الشكر علامة استحقاق النعمة وسبب الزيادة

  إن من أعظم القيم التي يُفترض بالمسلم التخلق بها وامتثالها وتعظيمها هي نعمة الشكر، شكرٌ لله على نعمه جميعا، وشكرٌ لكل متفضل بخدمة ما، إذ كلمة الشكر تدل على رُقي النفس وكرم الخُلق، وهي علامة جودة الصِلة وبوابة الاستزادة من كل خير. قال تعالى "وَإِذۡ تَأَذَّنَ رَبُّكُمۡ لَئِن شَكَرۡتُمۡ لَأَزِيدَنَّكُمۡ"

ويدرك الناس في حياتهم أن الشكر فيما بينهم هو علامة الوفاء وهو سبب السعادة والهناء، وأداة تبادل المنافع والخدمات بنفس رضية وبدون مقابل مادي.

وإن من أعظم المنن الإلهية على عباده نعمة الأمن والاستقرار، إذ بهما يكون رغد الحياة وسرور العباد ونمو الحياة بشكل جميل ممتع، ومع الأمن والاستقرار يكن المزيد من التطور والرقي وتكن السعادة بحسن العبادة وبحسن الصلة بالعباد، فالأمن والاستقرار أحق ما بذل الجهد في شكره.

ولأهمية نعمة الأمن في تشكيل وصنع سعادة الحياة للمجتمع، فإنها لا تقوم إلا بجهود جماعية عظيمة من قِبل عامة المستمتعين بها، فالجميع صنّاع للأمن وللاستقرار على اختلاف درجاتهم وأدوارهم.

وأن نجد أنفسنا في وطن آمن مستقر بلا سعيٍ منّا لهي نعمة عظمى، والحفاظ عليها فرضٌ على كل منّا، كلٌ ودوره وقدرته، وإن من أدوارنا المهمة كأفراد في هذه المنظومة التي تشكل الوطن أن نساهم في الحفاظ على النعمة بكبت الشائعات والأخبار القادحة في القيادات أو في أحد من الناس، وبالأخص الأخبار التي تنشر قلقا أو خوفا وهلعا، وإن من النشر العابث المُحمِّلِ للأوزار هو إعادة نشر الأخبار المتناقلة في برامج التواصل على مختلف أنواعها، إذ إعادة النشر ترويج للخبر ولا يقل خطرا عن صناعة الكذب قال تعالى "وَإِذَا جَآءَهُمۡ أَمۡرٞ مِّنَ ٱلۡأَمۡنِ أَوِ ٱلۡخَوۡفِ أَذَاعُواْ بِهِۦۖ وَلَوۡ رَدُّوهُ إِلَى ٱلرَّسُولِ وَإِلَىٰٓ أُوْلِي ٱلۡأَمۡرِ مِنۡهُمۡ لَعَلِمَهُ ٱلَّذِينَ يَسۡتَنۢبِطُونَهُۥ مِنۡهُمۡۗ وَلَوۡلَا فَضۡلُ ٱللَّهِ عَلَيۡكُمۡ وَرَحۡمَتُهُۥ لَٱتَّبَعۡتُمُ ٱلشَّيۡطَٰنَ إِلَّا قَلِيلٗا"

والرد لأولي الأمر هنا هو الرجوع للمصادر الرسمية للأخبار واستقاء المعلومات اللازمة من مصادرها، والأسلم للمرء وللناس هو في تجاهل تلك الأخبار التي تُشغل الناس وتشتت أفكارهم وتصدهم عما فيه الخير لهم. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مِنْ حُسْنِ إِسْلاَمِ الْمَرْءِ تَرْكُهُ مَا لا يَعْنِيهِ. أحمد والترمذي وابن ماجة وصححه الألباني وأحمد شاكر.

وَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «كَفَى بِالْمَرْءِ كَذِبًا أَنْ يُحَدِّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ» مسلم. فمجرد تناقل الأخبار على مستوى العامة أو على مستوى العلاقات الخاصة هو من الكذب.

قَالَ الإمامُ مَالِكٌ: «اعْلَمْ أَنَّهُ لَيْسَ يَسْلَمُ رَجُلٌ حَدَّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ، وَلَا يَكُونُ إِمَامًا أَبَدًا وَهُوَ يُحَدِّثُ بِكُلِّ مَا سَمِعَ»

فكل متحدث وكل معيد لنشر الأخبار لا يسلم من الذنوب والآثام بما يجرّه على الناس من كذب وبما يصنعه من جهل أو فرقة ونفرة أو خوف وهلع، ومثل هذا لا يصح أن ينظر إليه الناس ولا يرجعوا إليه في شأن من شؤونهم.

