بالقرآن الكريم تصنع لنفسك سعادة وكرامة

 الحمد لله العلّي العظيم الولّي الحميد، أشهد أن لا إله إلا هو وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، وأشهد أن محمد بن عبد الله عبده ورسوله أرسله بالهدى ودين الحق بشيرا ونذيرا، فأدى الأمانة وبلّغ الرسالة وكان عبدا شكورا صلى الله عليه وعلى آله وصحبه والتابعين إلى يوم الدين وسلّم تسليما كثيرا وبعد عباد الله فيقول الله تعالى "يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَلۡتَنظُرۡ نَفۡسٞ مَّا قَدَّمَتۡ لِغَدٖۖ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَۚ إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيرُۢ بِمَا تَعۡمَلُونَ" كثيرا ما يحذرنا ربنا جلّ وعلا من الغد! وكثيرا ما يدعونا سبحانه للاستعداد للغد! وكثيرا ما يبشرنا تبارك وتعالى بما في الغد!

هذا الغد قد وصفه الله تعالى بقوله "يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمۡۚ إِنَّ زَلۡزَلَةَ ٱلسَّاعَةِ شَيۡءٌ عَظِيمٞ يَوۡمَ تَرَوۡنَهَا تَذۡهَلُ كُلُّ مُرۡضِعَةٍ عَمَّآ أَرۡضَعَتۡ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمۡلٍ حَمۡلَهَا وَتَرَى ٱلنَّاسَ سُكَٰرَىٰ وَمَا هُم بِسُكَٰرَىٰ وَلَٰكِنَّ عَذَابَ ٱللَّهِ شَدِيدٞ" ووصفه بقوله سبحانه "وَلَقَدۡ جِئۡتُمُونَا فُرَٰدَىٰ كَمَا خَلَقۡنَٰكُمۡ أَوَّلَ مَرَّةٖ وَتَرَكۡتُم مَّا خَوَّلۡنَٰكُمۡ وَرَآءَ ظُهُورِكُمۡ" وقال عنه جلّ شأنه "وَكُلَّ إِنسَٰنٍ أَلۡزَمۡنَٰهُ طَٰٓئِرَهُۥ فِي عُنُقِهِۦۖ وَنُخۡرِجُ لَهُۥ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ كِتَٰبٗا يَلۡقَىٰهُ مَنشُورًا ٱقۡرَأۡ كِتَٰبَكَ كَفَىٰ بِنَفۡسِكَ ٱلۡيَوۡمَ عَلَيۡكَ حَسِيبٗا" غدا يقال لكل منّا "هَٰذَا كِتَٰبُنَا يَنطِقُ عَلَيۡكُم بِٱلۡحَقِّۚ إِنَّا كُنَّا نَسۡتَنسِخُ مَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ"

عامة هذه الخطابات الربانية موجهة للناس كافّة مؤمنهم وكافرهم، خذوا لكم اليوم وقاية من أهوال الغد، خذوا لكم اليوم مبهجات للغد، خذوا لكم اليوم زادا يسرّكم ويُسعدكم ويساعدكم لبلوغ أعلى منازل الجنان.

