فضل شهر مضان
يوصينا الله تعالى بقوله "وَٱتَّقُواْ يَوۡمٗا تُرۡجَعُونَ فِيهِ إِلَى ٱللَّهِۖ ثُمَّ تُوَفَّىٰ كُلُّ نَفۡسٖ مَّا كَسَبَتۡ وَهُمۡ لَا يُظۡلَمُونَ" وكلٌ منّا هو خصيم نفسه وهو على نفسه بصيرة، فلينطر كل ماذا قدّم وماذا سيجد له يوم الحساب "يَوۡمَ تَجِدُ كُلُّ نَفۡسٖ مَّا عَمِلَتۡ مِنۡ خَيۡرٖ مُّحۡضَرٗا وَمَا عَمِلَتۡ مِن سُوٓءٖ تَوَدُّ لَوۡ أَنَّ بَيۡنَهَا وَبَيۡنَهُۥٓ أَمَدَۢا بَعِيدٗاۗ وَيُحَذِّرُكُمُ ٱللَّهُ نَفۡسَهُۥۗ وَٱللَّهُ رَءُوفُۢ بِٱلۡعِبَادِ" والإقبال على الطاعة عملُ خيرٍ سيكون محضرا، والتقصير في الطاعة والتقرب سوء سيلاحظ أثره وسيكون حسرة
عباد الله إن من فضل الله علينا نحن أمّة محمد صلى الله عليه وسلم أن كنّا
آخر الأمم وكنّا أقل الأمم عملا وأكثرها ثوابا، فالأجر مضاعف على قليل العمل
ويسيره.
ومن هذه الفضائل التي امتنّ الله تعالى بها
علينا شهر رمضان الذي عُمِرَ بالفضائل والخيرات، قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِذَا كَانَ رَمَضَانُ فُتِّحَتْ أَبْوَابُ الرَّحْمَةِ،
وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ جَهَنَّمَ، وَسُلْسِلَتِ الشَّيَاطِينُ» متفق
عليه. وأي فضل بعد هذا
الفضل الذي يتمثل في الإعانة والتيسير للعمل الصالح، مما يدعو للإقبال نحو التوبة
والمسارعة نحو الخيرات التي تسرّع الدخول للجنة وترفع صاحبها في أعالي المنازل
منها.
وشهر رمضان هو شهر الصيام، والصيام أولى ما
يُعتنى به في رمضان فيُحَسَّنُ بصيانته عمّا يخدشه وعمّا لا يليق بأهله، إذ هو
صيام عن الطعام والشراب والغرائز، وصيام عن المآثم والسيئات، وصيام عن النزاعات
وثوران النفس وكل صور التهور والطيش، فهو عمل يُنمّي النفس اللوّامة ويعيد تربية
النفس ويغيّر من عاداتها وسلوكياتها.
ومن أهم ما يُنمى في رمضان، عبادة الله
تعالى بالصلاة التي هي الفريضة الأسمى فيعتنى بها وبوقتها وبجماعتها ويُجمّل
الصيام بها، وكذلك الصدقة ولنا في رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أسوة
حسنة، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ أَجْوَدَ النَّاسِ بِالْخَيْرِ، وَكَانَ أَجْوَدَ مَا يَكُونُ فِي
شَهْرِ رَمَضَانَ إِنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ كَانَ يَلْقَاهُ، فِي كُلِّ
سَنَةٍ، فِي رَمَضَانَ حَتَّى يَنْسَلِخَ، فَيَعْرِضُ عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ
صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْقُرْآنَ، فَإِذَا لَقِيَهُ جِبْرِيلُ كَانَ
رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَجْوَدَ بِالْخَيْرِ مِنَ
الرِّيحِ الْمُرْسَلَةِ» متفق عليه.
