احذروا الظلم فإنه ظلمات يوم القيامة

 الحمد لله عالم الغيب والشهادة العزيز الحكيم، أشهد ان لا إله إلا هو الحيّ القيوم، وأشهد ان محمد بن عبد الله عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه والتابعين.

عباد الله لقد أقسم جلّ وعلا قسما عظيما فقال سبحانه "ٱللَّهُ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَۚ لَيَجۡمَعَنَّكُمۡ إِلَىٰ يَوۡمِ ٱلۡقِيَٰمَةِ لَا رَيۡبَ فِيهِۗ وَمَنۡ أَصۡدَقُ مِنَ ٱللَّهِ حَدِيثٗا" وختم سبحانه تنزل القرآن بقوله جلّ جلاله "وَٱتَّقُواْ يَوۡمٗا تُرۡجَعُونَ فِيهِ إِلَى ٱللَّهِۖ ثُمَّ تُوَفَّىٰ كُلُّ نَفۡسٖ مَّا كَسَبَتۡ وَهُمۡ لَا يُظۡلَمُونَ"

وإن من كمال الإيمان مراقبة يوم الجمع العظيم، يوم الرجوع إلى الله أفرادا كما خُلِقنا أول مرة، وذلك بتقوى الله في السرِّ والعلن في خاص الأمر وعامّه.

عباد الله في رسالة تحذير بالغة الأهمية، أرسلها الله جلّ جلاله على لسان نبيه محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، هي رسالةٌ كان بعض رواتها إذا حدّثوا بها جثوا على ركبهم من الوجل.

عَنْ أَبِي ذَرٍّ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا رَوَى عَنِ اللهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَنَّهُ قَالَ: «يَا عِبَادِي إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي، وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا، فَلَا تَظَالَمُوا، ثم ذكر مجموعة من التحذيرات وقال مختتما وصيته: يَا عِبَادِي إِنَّمَا هِيَ أَعْمَالُكُمْ أُحْصِيهَا لَكُمْ، ثُمَّ أُوَفِّيكُمْ إِيَّاهَا، فَمَنْ وَجَدَ خَيْرًا، فَلْيَحْمَدِ اللهَ وَمَنْ وَجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ، فَلَا يَلُومَنَّ إِلَّا نَفْسَهُ» مسلم.

الظلم مجاوزةُ الحدِّ في الانتصار للنفس وخدمتها على حساب الآخرين، وفي سوء التعامل تعاليا على الخلق وتفريطا في المهام، وفي سلبِ الحقوق أو منعها عن مستحقها بأي شكل، وكذا الغيبة والنميمة والشتيمة للعباد والسخرية والشماتة بهم، والقذف والتعرض لأعراضهم.

وأعظم الظلم وأخطره هو ظلم النفس بالشرك قال تعالى "وَإِذۡ قَالَ لُقۡمَٰنُ لِٱبۡنِهِۦ وَهُوَ يَعِظُهُۥ يَٰبُنَيَّ لَا تُشۡرِكۡ بِٱللَّهِۖ إِنَّ ٱلشِّرۡكَ لَظُلۡمٌ عَظِيمٞ" إذ الشركُ ميلٌ عن الحق وإخضاعُ النفسِ لمخلوق لا يملك من أمره شيئا، ووضعٌ للعبادة في غير موضعها وصرف لها لغير مستحقها.

وإن من الظلم للنفس والجناية عليها، هو الإساءة إليها في حق الله تعالى بالتقصير والتفريط في العبادة، تهاونا في الفرائض وتفريطا في الأعمال الصالحة وارتكابا للمعاصي قال سبحانه "أَفَمَن كَانَ مُؤۡمِنٗا كَمَن كَانَ فَاسِقٗاۚ لَّا يَسۡتَوُۥنَ"

وأشد المعاصي جرما وخطرا هي حدود الله التي حدّ لعباده "وَتِلۡكَ حُدُودُ ٱللَّهِۚ وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ ٱللَّهِ فَقَدۡ ظَلَمَ نَفۡسَهُ" وعَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ الظُّلْمَ ظُلُمَاتٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» مسلم. وفي يوم عيد الأضحى وفي حجة الوداع قَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، فَلْيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ» مسلم

وكذا من صور الظلم كل ما يصنع الحالقة، التي تحلق الدين وتحلق العلاقات، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "دَبَّ إِلَيْكُمْ دَاءُ الْأُمَمِ قَبْلَكُمْ: الْحَسَدُ، وَالْبَغْضَاءُ، وَالْبَغْضَاءُ هِيَ: الْحَالِقَةُ، حَالِقَةُ الدِّينِ لَا حَالِقَةُ الشَّعَرِ." أحمد والترمذي وصححه جمع من المحققين.