وإنّ من المبهجات المُؤمّنات للعباد في الدنيا وفي الآخرة ما حثّنا عليه ربنا جلّ وعلا بقوله "وَٱللَّهُ يُقَدِّرُ ٱلَّيۡلَ وَٱلنَّهَارَۚ عَلِمَ أَن لَّن تُحۡصُوهُ فَتَابَ عَلَيۡكُمۡۖ فَٱقۡرَءُواْ مَا تَيَسَّرَ مِنَ ٱلۡقُرۡءَانِۚ عَلِمَ أَن سَيَكُونُ مِنكُم مَّرۡضَىٰ وَءَاخَرُونَ يَضۡرِبُونَ فِي ٱلۡأَرۡضِ يَبۡتَغُونَ مِن فَضۡلِ ٱللَّهِ وَءَاخَرُونَ يُقَٰتِلُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِۖ فَٱقۡرَءُواْ مَا تَيَسَّرَ مِنۡهُۚ" وحثنا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقَولِهِ: «اقْرَءُوا الْقُرْآنَ فَإِنَّهُ يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ شَفِيعًا لِأَصْحَابِهِ، اقْرَءُوا الزَّهْرَاوَيْنِ الْبَقَرَةَ، وَسُورَةَ آلِ عِمْرَانَ، فَإِنَّهُمَا تَأْتِيَانِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَأَنَّهُمَا غَمَامَتَانِ، أَوْ كَأَنَّهُمَا غَيَايَتَانِ، أَوْ كَأَنَّهُمَا فِرْقَانِ مِنْ طَيْرٍ صَوَافَّ، تُحَاجَّانِ عَنْ أَصْحَابِهِمَا، اقْرَءُوا سُورَةَ الْبَقَرَةِ، فَإِنَّ أَخْذَهَا بَرَكَةٌ، وَتَرْكَهَا حَسْرَةٌ، وَلَا تَسْتَطِيعُهَا الْبَطَلَةُ». مسلم. قيل في البطلة هم السحرة، وقيل هم الكسالى أصحاب الأمنيات بدون عمل.

عباد الله إن مما عَظُمَ به شهر رمضان هو هذا القرآن العظيم، ألم تر كيف ربط الله تعالى بين رمضان والقرآن فقال سبحانه "شَهۡرُ رَمَضَانَ ٱلَّذِيٓ أُنزِلَ فِيهِ ٱلۡقُرۡءَانُ هُدٗى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَٰتٖ مِّنَ ٱلۡهُدَىٰ وَٱلۡفُرۡقَانِ" لقد جمع الله تعالى لنا اليوم بين عظيمين، شهر رمضان والقرآن، عظّم سبحانه من شأنهما وعظّم قدر من عظّمهما.

قَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ اللهَ يَرْفَعُ بِهَذَا الْكِتَابِ أَقْوَامًا، وَيَضَعُ بِهِ آخَرِينَ» مسلم.

القرآن هو سر الرقي الخُلقي، وهو سبيل قُربِ العبد من ربه، وسببُ ذِكرِ المولى جلّ وعلا لعبده وثنائه عليه، القرآن هو سُلّم الصعود في المنازل الرفيعة من الجنة العالية. قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «يُقَالُ لِصَاحِبِ الْقُرْآنِ اقْرَأْ وَارْتَقِ وَرَتِّلْ كَمَا كُنْتَ تُرَتِّلُ فِي الدُّنْيَا، فَإِنَّ مَنْزِلَتَكَ عِنْدَ آخِرِ آيَةٍ تَقْرَؤُهَا» النسائي والترمذي وابن ماجة وصححه الألباني والأرناؤوط وأحمد شاكر وغيرهم. ويا لسرورك وسعادتك حينما تدعوك الملائكة الكرام لهذا الارتقاء لأنك صحبت القرآن في حياتك الدنيا، وما أبلغ سعادتك وسرورك حينما ترى نفسك قد تقدمت أكثر من صحبك الذين قدموا متعتهم ونُزهتهم على الجلوس للتلاوة حتى في أفضل وأعظم الأزمان وهم يرون أعمارهم تتناقص باستمرار وعلى عًجّلٍ.

إن من لا يملك القدرة على تغيير عاداته ويستسلم لآراء وانطباعات من حوله على حساب مصالحه وفرصه التي لا تُعوّض فليستعد لعضّ أصابعه ندما يوم يرى صحبه وقد تقدموا عليه لأنهم اعتنوا بأولوياتهم وباستغلال الفرص التي تمرّ بهم.

يقول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ قَرَأَ حَرْفًا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ فَلَهُ بِهِ حَسَنَةٌ، وَالحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا، لَا أَقُولُ الم حَرْفٌ، وَلَكِنْ أَلِفٌ حَرْفٌ وَلَامٌ حَرْفٌ وَمِيمٌ حَرْفٌ» الترمذي وصححه الألباني.

بارك الله لي ولكم في القرآن والسُنّةِ ونفعنا بما فيهما من الآيات والحكمة وجعلنا من أهلهما، واستغفر الله لي ولكم ولوالدينا وللمسلمين أجمعين.

