالٌ قد امتّن الله تعالى بها على قريش في سورتين أنزلهما سوية، حتى إن بعض المفسرين قالوا بأنهما سورة واحدة لأن مقصودهما واحد، هما سورتا الفيل وقريش، فهما تحكيان نعمة الله على قريش في تحقيق الأمن لهم وفي دفع العدو عنهم، حتى نتج عن ذلك إيلافهم أي اعتيادهم لممارسات حياتية في أجمل حال من الأمن ورغد العيش، قال تعالى "أَلَمۡ تَرَ كَيۡفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصۡحَٰبِ ٱلۡفِيلِ أَلَمۡ يَجۡعَلۡ كَيۡدَهُمۡ فِي تَضۡلِيلٖ وَأَرۡسَلَ عَلَيۡهِمۡ طَيۡرًا أَبَابِيلَ تَرۡمِيهِم بِحِجَارَةٖ مِّن سِجِّيلٖ فَجَعَلَهُمۡ كَعَصۡفٖ مَّأۡكُولِۢ" كانت مكة تعيش أمناً فوق ما يمكن أن تحققه قوتهم العسكرية والاقتصادية، والعدو يُدفع عنهم بأيديهم أو من غير جهد منهم، فكانت النتيجة "لِإِيلَٰفِ قُرَيۡشٍ إِۦلَٰفِهِمۡ رِحۡلَةَ ٱلشِّتَآءِ وَٱلصَّيۡفِ" فاعتادوا النمط المعيشي المعروف من تجارة دائمة ثابتة، واستقرار مُطمئن تهنأ معه الحياة لأهلها، وكان المطلوب فقط "فَلۡيَعۡبُدُواْ رَبَّ هَٰذَا ٱلۡبَيۡتِ ٱلَّذِيٓ أَطۡعَمَهُم مِّن جُوعٖ وَءَامَنَهُم مِّنۡ خَوۡفِۢ"

اليوم بحمد الله نعيش أمناً وأماناً في خاصة أنفسنا، وأماناً في وطننا وتجاه مستقبلنا، يشهد لذلك ممارساتنا الطبيعية المستمرة في مختلف مجالات الحياة وعاداتنا التي ألفناها ونستمر في ممارستها، وهذا يذّكرنا بامتنان الله على قريش وينبهنا إلى أننا أحق بذاك الامتنان، وأحق بتلك التذكرة والموعظة منهم، وأحق بالاتعاظ والاعتبار والامتثال. فلكي تستمر في حياتك بدون تغيير إلا للأفضل فاستمر في الالتزام بما أراده الله منك وهو عبادته وحده لا شريك له وطاعته جلّ جلاله وطاعة رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم ما استطعت لذلك سبيلا، وإضافة لذلك فلك وعدٌ من الله تعالى بأن يكفيك ما اهمّك ويصدّ عنك من تربص بك. يقول جلّ جلاله "۞إِنَّ ٱللَّهَ يُدَٰفِعُ عَنِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٖ كَفُورٍ" أي خوّان للأمانة والعهود كثير الدسائس لا يؤمن جانبه، كفور بنعمة ربه بالشرك أو بجحود الفضل فيها، وانتبه فلم يقل سبحانه إنه يدفع عن المؤمنين عدوهم، بل قال جلّ جلاله يدافع ولم يحدد ما هو المدفوع عنهم وإن كان المقصود دفع بأس العدو، وذلك أعظم لوقع الصيغة في النفس، وأعمّ في الوعد ليشمل كافة مجالات الحياة ويشمل الجميع الوطن والأفراد، وكذلك فلفظ يدافع يوحي بالاستمرار ويمنح بشارات أكثر للمؤمنين في كل مجالات حياتهم.

وهذه المدافعة من الله لأنهم مؤمنون صادقون غير خوانين ولا كفارا، لنعلم بأن هذا الوعد بالمدافعة هو وعده سبحانه لكل مؤمن موّحد، صادق مع الجميع، حتى مع عدوه لا ينقض المواثيق ولا يبطن خلاف ما يُظهر، ولا يسعى للإضرار بالآخرين وطعنهم من حيث أمنوا، ومن كان بخلاف هذا فهو الخوّان الكفور الموعود ضمنا بان يوكل لنفسه ولا يُدافع عنه. فلننتبه لهذا الشرط المترتب عليه وعد الله لتستمر لك الحياة السعيدة المستقرة ولتكون أهلا للبشارة الإلهية ويستمر دفاع الله عنك وعن وطنك في كل مجال.  

ومن علم أن الله تعالى هو من يدافع عنه لم يكدّره كيد ومكر أعدائه، ولم ييأس ويستسلم لواقعه، بل يحسن الظنّ بربه ويسعى كي يكون المؤمن القوي في ذاته وفي علمه وفي مجاله وفي عمله وفي كل ما أُوكِل إليه، قويٌ في كل ما تيسر له، ويستحضر بأن ما اعتاده في حياته المعتادة عبر مواسم العام وفي كل الأعوام وأينما كان، أنه إنما اعتاده وتعوّد عليه لفضل الله عليه بسبب تمسكه بتوحيده وبصدق عبادته وصدق تعامله، وأن هذا التوحيد وهذا الصدق هو ما سيكُسِبُه وعد الله له بالمدافعة عنه وبحمايته ونصره وبدفع الضرّ عنه مهما كاد له المفسدون من حوله.

وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه والتابعين

فحمدا لله هدايته لنا بالتوحيد والسُنّة، وحمدا لله وشكرا له سبحانه مدافعته عنّا وحفظه لأمننا ووطننا وعيشنا واستقرارنا، ونسأله جلّ جلاله العون على ذكره وشكره وحسن عبادته لنهنأ بفضله في الدنيا وفي الآخرة.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

التقوى والتوبة سببان لأداء أمانة الوصول إلى الجنّة

المسلم وشدّ البنيان الإيماني أو هدمه

يوم عاشوراء يوم التوحيد، يوم العلم والعمل، يوم الصبر والتفاؤل