الغيبة والنميمة والحرمان من حسن التقويم إلى منزلة السافلين
لقد خلق الله تعالى الإنسان في أحسن تقويم، ومن هذا التقويم الحسن، الفطرة السوية على العلاقات الإنسانية المتمثلة في حب الاجتماع وحب الائتلاف الإنساني، وعلى حب الفرح وحب زرع الفرح عبر تحسين هذه العلاقات الإنسانية.
ولا يشذ عن هذا التقويم الحسن إلا من خالف الفطرة وانساق مع الشياطين التي
تجتال من ضعف دينه وقلّت مراقبته لربه، تجتاله حتى يُرد إلى أسفل سافلين، بخلاف
المؤمنين الذين يعملون الصالحات فإنهم بعملهم الصالح في محاربة الشياطين وأفكارهم
وخطواتهم بقوا على حُسِن حالهم الذي فطرهم الله عليه، "لَقَدۡ خَلَقۡنَا
ٱلۡإِنسَٰنَ فِيٓ أَحۡسَنِ تَقۡوِيمٖ ثُمَّ رَدَدۡنَٰهُ أَسۡفَلَ سَٰفِلِينَ
إِلَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ فَلَهُمۡ أَجۡرٌ غَيۡرُ
مَمۡنُونٖ" والتقويم هنا
ليس فقط تقويم الخِلقة، بل حُسن تقويم للعقل والفهم وحُسن تقويم للعلاقات
الإنسانية، وأجرهم الذي أعدّ الله لهم فوق أن يُعلم الآن، ولكن من بوادر هذا الأجر
العيش بسعادة ومتعة بالنعمة المتيسرة، ولا يعمل على إفساد هذا التقويم الحسن إلا
شيطان أو سالك مسلك الشيطان.
ولأجل الحفاظ على هذه الفطرة
الإنسانية العالية الموهوبة للناس جميعا، ولأجل الفوز بالأجر المترتب عليها، فقد حرّم
الله تعالى كل سلوك شيطاني يُفسد هذه الفطرة السوية ويحرم من الأجر المعدّ للمحافظ
عليها، وشدد في التحريم وأعظمَ الوعيد لمن سلك مسلك الشيطان في صناعة هذا الإفساد.
وأعظم المسالك الشيطانية لإفساد لهذه الفطرة الربانية السوية وحرمان
الإنسان من ثمرتها، هو مسلك الغيبة والنميمة، حيث ينتج عنهما تشويه الصورة السليمة
لذاك الإنسان التي هي الأصل فيه، والتي أظهرها بحسن خلقه وتعامله، ثم تصنع الضغينة
بينه وبين أحبته ورفقته، لينشئ الصدام والصراع بينهم، وتجعلهم ينشغلون ببعضهم عن
أنفسهم وعن مستقبلهم، وهذا ما حذّر منه رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
بقوله: «إِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ أَيِسَ أَنْ يَعْبُدَهُ الْمُصَلُّونَ فِي
جَزِيرَةِ الْعَرَبِ، وَلَكِنْ فِي التَّحْرِيشِ بَيْنَهُمْ» مسلم. ولا أداة يستخدمها
لهذا التحريش مثل الغيبة والنميمة.
يقول تعالى "وَلَا يَغۡتَب بَّعۡضُكُم
بَعۡضًاۚ أَيُحِبُّ أَحَدُكُمۡ أَن يَأۡكُلَ لَحۡمَ أَخِيهِ مَيۡتٗا
فَكَرِهۡتُمُوهُۚ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَۚ إِنَّ ٱللَّهَ تَوَّابٞ رَّحِيمٞ" الغيبة التي
حذر الله تعالى منها وشبّه صاحبها بآكل لحم أخيه بعد موته هي التحدث عن أحد ما بما
حدث منه فعلا، ولكنه هو يكره هذا الحديث عنه، يُنقل خبره بقصد الإخبار فقط لا قصد
في الإضرار به، ومع ذلك فهي كبيرة من كبائر الذنوب حتى ولو كان حديثا عابرا غير
مقصود ما قد ينتج عنه، أما النميمة الصانعة للشرّ المانعة من دخول الجنّة فإنها
نقل كلام احد ما للآخر لإفساد الصلة بينهما ولزرع الضغينة والكراهية، فالأولى بدون
قصد والثانية بقصد ومع ذلك كلاهما كبائر والثانية أشد.
قَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «إِيَّاكُمْ وَالظَّنَّ، فَإِنَّ الظَّنَّ أَكْذَبُ الْحَدِيثِ، وَلَا تَحَسَّسُوا، وَلَا تَجَسَّسُوا، وَلَا تَنَافَسُوا، وَلَا تَحَاسَدُوا، وَلَا تَبَاغَضُوا، وَلَا تَدَابَرُوا، وَكُونُوا عِبَادَ اللهِ إِخْوَانًا» متفق عليه. بمعنى إياكم وظن السوء وتصديقه والعمل به، والتحسس والتجسس أي الاستماع للحديث وتتبع العورات والعثرات والأخطاء، وقيل هو التفتيش عن بواطن الأمور وخفايا الأعمال. هذا النهي المشدد من الله ورسوله لهذه الخصلة الخبيثة لهي رسالة تحذير ونذير بأن خراب الدنيا والآخرة يمر عبر بوابة الغيبة والنميمة، هذه البوابة الخبيثة التي تُضعف العبودية لله تعالى وتقتل روح الأخوّة وتُذهب جمال الحياة الذي يصنعه الحب والودّ وحسن السريرة.
إن الغيبة والنميمة أداتان لصنع فَجوة في العلاقات الإنسانية بين الزوجين أو زملاء العمل أو الجيران وجماعة المسجد ونحو ذلك عبر تشويه الصورة أو الموقف أو المعيشة ونظام الحياة بأي شكل ولو بغير قصد، في أمور لا تستحق الحديث أصلا أو أمور تزول بفعل اللقاء والسلام والمحادثة أو أمور عادة ما تخبو مع الوقت، فيُجعل منها بالغيبة والنميمة قضايا مصيرية لا تحتمل إلا الصدام والانفصال، ومن هنا ندرك أحد أهم أسباب كثرة حالات الطلاق التي كان يمكن علاجها لو أن من حولهما كانوا من أهل الفضل فحافظوا على حُسن تقويمهم وعلى فطرتهم السوية فكفّوا عن دعوى حب الخير التي يظهرونها بذكر العيوب وتشويه الحال، لو كفوّا عن التفنن في تخييل صور من الحياة الجميلة المتوافقة المترفة التي لم يشهد لها التاريخ البشري بوجود إلا في كتب الروايات، لو عملوا على إحسان تقويم الفهم والعقل لدى من لجأ إليهم، وإن العاقل ليصنع الجمال والسعادة في حياته وحياة من حوله بتفقد ثمرة حديثه وعاقبة طرحه هل هو مما يصنع الحُسن أو يُنزل صاحبه منازل الأسفلين. قالت العرب "وعادة أهل الفضل ذكر المحاسن" ليُفهم من هذا أن ذكر المساوئ عادة أهل السوء والنقص، يقول الله تعالى "وَإِذَا رَأَيۡتَ ٱلَّذِينَ يَخُوضُونَ فِيٓ ءَايَٰتِنَا فَأَعۡرِضۡ عَنۡهُمۡ حَتَّىٰ يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيۡرِهِۦۚ وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ ٱلشَّيۡطَٰنُ فَلَا تَقۡعُدۡ بَعۡدَ ٱلذِّكۡرَىٰ مَعَ ٱلۡقَوۡمِ ٱلظَّٰلِمِينَ" وأعظم الظلمة من ترك أثرا سيئا في قلبك تجاه من كنت تُحبه وتوده، فلا تعد لمجلس أو لحديث أو لقرين زرع في نفسك كرها وانتقاصا، وليكن حاضرا في الذهن أنه ما انتقص الآخرين إلا ناقص ولا زرع الكره إلا شيطان حاقد، وأن الظلم يأتي على صورة مسكنة وتظلم وتشكي ليُفسد الحياة على أهلها، ليكن هذا حاضرا في الذهن عند سماع غيبة أو نميمة أو سخرية خاصة الزوجين وبالأخص في بدايات حياتهم الزوجية، عمر الله حياتنا وحياة كل بيت مسلم بالود والألفة والسكينة وبالوعي من شياطين الإنس والجنّ، وجعلنا من المحسنين الذين يصنعون حسن التقويم لأنفسهم ولمن حولهم.
تعليقات
إرسال تعليق