الفرح بالمطر يستوجب الشكر والعناية بمظاهر الشكر.

يقول الله تعالى "ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ وَأَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءٗ فَأَخۡرَجَ بِهِۦ مِنَ ٱلثَّمَرَٰتِ رِزۡقٗا لَّكُمۡۖ وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلۡفُلۡكَ لِتَجۡرِيَ فِي ٱلۡبَحۡرِ بِأَمۡرِهِۦۖ وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلۡأَنۡهَٰرَ وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلشَّمۡسَ وَٱلۡقَمَرَ دَآئِبَيۡنِۖ وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلَّيۡلَ وَٱلنَّهَارَ وَءَاتَىٰكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلۡتُمُوهُۚ وَإِن تَعُدُّواْ نِعۡمَتَ ٱللَّهِ لَا تُحۡصُوهَآۗ إِنَّ ٱلۡإِنسَٰنَ لَظَلُومٞ كَفَّارٞ" ألا فاتقوا الله عباد الله باجتناب طريقة من ذمّهم الله فكونوا عبّاد لله شاكرين نعمه مستعينين بها على طاعته ومرضاته.

عباد الله وبعد ساعات ماطرة غيّرت وجه الأرض وأنفس أهلها، لتحل الفرحة والبشرى، فحُقَ على كل مسلم ان يقول الحمد لله، حمدا لك اللهم رحماتك الواسعة الشاملة، حمدا لك اللهم فضلك السابغ، لك اللهم الحمد حمداً، حمدا، ولك الشكر شكرا، شكرا، سألناك ربنا فأعطيتنا، ورجوناك إلهنا فبادرتنا من حيث لا نحتسب وبما لم نحتسب، فلك اللهم الحمد والشكر، ساعةُ منك ربنا رأينا بها قدرتك على تغيير وجه الأرض وتبديل المشاعر والأفكار فلك اللهم الحمد يا عزيز يا حكيم.

عباد الله يقول الله تعالى "وَهُوَ ٱلَّذِي يَقۡبَلُ ٱلتَّوۡبَةَ عَنۡ عِبَادِهِۦ وَيَعۡفُواْ عَنِ ٱلسَّيِّ‍َٔاتِ وَيَعۡلَمُ مَا تَفۡعَلُونَ۞ وَيَسۡتَجِيبُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ وَيَزِيدُهُم مِّن فَضۡلِهِۦۚ وَٱلۡكَٰفِرُونَ لَهُمۡ عَذَابٞ شَدِيدٞ ۞وَلَوۡ بَسَطَ ٱللَّهُ ٱلرِّزۡقَ لِعِبَادِهِۦ لَبَغَوۡاْ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَلَٰكِن يُنَزِّلُ بِقَدَرٖ مَّا يَشَآءُۚ إِنَّهُۥ بِعِبَادِهِۦ خَبِيرُۢ بَصِيرٞ۞ وَهُوَ ٱلَّذِي يُنَزِّلُ ٱلۡغَيۡثَ مِنۢ بَعۡدِ مَا قَنَطُواْ وَيَنشُرُ رَحۡمَتَهُۥۚ وَهُوَ ٱلۡوَلِيُّ ٱلۡحَمِيدُ"

اتقوا الله عباد الله بالحذر من البغي فيما نزل وذلك بالشكر لما أنزل، وبرعاية ما أنزل، وببذل الأسباب لمزيد فضل وخير وبركات من السماء تتنزل.

عباد الله يُنزل الله الرحمات لنفرح ولنحيي الأمل، ولنزداد إليه قربا وفيه رجاء وله تعبدا وتوسلا، ولن يتحقق هذا الأمر إلا باتباع سيد المرسلين والذي كان له سُنة ونهج في مثل هذه الحال. فقد كان عليه الصلاة والسلام يجمع بين الخوف والرجاء، بين الأمل والخوف من الضرر، وكان يستعين بكل نعمة لتقديم مزيد من العبادة، لذا فهو عليه الصلاة والسلام يلّح في الدعاء طلبا ويلهج لسانه وقلبه بالذكر فرحا، وتزداد عنايته بما أحب الله وأوجب، فندفع ضرّ ما يتنزل بالذكر حمدا وشكرا، ونستجلب المزيد بالتقوى وبالشكر قولا وعملا. وإن من مقابلة النعمة بالبغي هو التهاون في الصلاة وإهلاك النفس والمال بملاحقة الأمطار في الصحاري وفي ظلمة الليالي، والرحمة إنما تكون رحمة إذا نزلت في مكانها وسلم الناس من آثار تنزلها، فقد تكون رحمة لمستحق وعذابا لمتهور متهاون غير شاكر.

