موعظة مع ترحل الأيام وقدوم شهر شعبان وتغير الأحوال

 يقول تعالى "وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمٞ" ويقول جلّ شأنه "وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّكُم مُّلَٰقُوهُۗ وَبَشِّرِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ" فاتقوا ربكم واعلموا انه سبحانه عليم بكل شؤونكم وأحوالكم، واستبشروا بما يسركم، فهو رب رؤوف بكم، يحبكم ويريد أن تفوزوا فوزا عظيما، ولكن لا فوز إلا بعمل وإخلاص ومثابرة وصبر.

يقول الله تعالى "إِنَّ فِي خَلۡقِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَٱخۡتِلَٰفِ ٱلَّيۡلِ وَٱلنَّهَارِ وَٱلۡفُلۡكِ ٱلَّتِي تَجۡرِي فِي ٱلۡبَحۡرِ بِمَا يَنفَعُ ٱلنَّاسَ وَمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مِن مَّآءٖ فَأَحۡيَا بِهِ ٱلۡأَرۡضَ بَعۡدَ مَوۡتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَّةٖ وَتَصۡرِيفِ ٱلرِّيَٰحِ وَٱلسَّحَابِ ٱلۡمُسَخَّرِ بَيۡنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلۡأَرۡضِ لَأٓيَٰتٖ لِّقَوۡمٖ يَعۡقِلُونَ"

هذه مجموعة من الآيات الكونية التي نشاهدها تؤثر بأمر الله في حياتنا، نستمتع بها ولا نستغني عنها، نسعد بها وقد نتألم بسببها، هي آيات كونية يدعونا الله تعالى لنتفكر فيها وفيما تدل عليه، علّ ذلك أن يعطي للقلب رسالة توقظه من غفلته وتجدد إيمانه، وتقوي نشاطه في الصلة بربه.

مجموعة من الآيات عشناها خلال هذه الأيام مرّ بعضها بهدوء اعتدناه فلم نشعر بها، ومرّ بعضها الآخر بإحداث تغيير أسعدنا وأبهجنا ومرة كدّرنا، وكل ذلك دعوة للتأمل والتفكر.

عشنا أجواء ماطرة محمّلة بالخيرات فوق ما نتصور، وعشنا أجواء مليئة بالغبار كأن السماء لم تمطر، فماذا استوعبت قلوبنا من الرسائل في هذه الآيات؟

لعل قلوبنا قد توقفت وتفكرت، فحمدت خالقها وشكرته وسألته المزيد من فضله والسلامة من كل ضُرّ ينتج عن تلك الآيات وتقلبها.

اختلاف الليل والنهار يمرّ بنا في انتظام وهدوء لا نشعر به إلا كأرقام تمرّ وتتغيّر، ولكن هي مواسم مناخية تتبدل ومعها تتغير الأنفس والأمزجة، وفي ذلك آية لمن يعقل، كيف أن الله تعالى قد نظّم هذا السير لتنتظم الحياة في أجمل صورها، وبالتالي ستدرك أن لا وجود إلا لإله واحد فقط "لَوۡ كَانَ فِيهِمَآ ءَالِهَةٌ إِلَّا ٱللَّهُ لَفَسَدَتَاۚ فَسُبۡحَٰنَ ٱللَّهِ رَبِّ ٱلۡعَرۡشِ عَمَّا يَصِفُونَ" فنزّه الله بالتوحيد والطاعة المطلقة والتسليم للغيب خصوصا فيما يتعلق بهذه الآيات.

ومع اختلاف الليل والنهار تتوالى الفرص العامرة بمواسم الطاعات، العامرة بكثير من النشاطات الممتعة المثمرة، ولكن مع اختلاف الليل والنهار تتقاصر الأعمار وتضعف الحال وتضيق مساحات العمل، ولنا موعظة في قول الله تعالى "لَتَرۡكَبُنَّ طَبَقًا عَن طَبَقٖ" أي لتركبن أحوالا بعد أحوال، بمعنى لتتغيرن بكم أحوالكم من رخاء وشدة ومن سلامة وتعب ومن صحة ومرض ومن غنى وقلة ذات يد ومن أمن وخوف، "وَلَنَبۡلُوَنَّكُم بِشَيۡءٖ مِّنَ ٱلۡخَوۡفِ وَٱلۡجُوعِ وَنَقۡصٖ مِّنَ ٱلۡأَمۡوَٰلِ وَٱلۡأَنفُسِ وَٱلثَّمَرَٰتِۗ وَبَشِّرِ ٱلصَّٰبِرِينَ" "عَلِمَ أَن سَيَكُونُ مِنكُم مَّرۡضَىٰ وَءَاخَرُونَ يَضۡرِبُونَ فِي ٱلۡأَرۡضِ يَبۡتَغُونَ مِن فَضۡلِ ٱللَّهِ وَءَاخَرُونَ يُقَٰتِلُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ" فلا تثقوا بحال القدرة اليوم فغدا قد يكون مختلفا، والمؤمن لديه من اليقين والعقل ما يوازن به بين حاجاته وبين صناعة سعادته يوم يلقى ربه، مغتنما صحته وفراغه ونشاطه وقدرته وحياته.