وفي الصدقة يجب الحذر من التعامل مع
المتسولين المتعرضين للناس في المساجد والأسواق وغيرها، فكم اضرّوا بمستحقٍ حَيي وهم
يدّعون الحاجة تكثرا وترفا، فالواجب أن يقوم المرء بنفسه بالتحري في بذل الزكاة والصدقة
والبحث في مجتمعه عمن يستحقها ممن مدحهم الله تعالى بقوله "يَحۡسَبُهُمُ ٱلۡجَاهِلُ
أَغۡنِيَآءَ مِنَ ٱلتَّعَفُّفِ تَعۡرِفُهُم بِسِيمَٰهُمۡ لَا يَسَۡٔلُونَ ٱلنَّاسَ
إِلۡحَافٗا" وبالأخص من كان
مستحق وهو قريب أو جار "فََٔاتِ ذَا ٱلۡقُرۡبَىٰ
حَقَّهُۥ وَٱلۡمِسۡكِينَ وَٱبۡنَ ٱلسَّبِيلِۚ ذَٰلِكَ خَيۡرٞ لِّلَّذِينَ
يُرِيدُونَ وَجۡهَ ٱللَّهِۖ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ" وَقَالَ
رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "الصَّدَقَةُ عَلَى الْمِسْكِينِ صَدَقَةٌ، وَهِيَ عَلَى ذِي
الْقَرَابَةِ اثْنَتَانِ: صِلَةٌ، وَصَدَقَةٌ " أحمد والترمذي وابن ماجة
وصححه الألباني. ومن تعذر عليه
البحث والتحري فلدينا في المملكة بحمد الله تعالى منصتان رسميتان رئيستان تُعنيان بتيسير
بذل الصدقات وتتولى إيصالها لمستحقيها، منصة إحسان لدعم المستحقين في الداخل ومنصة
مركز الملك سلمان للإغاثة خارج المملكة، وأوصي بالمشاركة في الحملات القائمة الآن حملة
التبرعات للفلسطينيين في قطاع غزة وللمنكوبين من الإخوة في السودان. والله تعالى
يقول "وَمَا تُنفِقُواْ مِنۡ خَيۡرٖ فَلِأَنفُسِكُمۡۚ
وَمَا تُنفِقُونَ إِلَّا ٱبۡتِغَآءَ وَجۡهِ ٱللَّهِۚ وَمَا تُنفِقُواْ مِنۡ
خَيۡرٖ يُوَفَّ إِلَيۡكُمۡ وَأَنتُمۡ لَا تُظۡلَمُونَ"
لقد شُرِعَ الصيام لحكم عديدة أهمها الامتثال لأمر الله تعالى والتقرب إليه سبحانه بما يحب من الأقوال والأعمال، وإن مما يجب صيانة الصيام عنه هو الإسراف في كل شيء ومنه الإسراف في المباحات مزحا وتنزها ومشاهدة وكذا الإسراف في الطعام والشراب وبالأخص حين الإفطار، فكثرة الأصناف مرهقة لأهل البيت ومشغلة لهم عن الطاعات وهو أمر مخالف لهدي النبي صلى الله عليه وسلم، وهو من الإسراف المنهي عنه، يقول الله تعالى: "وَكُلُواْ وَٱشۡرَبُواْ وَلَا تُسۡرِفُوٓاْۚ إِنَّهُۥ لَا يُحِبُّ ٱلۡمُسۡرِفِينَ".
عباد الله إن من الثابت تاريخيا أن معظم
انتصارات المسلمين كانت في رمضان، بالرغم من مشقة الحياة وعسرها آنذاك، فلم يمنع
الصيام من القتال حين الاضطرار له، فأن يتخذ البعض من الصيام سببا للتقصير في
الانتظام الدراسي أو في أداء واجباته الوظيفية فهذا مخالف لحكم وقيم الصيام، والمسلم
مأمور بالجد والاجتهاد وإتقان عمله في جميع أحواله، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها
قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: " إِنَّ اللهَ يُحِبُّ
إِذَا عَمِلَ أَحَدُكُمْ عَمَلَا أَنْ يُتْقِنَهُ " والأدهى والأمرّ أن يُتخذ
الصيام سببا لتفويت الصلاة وإضاعة الجماعات، فأعظم مُجمّلٌ للصوم هو الصلاة ولا
صوم لمن لا صلاة له.
عبد الله تذكر رعاك الله أن الله آتاك الأجر
مرتين فلا تفوّت الفرص عليك وأحسن عملك وتذكر قول الله تعالى "وَأَمَّا مَنۡ
خَافَ مَقَامَ رَبِّهِۦ وَنَهَى ٱلنَّفۡسَ عَنِ ٱلۡهَوَىٰ فَإِنَّ ٱلۡجَنَّةَ هِيَ
ٱلۡمَأۡوَىٰ"
تعليقات
إرسال تعليق