عباد الله إن مما نادى اللهُ تعالى به المشركين هو إحياء قلوبهم ونبذ أهوائهم اعتبارا بآيات الله ومواعظه، وبهذا نادى الله تعالى المؤمنين بذات الدعوة، قال سبحانه وتعالى "۞أَلَمۡ يَأۡنِ لِلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَن تَخۡشَعَ قُلُوبُهُمۡ لِذِكۡرِ ٱللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ ٱلۡحَقِّ وَلَا يَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ مِن قَبۡلُ فَطَالَ عَلَيۡهِمُ ٱلۡأَمَدُ فَقَسَتۡ قُلُوبُهُمۡۖ وَكَثِيرٞ مِّنۡهُمۡ فَٰسِقُونَ ٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ يُحۡيِ ٱلۡأَرۡضَ بَعۡدَ مَوۡتِهَاۚ قَدۡ بَيَّنَّا لَكُمُ ٱلۡأٓيَٰتِ لَعَلَّكُمۡ تَعۡقِلُونَ"

فنزول الغيث وإحياء الأرض موعظة إلهية، يُفترض أن تجد لها أثرا إيجابيا في قلب المؤمن، أثرا يدفعه لمزيد شكر له سبحانه قولا وعملا، والشكر يكون بامتثال امر الله تعالى وتعظيمه "مَّا لَكُمۡ لَا تَرۡجُونَ لِلَّهِ وَقَارٗا" وأهم ما يُعظّم الصلاة وفي وقتها وبخشوعها الذي هو طمأنينة تظهر في سكون الحركة وخفض النظر لموضع السجود وقطع كل ما يشتت انتباه الآخرين من حركة او صوت مقزز.

لقد رخّص الله تعالى لعباده غير المسافرين الجمع بين صلاتي المغرب والعشاء وبين الظهر والعصر في حالة تضرر المصلون من الخروج لكل صلاة، ولن أتحدث عن حكم فقهي وإنما أتحدث عن الأدب مع الله تعالى الذي رخّص في الجمع دفعا للضرر وحماية للمصلين من الأذى، فأقول ليس من الأدب مع الله تعالى ان تُجمع صلاتي الظهر والعصر خاصة ثم ينطلق المصلون في حياتهم المعتادة وكأن لم يكن ثمة ضرر متخوّف، في إيحاءة غير مباشرة بان الالتزام بوقت الصلاة عبء نبحث عن الخلاص منه وليس متعة ننتظرها. أتحدث عن الأدب مع الله تعالى ولست اتحدث عن حكم فقهي. كما أنبه إلى أن الجمع للمطر رخصة وليست سُنّة، والرخصة لذوي الأعذار وليست لكل أحد. وإن خيف على أحد ما الضرر بسبب خروجه لكل فريضة فقد سقطت عنه صلاة الجماعة وأجره محفوظ إذ كان محافظا على صلاة الجماعة فيما مضى.

ولئن رخّص الله تعالى لعباده بالجمع بين الفرائض رحمة بهم وخوفا عليهم وصيانة لأرواحهم وأموالهم، فحريٌ الرحمة بالنفس وبالمال من الضرر والخسران، والرحمة بالأهل من الفواجع جراء ملاحقة الأمطار والدخول في مناطق الخطر بادعاء القوة والسيطرة والتفاخر امام الناس بمركبات لا حول ولا قوة للسائق في إدارتها إلا قليلا، وما أخبار عمليات الإنقاذ إلا دليلا على شدة المخاطر وكثرة المتهورين المعذبين لأنفسهم المهلكين لأموالهم.

وحينما يتنزل المطر فإن الأرض تتغير ومشاعر الناس تتغير فواجب ان يتغير أسلوب القيادة فلا يكون كما في غير وقت المطر حيث يجب الهدوء والتمهل والنظر لما فوق الأرض من مياه أو طين ونحوها وليس لمؤشر السرعة.

وإن فرحت القلوب بالمطر فليظهر الفرح في كثرة الذِكرِ شكرا لله تعالى وطلبا للبركة فيما أنزل. قَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَيْسَتِ السَّنَةُ – القحط- بِأَنْ لَا تُمْطَرُوا، وَلَكِنِ السَّنَةُ أَنْ تُمْطَرُوا وَتُمْطَرُوا، وَلَا تُنْبِتُ الْأَرْضُ شَيْئًا» مسلم.

ثم صلوا وسلموا على نبي كان إذا أقبلت السحب وَجِلَ وقَلِقَ فإذا نزل المطر فرح به واستبشر وأكثر من الحمد والشكر، فإن كان المطر خفيفا لا هواء معه ولا ضرر عرّض بعض جسده الشريف كي يصيبه المطر.

اللهم صل وسلم وزد وبارك على عبدك ورسولك محمد نبينا وسيدنا وإمامنا وعلى آله وصحبه والتابعين إلى يوم الدين.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

التقوى والتوبة سببان لأداء أمانة الوصول إلى الجنّة

المسلم وشدّ البنيان الإيماني أو هدمه

يوم عاشوراء يوم التوحيد، يوم العلم والعمل، يوم الصبر والتفاؤل