الحكمة نعمة تصنع المتعة في الحياة
يقول الله سبحانه "يُؤۡتِي ٱلۡحِكۡمَةَ مَن يَشَآءُۚ وَمَن يُؤۡتَ ٱلۡحِكۡمَةَ فَقَدۡ أُوتِيَ خَيۡرٗا كَثِيرٗاۗ وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّآ أُوْلُواْ ٱلۡأَلۡبَٰبِ" فالحكمة نعمة يتمايز بها الناس بعضهم عن بعض، وهي منّة يمتنّ الله بها على من يشاء من عباده. وإن ممن شاء جلّ جلاله أن يهبهم الحكمة ومن ثم الخير الكثير، هو كل من تعلمها وأخذ بآلياتها فإنّه يؤتى الحكمة. والناس في الحكمة مستويات وأعلاهم الأنبياء ثم ورثتهم ومن تعلّم علوم الحكمة.
وقيل
في معنى الحكمة أقوال عدة ترجع جميعها لمعنى رجاحة العقل واستقامة العمل، ومتابعة
الطريق وفق العلم لا وفق هوى النفس، إذ الحكمة علمٌ يقود العمل فتُدركُ معه حقائق
الأمور الغائبة عن الأذهان التي خدعتها الوعود المعسولة وحجزت تفكيرها المظاهر الكاذبة
المؤججة للمشاعر، فالحكيم يرى بعين عقله ما لا يراه المندفع المغرر به المقتصر على
قِصرَ نظره وقلة علمه. كما في قضايا الأمن والسياسة والاقتصاد، وقضايا العقوق والطلاق
التي عمّ شرها لما عمّ قصور الحكمة لدى كثير من الأولاد والمتزوجين وأوليائهم.
إنّ
مما يدعو للتفكر وللتأمل هو ذكر الله تعالى لرجل يحتقر الناس مثله عادة لمظهره ولقلة
ماله، بل ولعدم حريته، فيذكره سبحانه تعالى باسمه الصريح مثنيا عليه في كتابه
الكريم، قال سبحانه وتعالى "وَلَقَدۡ ءَاتَيۡنَا
لُقۡمَٰنَ ٱلۡحِكۡمَةَ" فالحكمة سبب
التكريم والثناء والعيش الهانئ.
ومن
أخبار لقمان الحكيم ان رَآهُ رَجُلٌ كَانَ يَعْرِفُهُ قَبْلَ ذَلِكَ، فَقَالَ
لَهُ: أَلَسْتَ عَبْدَ بَنِي فُلَانٍ الَّذِي كُنْتَ تَرْعَى بِالْأَمْسِ؟ قَالَ:
بَلَى. قَالَ: فَمَا بَلَغَ بِكَ مَا أَرَى؟ قَالَ: قَدَرُ اللَّهِ، وَأَدَاءُ
الْأَمَانَةِ، وَصِدْقُ الْحَدِيثِ، وَتَرْكِي مَا لَا يَعْنِينِي. وَقِيلَ لَهُ:
أَيُّ النَّاسِ شَرٌّ؟ قَالَ: الَّذِي لَا يُبَالِي أَنْ رَآهُ النَّاسُ مُسِيئًا.
وَأَدْرَكَهُ دَاوُدُ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَأَخَذَ عَنْهُ الْعِلْمَ، وَكَانَ
يُفْتِي قَبْلَ مَبْعَثِ دَاوُدَ، فَلَمَّا بُعِثَ قَطَعَ الْفَتْوَى فَقِيلَ
لَهُ، فَقَالَ: أَلَا أَكْتَفِي إِذْ كُفِيتُ. وَرُوِيَ أَنَّهُ دَخَلَ عَلَى
دَاوُدُ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَهُوَ يَسْرُدُ الدُّرُوعَ، وَقَدْ لَيَّنَ اللَّهُ
لَهُ الْحَدِيدَ كَالطِّينِ فَأَرَادَ أَنْ يَسْأَلَهُ، فَأَدْرَكَتْهُ
الْحِكْمَةُ فَسَكَتَ، فَلَمَّا أَتَمَّهَا لَبِسَهَا وَقَالَ: نِعْمَ لَبُوسُ الْحَرْبِ
أَنْتِ. فَقَالَ: الصَّمْتُ حِكْمَةٌ، وَقَلِيلٌ فَاعِلُهُ. فَقَالَ لَهُ دَاوُدُ:
بِحَقٍّ مَا سُمِّيتَ حَكِيمًا. وقيل من صفاته أنه كان كثير الصمت كثير التفكير
حسن الظن بالله يتريث ولا يندفع.
