من عناية الإسلام باستقلال الهوية للمسلمين
يقول ربنا تبارك وتعالى "يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِۦ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسۡلِمُونَ" وقال سبحانه "قُلۡ إِنَّمَا يُوحَىٰٓ إِلَيَّ أَنَّمَآ إِلَٰهُكُمۡ إِلَٰهٞ وَٰحِدٞۖ فَهَلۡ أَنتُم مُّسۡلِمُونَ"
عباد الله في كل زمن يختار الله تعالى أمة تدين بدينه ويفضّلها بكتابه وبرسوله "وَلَقَدِ ٱخۡتَرۡنَٰهُمۡ عَلَىٰ
عِلۡمٍ عَلَى ٱلۡعَٰلَمِينَ"
وقال سبحانه "إِنَّ ٱلدِّينَ عِندَ ٱللَّهِ ٱلۡإِسۡلَٰمُۗ " وقال جلّ وعلا عنّا نحن أمّة
محمد صلى الله عليه وسلم "ثُمَّ أَوۡرَثۡنَا ٱلۡكِتَٰبَ ٱلَّذِينَ
ٱصۡطَفَيۡنَا مِنۡ عِبَادِنَاۖ فَمِنۡهُمۡ ظَالِمٞ لِّنَفۡسِهِۦ وَمِنۡهُم
مُّقۡتَصِدٞ وَمِنۡهُمۡ سَابِقُۢ بِٱلۡخَيۡرَٰتِ بِإِذۡنِ ٱللَّهِۚ ذَٰلِكَ هُوَ ٱلۡفَضۡلُ
ٱلۡكَبِيرُ"
وإذ اختارنا الله سبحانه وتعالى واصطفانا لنكون من مسلمي هذا الزمان
فعلينا أن نكون كما أوصانا الله تعالى "يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ
ءَامَنُواْ ٱرۡكَعُواْ وَٱسۡجُدُواْۤ وَٱعۡبُدُواْ رَبَّكُمۡ وَٱفۡعَلُواْ ٱلۡخَيۡرَ
لَعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ۩ وَجَٰهِدُواْ فِي ٱللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِۦۚ هُوَ ٱجۡتَبَىٰكُمۡ
وَمَا جَعَلَ عَلَيۡكُمۡ فِي ٱلدِّينِ مِنۡ حَرَجٖۚ مِّلَّةَ أَبِيكُمۡ
إِبۡرَٰهِيمَۚ هُوَ سَمَّىٰكُمُ ٱلۡمُسۡلِمِينَ مِن قَبۡلُ وَفِي هَٰذَا لِيَكُونَ
ٱلرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيۡكُمۡ وَتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِۚ
فَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُواْ ٱلزَّكَوٰةَ وَٱعۡتَصِمُواْ بِٱللَّهِ هُوَ
مَوۡلَىٰكُمۡۖ فَنِعۡمَ ٱلۡمَوۡلَىٰ وَنِعۡمَ ٱلنَّصِيرُ"
وجاهدوا في الله حق جهاده قال فيها المفسرون: اعْمَلُوا
لِلَّهِ حَقَّ عَمَلِهِ وَاعْبُدُوهُ حَقَّ عِبَادَتِهِ، بمُجَاهَدَةِ النَّفْسِ
من غير حرج وأذى، وبمجاهدة الْهَوَى فلا يَغلِبُ الحقَ والهدى.
فنجاهد النفس ونبذل الوسع في الحفاظ على الهوية الإسلامية التي
اختارها الله تعالى لنا وذلك بإحياء الدين وإقامة حقوقه، من خلال فعل الخيرات، وأعلى
مراتب الخيرات عبادة الله وحده لا شريك له، وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة والاعتصام
بالله تعالى، فهي الشعائر الظاهرة الداعمة للتآلف وللقوة ولاستقلال الشخصية
الإسلامية.
إنّ من القيم الإسلامية العالية هي الاعتزاز بالدين من خلال
الحفاظ على شعائره الظاهرة والاستقلالية به عن سائر العَالَمين، وعدم الذوبان
الفكري في ثقافات الآخرين وأهوائهم.
يعتني الإسلام بالتميز
عن الأمم الأخرى في المظهر ويؤكد على مجانبة كل سلوك يخالف ما جاء به الإسلام، ولكثرة
التوجيهات النبوية في مخالفة اليهود حتى في تعاملهم الشخصي وسلوكهم العام وتعاملهم
مع المرأة وبقية البشر قال اليهود: مَا يُرِيدُ هَذَا الرَّجُلُ أَنْ يَدَعَ مِنْ
أَمْرِنَا شَيْئًا إِلَّا خَالَفَنَا فِيهِ. مسلم.
وأما إذا كانت المسألة متعلقة بالسلوك الديني فالتأكيد على
المخالفة والمجانبة آكد وأقوى.
