كن كريما على نفسك ولا تبخل عليها

يقول الله تعالى "كُلُّ نَفۡسٖ ذَآئِقَةُ ٱلۡمَوۡتِۗ وَإِنَّمَا تُوَفَّوۡنَ أُجُورَكُمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِۖ فَمَن زُحۡزِحَ عَنِ ٱلنَّارِ وَأُدۡخِلَ ٱلۡجَنَّةَ فَقَدۡ فَازَۗ وَمَا ٱلۡحَيَوٰةُ ٱلدُّنۡيَآ إِلَّا مَتَٰعُ ٱلۡغُرُورِ" فاتقوا الله واسعوا للفوز بالجنّة، واحذروا مضلات الفتن وكسل النفس فهما الغرور الذي سيقود للحسرة والندامة.

أرأيت عبد الله كل أولئك الذين مرّت بك جنائزهم وصُليَّ عليهم ومن ثم دفنوا؟ ستمر جنازتك بأحبتك وسيصلون عليك كما مرّ بغيرك، وسيتولى دفنك الأكثر حبا لك، ولذا فاعمل اليوم على أن يقال للملائكة عنك في قبرك: أنْ قد صَدَقَ عبدي، فأفرشُوه من الجنة، وافتَحُوا له باباً إلى الجنّة، وألبسُوه من الجنة" فيأتيك من رَوحِها وطيبها، ويُفتح لك فيها مدَّ بصرِك". واعمل على أن تكون فرحا مسرورا مستبشرا يوم ترى نبيك وحبيبك محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وهو يستقبل صحبه وإخوته عند حوضه ليهنئوا بشربة لا ظمأ بعدها أبدا؟ فحافظ على سنته واغتنم كل لحظة لتكون عبدا شكورا مثله، فتكون من إخوته وتفرح به ويفرح بك.

اعمل لنفسك اليوم، لعلك اليوم وغدا تكون ممن وعدوا بقول الله تعالى "إِنَّ ٱلَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا ٱللَّهُ ثُمَّ ٱسۡتَقَٰمُواْ تَتَنَزَّلُ عَلَيۡهِمُ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ أَلَّا تَخَافُواْ وَلَا تَحۡزَنُواْ وَأَبۡشِرُواْ بِٱلۡجَنَّةِ ٱلَّتِي كُنتُمۡ تُوعَدُونَ نَحۡنُ أَوۡلِيَآؤُكُمۡ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا وَفِي ٱلۡأٓخِرَةِۖ وَلَكُمۡ فِيهَا مَا تَشۡتَهِيٓ أَنفُسُكُمۡ وَلَكُمۡ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ نُزُلٗا مِّنۡ غَفُورٖ رَّحِيمٖ"

عباد الله إن من سُنّةِ رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه إذا دخلت العشر تغيرت مشاعره وتغيرت عاداته وحلّ في قلبه تعظيم لكل لحظة من هذه الليالي العظيمة، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا، قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، «إِذَا دَخَلَ الْعَشْرُ، أَحْيَا اللَّيْلَ، وَأَيْقَظَ أَهْلَهُ، وَجَدَّ وَشَدَّ الْمِئْزَرَ» متفق عليه. فكان عليه الصلاة والسلام وهو المغفور له ما تقدم من ذنبه وما تأخر يستغرق الليل في الصلاة وغيرها ويهتمّ لأهله، فيذكّرهم بقيام الليل ويحثّهم عليه، ويكون قدوة لهم بعمله فهو يَجِدُّ ويشدُّ المئزر وذلك كناية عن الجد والتشمير في العبادة زيادة على العادة، يقال شددت لهذا الأمر مئزري أي تشمرت له وتفرغت. وجاء في بعض الروايات واعتزل أهله، وذلك كناية عن اعتزال الصوارف والملهيات، ومن اعتزل أهله فبالتأكيد غيرهم من باب أولى، خصوصا إذا كانوا من سرّاق الوقت كالرفقة التي لا تعين على طاعة وكبرامج التواصل العبثية. هذه بعضا من سنة رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في العشر الأواخر من رمضان، فما هي سنتك أنت؟

نافس عباد الله اليوم على الصالحات لتفوز غدا "وَفِي ذَٰلِكَ فَلۡيَتَنَافَسِ ٱلۡمُتَنَٰفِسُونَ" واعلم أن مجالس القوم الصالحين في المساجد دوما وبالأخص هذه الليالي، مجالس محفوفة بملائكة الرحمة تدعمهم وتحفّزهم وتدعو لهم فانتبه لنفسك، شاركهم لعل دعواتهم تحوطك وترفعك من حيث لا تعلم، فهم القوم لا يشقى بهم جليسهم.