وإنما تُصنع البغضاء وتُنشر عن طريق الغيبة والنميمة والشماتة والسخرية وهن جرائم تمحق عمل صاحبها وهي الأعجل بالعقوبة على أهلها لما فيها من البغي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: " لَيْسَ شَيْءٌ أُطِيعُ اللهَ فِيهِ أَعْجَلُ ثَوَابًا مِنْ صِلَةِ الرَّحِمِ، وَلَيْسَ شَيْءٌ أَعْجَلَ عِقَابًا مِنَ الْبَغْيِ وَقَطِيعَةِ الرَّحِمِ " صححه الألباني.

ولخطورة هذه المظالم، ولأن الأجل إذا جاء لا يتأخر ولا ينتظر فقد أوصى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بسرعة التخلص من المظالم أيا كانت، بالطرق المناسبة المشروعة، ولئن كان الله تعالى برحمته الواسعة قد قضى بأن توبة العبد تجبر تفريطه في طاعة ربه وتمحو جرأته على ما حرّم، فإنه سبحانه قد قضى بعدم مغفرة ذنب من تعدى على حق غيره مازحا أو قاصدا، أو سلب أو منع حقا، وعدّ ذلك ظلماً لا يمحى إلا بردّ الحق لأهله أو بعفوهم ومسامحتهم، وهذا تمام العدل وهو دليل على خطورة الأمر ودقة المحاسبة وشدة العقوبة.

 عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ مَظْلِمَةٌ لِأَخِيهِ فَلْيَتَحَلَّلْهُ مِنْهَا، فَإِنَّهُ لَيْسَ ثَمَّ دِينَارٌ وَلاَ دِرْهَمٌ، مِنْ قَبْلِ أَنْ يُؤْخَذَ لِأَخِيهِ مِنْ حَسَنَاتِهِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ حَسَنَاتٌ أُخِذَ مِنْ سَيِّئَاتِ أَخِيهِ فَطُرِحَتْ عَلَيْهِ» البخاري.

فاحذروا الظلم نية وقولا وعملا ولو مزحا وعبثا. واستغفر الله لي ولكم

 

الحمد لله مالك الملك ومدبر الأمر، أشهد أن لا إله إلا هو العزيز الحكيم، وأشهد أن محمد بن عبد الله عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه والتابعين وسلّم تسليما كثيرا وبعد عباد الله.

وإن من صور الظلم المحرَّم، تفريطُ الموظف في مهامه وواجباته، واستغلاله لمنصبه، وتعطيله لمصالح الناس، لما في ذلك من ظلمٍ للنفس بأكل الحرام، وظلمٍ للغير بتعطيل مصالحهم وحرمانهم من حقوقهم.

ومن الظلم الذي يجب أن يُحذر هو ترويع ومضارّة مستخدمي الطرق من قبل من يتقن التهور ويتفنن في تعريض الآخرين للخطر مستعرضا جهله وقلة وعيه وعدم إدراكه للعواقب، وأعني بذلك بعض قائدي السيارات الذين عجزوا عن ضبط أنفسهم وجهلوا ضرورة إعطاء الطريق حقه وأهمية الرفق بالمركبة وبغيرهم من مستخدمي الطريق، فظلموا أنفسهم وظلموا غيرهم.

الظلم مجاوزةُ الحدِّ في الانتصار للنفس وخدمتها على حساب الآخرين، وفي سوء التعامل تعاليا على الخلق وتفريطا في المهام، وفي سلبِ الحقوق أو منعها عن مستحقها بأي شكل، وكذا الغيبة والنميمة والشتيمة والسخرية والشماتة، والقذف والتعرض للأعراض.

حفظنا الله وسلّمنا وأحبتنا من كل سوء ومظلمة، وهدانا لأحسن الأخلاق.

والختام عباد الله بدعوة دعاكم بها ربكم عزّ وجلّ بقوله "إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلَٰٓئِكَتَهُۥ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِيِّۚ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ صَلُّواْ عَلَيۡهِ وَسَلِّمُواْ تَسۡلِيمًا" فأكثروا من الصلاة عليه تفوزوا بصلاة من ربكم وبسلام من نبيكم وتُكفَون همّومكم وتغفر ذنوبكم.

اللهم صل وسلم وزد وبارك على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وصحبه ومن تبعه إلى يوم الدين.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

التقوى والتوبة سببان لأداء أمانة الوصول إلى الجنّة

المسلم وشدّ البنيان الإيماني أو هدمه

يوم عاشوراء يوم التوحيد، يوم العلم والعمل، يوم الصبر والتفاؤل