وفي أخبار الحروب والسياسات الدولية يكثر المتحدثون ويتبارون في تقديم التحليلات وكلهم يدّعون علما خفي على الكثير، ولكنهم كلهم مثلك بعيدون عن صناّع القرار ولا يملكون سوى حسن تزوير الكلام وترتيبه انتقاء للأخبار المثيرة للجدل، فعليك بنفسك فاعتن بها فهي مسئوليتك.

ومن الإرجاف وإشاعة الخوف وبالتالي الوقوع في المحذور الشرعي هو تصوير وتداول المقاطع المتعلقة بالأحداث الأمنية حيث تسبب قلقا وهمّا وخوفا ينتج عنها من الأمراض والأضرار الكثير وتعريض الأنفس والمصالح للخطر وفيه إعانة للعدو على التشفي والتمادي في عدوانه، وكان يمكن قطع ذلك كله بعدم تصوير وتداول تلك الأحداث وأخبارها.

حفظنا الله والمسلمين من الشرور وأهلها.

قال تعالى "وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمۡ وَأَنتَ فِيهِمۡۚ وَمَا كَانَ ٱللَّهُ مُعَذِّبَهُمۡ وَهُمۡ يَسۡتَغۡفِرُونَ" بملازمة سُنّةِ رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وكثرة الاستغفار يؤدي الأفراد دورا مهما في صناعة الأمن والاستقرار والحفاظ عليهما.

إن المؤمن كي ينصر دينه ويصون أمنه ويدعم إخوانه مطالب باتخاذ ما كلفه الله به ويسره له وذلك بكثرة الدعاء وسؤال الله العافية ودرء الشرّ ودحر مريدي الشرّ، والدعاء بحفظ ونصر وتأييد القيادة التي كانت ولا زالت تقيم الصلاة وتحمي التوحيد وترعة الوطن وأهله.

وإنّ من أجل ما يُشكر به الله تعالى على نعمة الوطن المسلم ونعمة الأمن والاستقرار هو ما بيّنه جلّ وعلا بقوله "ٱلَّذِينَ إِن مَّكَّنَّٰهُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ أَقَامُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَوُاْ ٱلزَّكَوٰةَ وَأَمَرُواْ بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَنَهَوۡاْ عَنِ ٱلۡمُنكَرِۗ وَلِلَّهِ عَٰقِبَةُ ٱلۡأُمُورِ" فهؤلاء هم الموعودون بالنصر والتمكين في كل زمان، ولنعلم جيدا أن الله تعالى قد كتب على نفسه المقدسة أن النصر والتمكين في الأرض حق عليه سبحانه لمن علم الوعد والتزم الشرط الذي قال عنه سبحانه "وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنكُمۡ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ لَيَسۡتَخۡلِفَنَّهُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ كَمَا ٱسۡتَخۡلَفَ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمۡ دِينَهُمُ ٱلَّذِي ٱرۡتَضَىٰ لَهُمۡ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّنۢ بَعۡدِ خَوۡفِهِمۡ أَمۡنٗاۚ يَعۡبُدُونَنِي لَا يُشۡرِكُونَ بِي شَيۡ‍ٔٗاۚ وَمَن كَفَرَ بَعۡدَ ذَٰلِكَ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡفَٰسِقُونَ وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُواْ ٱلزَّكَوٰةَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ لَعَلَّكُمۡ تُرۡحَمُونَ" فكل سبب للخذلان ستجده راجع للشرك في المقام الأول ولإضاعة الصلاة ولكثرة الاختلافات، والله تعالى قد قال "لَّا تَجۡعَلۡ مَعَ ٱللَّهِ إِلَٰهًا ءَاخَرَ فَتَقۡعُدَ مَذۡمُومٗا مَّخۡذُولٗا"

فاحفظ دينك وامنك ووطنك رعاك الله بكبت الشائعات والأخبار التي لا نفع للناس فيها، احفظ زمانك بالإعراض عن تتبع اخبار يراد بها الإثارة وكسب المشاهدات والتكسب من الإعلانات، وأد حق الله عليك في وطنك شكرا لنعمه وحفاظا عليها بتوحيده جلّ جلاله وبالصلاة والاستغفار وبالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في محيطك الخاص.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

التقوى والتوبة سببان لأداء أمانة الوصول إلى الجنّة

المسلم وشدّ البنيان الإيماني أو هدمه

يوم عاشوراء يوم التوحيد، يوم العلم والعمل، يوم الصبر والتفاؤل