والصورة الوحيدة لتعرف بها الحكيم من غيره هي الشكر "وَلَقَدۡ ءَاتَيۡنَا لُقۡمَٰنَ ٱلۡحِكۡمَةَ أَنِ ٱشۡكُرۡ لِلَّهِۚ وَمَن يَشۡكُرۡ فَإِنَّمَا يَشۡكُرُ لِنَفۡسِهِۦۖ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٞ" والشكر ينتج عن النظر في واقع النفس وتفقد حالها ومحاولة حصر النعم التي تحظى بها، ومن مظاهر عدم الحكمة كثرة التشكي والتذمر وكثرة النظر للآخرين ولعَيشهم وحالهم، والحكم على الآخرين بدون طلب ولا معرفة.
وإن الناظر لأحوال الكثير اليوم يرى فقدان الحكمة ويرى كثرة الألم والندم، وما ذاك إلا للجهل بوجوب الشكر الذي ترجع ثمرته للشاكر لا للمشكور، كما قال عزّ وجلّ "وَمَن يَشۡكُرۡ فَإِنَّمَا يَشۡكُرُ لِنَفۡسِهِۦۖ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٞ" ذلك أن الحكيم يُدرك بعلمه وبفهمه أن الشاكر سيحظى بالحب والقبول لدى المشكور وسيجد منه الدعم والتأييد الذي هو بحاجته ولا يستغني عنه، وهذه أداوت إبقاء النعم والحصول على المزيد منها.
إنّ
الحكيم ليشكر الله على نعمه الهداية والمعيشة والصحة والعافية والأسرة والنوم
بطمأنينة وراحة وتعاقب المواسم في خير حال وغيرها كثير لا يُحصى، ويشكر للوطن كل
نعمه، ويشكر للزوج الصاحب الذي هو أصدق وأهم الأصحاب وجوده وحبه ودعمه، فيتمتع بما
لديه ويصونه ويغض الطرف عن خطئه وتقصيره إذ الكل خطاء ولديه تقصيره، ويشكر لوالديه
أفضالهما وجهدهما، ويشكر لأولاده كل جميل يصنعونه، وكل شيء موجود لديه يشكره ولا يُقارنه
بغيره، ولذا تجد من يستمتع بالنعمة لحكمته، وتجد من يشقى بالنعمة لجهله ولسوء فعله
واختياره.
نجد
في برامج التواصل الإلكتروني الكثير من الشياطين مفسدي الحياة يستغلون ضعف الحكمة
لدى الكثير فيدعون بطغيانهم وفسادهم إلى كفر النعمة الموجودة، حيث يوهمون بجمال
حياتهم من خلال تصوير لحظات ماتعة يخفون فيها قصور فكرهم وكثير ألمهم وقسوة ما مرّ
بهم، ليصوروا للناس ان فسادهم هذا ورأيهم هذا هو الحال الحقة التي عاشوها
ويعيشونها، وأن سبب متعتهم هذه هي تصرفاتهم الخارجة عن المألوف وعن القيم
والمبادئ، ليبادر عديم الحكمة كثير الجهل فيصدّقهم وينسى فضل الله، وفضل من حوله من
زوج ومن والد وولد وغيرهم، ليخسر ماديا واجتماعيا، وقبل ذلك يخسر حب الله وفضله
وعونه، فتشقى به نفسه ويشقى به من أحبه.
الحكمة
علمٌ وانتهاج لسلوك الحكماء بالشكر للواهب ومعرفة النعمة وشكرها من نعم بشرية
ومادية وصيانتِها ورعايتِها، وكثرةِ صمتٍ وتفكرٍ، وباحترام للآخرين بعدم الظهور
أمامهم بما لا يليق، وباحترام للنفس وللأسرة أن تغتر وتنساق مع الآخرين في خروجهم
عن المألوف وعن القيم والمبادئ، وبعدمِ تدخلٍ فيما لا يعني، وبعدمِ تتبع لما لدى
الآخرين، وبقراءةِ ومراجعةِ أخبار وسير الناجحين من الأولين والآخرين والتأمل في
عاقبة قراراتهم واختياراتهم للاقتباس من آثارهم، ثم عملٌ وفق العلمِ لتكون السلامةُ
والمتعةُ والعلوُ في الحياة، فتكون الحياةٌ هانئة مطمئنة ممتعة سعيدة بإذن الله
تعالى.
عباد الله لقد دعاكم ربكم وأمركم فقال عزّ
من قائل كريما "إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلَٰٓئِكَتَهُۥ يُصَلُّونَ
عَلَى ٱلنَّبِيِّۚ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ صَلُّواْ عَلَيۡهِ
وَسَلِّمُواْ تَسۡلِيمًا" وقال عليه الصلاة والسلام: مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلَاةً صَلَّى
الله عَلَيْهِ بِهَا عَشْرًا.
اللهم صل وسلم على نبينا وسيدنا محمد بن عبد الله وعلى آله وصحبه ومن والاه
تعليقات
إرسال تعليق