وإنّ مما وجب التأكيد عليه هو الإعراض عن الأعياد الدينية لكل
الأمم المخالفة للإسلام، وعدم التفاعل معها بأي شكل من الأشكال، إذ التفاعل مع الأعياد
المرتبطة بمناسبات دينية أو خاضعة لتعاليم دينية غير الإسلام يوحي بالاعتراض
والرفض لاختيار الله تعالى وتخصيصه أيام الفرح بالمناسبات الدينية للمسلمين، كما
أنه ذَوَبان فكري صريح في ملل وقيم الآخرين. عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: قَدِمَ
رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَدِينَةَ وَلَهُمْ يَوْمَانِ
يَلْعَبُونَ فِيهِمَا، فَقَالَ: «مَا هَذَانِ الْيَوْمَانِ؟» قَالُوا: يَوْمَانِ
كُنَّا نَلْعَبُ فِيهِمَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى
اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَبْدَلَكُمْ بِهِمَا خَيْرًا
مِنْهُمَا، يَوْمَ الْأَضْحَى وَيَوْمَ الْفِطْرِ» أحمد والحاكم وصححه جمع من المحققين.
لقد كانوا يحتفلون بهذين اليومين تبعا لعادات جاهلية مستمدة من
تعاليم دينية يهودية وعربية محرفة، وعيدي الفطر والأضحى هما اختيار الله تعالى لنا،
ونحن مؤتمنون على اختياره لنا واختياره إيّانا واصطفائه لنا واجتبائه لنا، فاحذر
رعاك الله من تهوين هذا الاختيار ولو بكلمة عابرة أو مشاركة عابثة فضلا عن فرحة
وتفاعل، واحذر من تخصيص أيام عبادة تنافس هذا الاختيار الإلهي.
عبد الله كُثُرٌ هم التابعون للدين وقليل هم المتبعون لسيد
المرسلين، قال تعالى "وَإِن تُطِعۡ أَكۡثَرَ مَن فِي ٱلۡأَرۡضِ
يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِۚ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا ٱلظَّنَّ وَإِنۡ هُمۡ
إِلَّا يَخۡرُصُونَ" فكن
من القلة الثابتين وتقرب إلى الله بالاعتزاز باختياره إيّاك واصطفائه لك وكن من
السابقين لفعل الخيرات بعبادة الله وحده لا شريك له وبإقامة الصلاة وايتاء الزكاة والاعتصام
بالله، وكن عزيزا فخورا بهويتك التي اختارها الله لك.
إن من عبادة الله وإقامة الصلاة أداء صلاة الكسوف حينما يحِلُّ سببها، وصلاة الاستسقاء حينما يحلّ سببها، ولا يتحرج الأعداء من المنافقين والمخالفين من السخرية بهاتين الصلاتين وبأهلهما.
كان ضمن الثقافة العربية وجود شخصية وهمية يرعبون بها الصغار
حتى يحمونهم من لهيب شمس الصيف ويرهبونهم من الذنب والمعاصي كمثل حمار القائلة
والمقرصة الحامية ونحوها، فكان لكثير من المنظرين العرب حربا خطابية وفكرية لأجل
تحسين الصورة عند العدو وحماية للصغار من الرعب، ولكن لم نسمع لهم يوما ما انتقادا
لفكرة أن التوبة من الذنب تحتاج لمحادثة رجل دين تُكشف له الأسرار ليقوم بَغمسِ
التائبَ المسكين في ماء معدّ لهذا الغرض، أو لفكرةِ قادمٍ يطير على عربة في السماء
تجرّها الخيل ليضع للصغار هداياهم في مساء العيد، الهدايا التي اشتراها لهم أهلهم
فنسبوها لإله عبدوه من دون الله، فيضعها حسب معتقدهم عند تلك الشجرة الصناعية التي
اشتروها وزيّنوها وقد كتب كل منهم أمنياته عندها وهم الذين اشتروها ونصبوها
وزيّنوها في خرافة تربوية مستمدة من دين يعتمد الخرافة في التعامل مع أتباعه.
إن هذا الانهزام الفكري من مرضى القلوب، وهذه العقائد المحرفة
بأعيادها الخارجة عن الفطرة لتدعو المسلم أن يحمد ربه على مِنته واصطفائه
واجتبائه، وعلى اختيار الله له ولأعياده، وتجعله يفرح بأعياده الإسلامية ويأنف من
عيد غيره، وأن يتمسك بسنّة نبيه محمد عليه الصلاة والسلام، وأن يعتز بكثرة الصلاة
عليه كما يعتز بعبادة الله وحده وبالصلاة وبفعل الخيرات، وألا يذوب فكريا في
معتقدات وقيم وأخلاق المخالفين له. عباد الله يقول الله تعالى "يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ
ءَامَنُواْ قُوٓاْ أَنفُسَكُمۡ وَأَهۡلِيكُمۡ نَارٗا وَقُودُهَا ٱلنَّاسُ وَٱلۡحِجَارَةُ
عَلَيۡهَا مَلَٰٓئِكَةٌ غِلَاظٞ شِدَادٞ لَّا يَعۡصُونَ ٱللَّهَ مَآ أَمَرَهُمۡ
وَيَفۡعَلُونَ مَا يُؤۡمَرُونَ"
والمراد بالوقاية أي التربية، فعليكم أنفسكم وأهليكم كونوا أعزة بدين الله وبقيمه
وبشعائره، اعتنوا وأهليكم عباد الله بتوحيد ربكم وبكثرة الصلاة على نبيكم محمد تسعدوا
في حياتكم وعند مماتكم ويوم مبعثكم.
اللهم صل وسلم وزد وبارك على عبدك ورسولك محمد نبينا وسيدنا
وإمامنا وعلى آله وصحبه والتابعين إلى يوم الدين.
تعليقات
إرسال تعليق