 

الحمد الله حمدا يليق بجلال وجهه وعظيم سلطانه وأشهد أن لا إله إلا هو الواحد الأحد الفرد الصمد، وأشهد أن محمد بن عبد الله عبده ورسوله وصفيه وخليله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه والتابعين إلى يوم الدين وسلّم تسليما كثيرا وبعد عباد الله فيقول تعالى "بَلِ ٱلۡإِنسَٰنُ عَلَىٰ نَفۡسِهِۦ بَصِيرَةٞ وَلَوۡ أَلۡقَىٰ مَعَاذِيرَهُ" اليوم هو العاشر من رمضان فكيفك عبد الله مع القرآن؟ كم معدل تلاوتك اليومي؟ هل ختمت المصحف في هذه الأيام العشرة؟ لا تقل وين! الله المستعان عساي أختم قبل لا ينتهي الشهر! لأن الله تعالى أقام عليك الحُجة فقد أعانك وهيء الفرص لك فلا عذر لك، مصحفك يتنقل معك عبر هاتفك، وفراغك أكثر من شغلك، ولا متحكم في وقتك سوى هواك وشهواتك، راجع يومك ونهارك وتفقد الهدر في عمرك! وراجع هاتفك وتفقد إحصائيات استخدامك له لتدرك كم هي ساعات عمرك التي سرقتها منك تطبيقاته المختلفة، لتزداد يقينا بأنه لا عذر لك. واعلم أنه سيأتيك يوم تلوم نفسك على تفويت هذه الفرصة، وأن كثيرا من الخلق سيقولون يا ليتنا قدّمنا لحياتنا.

تدارك فرصة العمر وفرصة القدرة على العمل، فاتل كتاب ربك كلما تيسر لك ولا تقيد نفسك بالمسجد، اتل في وقت فراغك وعند نومك وكل وقت يتيسر لك، اتل كتاب ربك تتودد به لربك وتُعلي شأنك وترفع درجتك وتُحسّن من خلقك وتنأى بنفسك عن السوء والفحشاء، زاحم به الأهواء الفاسدة، وبه اطردها عن قلبك. "وَٱتۡلُ مَآ أُوحِيَ إِلَيۡكَ مِن كِتَابِ رَبِّكَۖ لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَٰتِهِۦ وَلَن تَجِدَ مِن دُونِهِۦ مُلۡتَحَدٗا وَٱصۡبِرۡ نَفۡسَكَ مَعَ ٱلَّذِينَ يَدۡعُونَ رَبَّهُم بِٱلۡغَدَوٰةِ وَٱلۡعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجۡهَهُۥۖ وَلَا تَعۡدُ عَيۡنَاكَ عَنۡهُمۡ تُرِيدُ زِينَةَ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَاۖ وَلَا تُطِعۡ مَنۡ أَغۡفَلۡنَا قَلۡبَهُۥ عَن ذِكۡرِنَا وَٱتَّبَعَ هَوَىٰهُ وَكَانَ أَمۡرُهُۥ فُرُطٗا" هذا القرآن بتلاوتك له وباستماعك لمن يتلوه سيصنع لك فرقا في حياتك وبعد مماتك فاتل كتاب ربك

قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ لِلَّهِ أَهْلِينَ مِنَ النَّاسِ» قَالَ: قِيلَ: مَنْ هُمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «أَهْلُ الْقُرْآنِ هُمْ أَهْلُ اللَّهِ، وَخَاصَّتُهُ» احمد والترمذي وابن ماجة وصححه الألباني. وكفى بهذه المنزلة فضلا، وكفى بها دعوة لمصاحبة القرآن، وكفى بها سببا للبهجة اليوم قبل ان ينزل بنا الغد.

رزقنا الله حب القرآن وتلاوته والعمل به وجعلنا من أهل القرآن ورفعنا بالقرآن وأكرمنا بطاعته.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

التقوى والتوبة سببان لأداء أمانة الوصول إلى الجنّة

المسلم وشدّ البنيان الإيماني أو هدمه

يوم عاشوراء يوم التوحيد، يوم العلم والعمل، يوم الصبر والتفاؤل