يقول تعالى "إِنَّآ أَنزَلۡنَٰهُ فِي لَيۡلَةِ ٱلۡقَدۡرِ وَمَآ أَدۡرَىٰكَ مَا لَيۡلَةُ ٱلۡقَدۡرِ لَيۡلَةُ ٱلۡقَدۡرِ خَيۡرٞ مِّنۡ أَلۡفِ شَهۡرٖ تَنَزَّلُ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ وَٱلرُّوحُ فِيهَا بِإِذۡنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمۡرٖ سَلَٰمٌ هِيَ حَتَّىٰ مَطۡلَعِ ٱلۡفَجۡرِ"

صلاتك، برك بوالديك وصلتهم، صدقتك، دعواتك، تلاوتك، عملك الخير، بُعدك عن اللغو في تلك الليلة خير من عملك إياه في 83 سنة وأشهر، أعطاك الله بفضله وبرحمته ليلةً هي خير لك من كل عمرك، ما مضى منه وما بقي، ليلةً هي بمثابة مكافأة من الله تعالى لعباده الصالحين يعوّضون بها ما فات ويسبقون بها كثيرا من الناس. عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّهَا قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَرَأَيْتَ إِنْ وَافَقْتُ لَيْلَةَ الْقَدْرِ مَا أَدْعُو؟ قَالَ: "تَقُولِينَ: اللَّهُمَّ إِنَّكَ عَفُوٌّ تُحِبُّ الْعَفْوَ فَاعْفُ عَنِّي"


 إنّ مما أوجب الله تعالى على عباده في نهاية شهر صيامهم زكاة الفطر عن كل نفس مؤمنة ولو لم تبلغ سن وجوب الصيام، وذلك بمقدار صاع من طعام أهل البلد إما حَبّا أو تمراً، وفي إخراجها عينيا استجابة لظاهر الحديث ومظهرا اجتماعيا مميزا. عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: «فَرَضَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ زَكَاةَ الْفِطْرِ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ، عَلَى كُلِّ عَبْدٍ أَوْ حُرٍّ، صَغِيرٍ أَوْ كَبِيرٍ» متفق عليه.

ومن سُنّة النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في نهاية رمضان كثرة التكبير والتحميد والتهليل استجابة لقول الله تعالى " وَلِتُكۡمِلُواْ ٱلۡعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُواْ ٱللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَىٰكُمۡ وَلَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ"

وإن من سُنّة النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في نهاية رمضان الدعوة والحثّ على أداء صلاة العيد، عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ، قَالَتْ: أَمَرَنَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَنْ نُخْرِجَهُنَّ فِي الْفِطْرِ وَالْأَضْحَى، الْعَوَاتِقَ، وَالْحُيَّضَ، وَذَوَاتِ الْخُدُورِ، فَأَمَّا الْحُيَّضُ فَيَعْتَزِلْنَ الصَّلَاةَ، وَيَشْهَدْنَ الْخَيْرَ، وَدَعْوَةَ الْمُسْلِمِينَ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ إِحْدَانَا لَا يَكُونُ لَهَا جِلْبَابٌ، قَالَ: «لِتُلْبِسْهَا أُخْتُهَا مِنْ جِلْبَابِهَا» مسلم.

عباد الله تذكروا الجنّة وما أعدّه الله للصالحين من عباده، واستغلوا هذه الليالي للفوز بالبشارة من ربكم ومن ملائكته، انتبهوا لأنفسكم من سراق الوقت، أكثروا من نوافل الصلوات يحبكم ربكم وتفوزوا برفقة نبيكم في الفردوس الأعلى، وأكثروا تلاوة القرآن الكريم فإن لمن يتلوه بكل حرف منه عشر حسنات ويقال لقارئه في الجنّة اقرأ وارتق ورتل كما كنت ترتل في الدنيا، فاقرأوا القرآن اعمروا به أوقاتكم، لا تبخلوا على أنفسكم اليوم فتندموا غدا.

عباد الله إن للصائم دعوة لا ترد، وفي الجمعة ساعة لا ترد فيها الدعوة، والشهر رمضان الذي عظّمه الله وحثّ على كثرة الدعاء فيه، فاذكروا الله وسبحوه وادعوه.

وأكثروا الصلاة والسلام على من كانت نجاتكم همّه واللقاء بكم أمنيته، وقد أعدّ الله الحوض لاجتماعكم به، صلوا عليه يصلي الله عليكم عشرا وسلوا الله له الوسيلة بعد كل أذان تستحقوا شفاعته.

اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وصحبه والتابعين إلى يوم الدين.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

التقوى والتوبة سببان لأداء أمانة الوصول إلى الجنّة

المسلم وشدّ البنيان الإيماني أو هدمه

يوم عاشوراء يوم التوحيد، يوم العلم والعمل، يوم الصبر والتفاؤل