قَالَ رَبِيعَةُ بْنُ كَعْبٍ الْأَسْلَمِيُّ: كُنْتُ أَبِيتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَتَيْتُهُ بِوَضُوئِهِ وَحَاجَتِهِ فَقَالَ لِي: «سَلْ» فَقُلْتُ: أَسْأَلُكَ مُرَافَقَتَكَ فِي الْجَنَّةِ. قَالَ: «أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ» قُلْتُ: هُوَ ذَاكَ. قَالَ: «فَأَعِنِّي عَلَى نَفْسِكَ بِكَثْرَةِ السُّجُودِ» مسلم. ينهبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أن الفردوس ومرافقة الأنبياء تحتاج لعمل وليس لشفاعة، ولا عمل مثل الإكثار من الصلاة، والتوبة والاستغفار يقول الله تعالى "وَمَن يَعۡمَلۡ سُوٓءًا أَوۡ يَظۡلِمۡ نَفۡسَهُۥ ثُمَّ يَسۡتَغۡفِرِ ٱللَّهَ يَجِدِ ٱللَّهَ غَفُورٗا رَّحِيمٗا" فاستغفر الله لي ولكم ولوالدينا وللمسلمين والمسلمات.

 يقول الله تعالى "وَجَعَلۡنَا ٱلَّيۡلَ وَٱلنَّهَارَ ءَايَتَيۡنِۖ فَمَحَوۡنَآ ءَايَةَ ٱلَّيۡلِ وَجَعَلۡنَآ ءَايَةَ ٱلنَّهَارِ مُبۡصِرَةٗ لِّتَبۡتَغُواْ فَضۡلٗا مِّن رَّبِّكُمۡ وَلِتَعۡلَمُواْ عَدَدَ ٱلسِّنِينَ وَٱلۡحِسَابَۚ وَكُلَّ شَيۡءٖ فَصَّلۡنَٰهُ تَفۡصِيلٗا وَكُلَّ إِنسَٰنٍ أَلۡزَمۡنَٰهُ طَٰٓئِرَهُۥ فِي عُنُقِهِۦۖ وَنُخۡرِجُ لَهُۥ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ كِتَٰبٗا يَلۡقَىٰهُ مَنشُورًا ٱقۡرَأۡ كِتَٰبَكَ كَفَىٰ بِنَفۡسِكَ ٱلۡيَوۡمَ عَلَيۡكَ حَسِيبٗا"

عباد الله ها قد أطلّ شهر شعبان، شهر الاستعداد لرمضان، الشهر الذي كان يُكثر فيه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من الصيام، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها أنها قَالَتْ فَمَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اسْتَكْمَلَ صِيَامَ شَهْرٍ إِلَّا رَمَضَانَ وَمَا رَأَيْتُهُ أَكْثَرَ صِيَامًا مِنْهُ فِي شَعْبَانَ} البخاري.

وفي يومٍ من أيامِ شهر رمضان سأل صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا: «أَصُمْتَ مِنْ سُرَرِ شَعْبَانَ؟ قَالَ: لَا، قَالَ: فَإِذَا أَفْطَرْتَ، فَصُمْ يَوْمَيْنِ» متفق عليه.

يقال سُرر أو سَرر الشيء أي وسطه، فرسول الله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يحب صيام هذا الشهر، وكان يوصي أحبته بصيام أيامٍ منه، ويؤكد الوصيةَ بحثّ من لم يصم على صيام أيام بنية أنها من شعبان مع أنها غير واجبة، مما يبين أهمية صيام أيام يسيرة من شهر شعبان.

فلا تحرم نفسك رعاك الله من صيام أيامٍ من شعبان تتأسى فيها بنبيك الحبيب عليه الصلاة والسلام وتهيئ بها نفسك لرمضان، ولعلك أن تكسب سببا من أسباب مجاورة حبيبك وسيدك محمد بن عبد الله في الفردوس الأعلى من الجنّة.

تفكر رعاك الله في خلق السماوات والأرض وفي تعاقب الليل والنهار وفيما يرسله الله من خيرات لك وللأرض عامّة، وتأكد أن الحال لن تدوم كما هي فاغتنم حالك قبل تغيره، نسأل الله الإعانة على ذكره وشكره وحسن عبادته.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

التقوى والتوبة سببان لأداء أمانة الوصول إلى الجنّة

المسلم وشدّ البنيان الإيماني أو هدمه

يوم عاشوراء يوم التوحيد، يوم العلم والعمل، يوم الصبر والتفاؤل