العناية بمشاعر الآخرين بالوقاية وإماطة الأذى
يقول تعالى "وَٱتَّقُواْ يَوۡمٗا تُرۡجَعُونَ فِيهِ إِلَى ٱللَّهِۖ ثُمَّ تُوَفَّىٰ كُلُّ نَفۡسٖ مَّا كَسَبَتۡ وَهُمۡ لَا يُظۡلَمُونَ" ويقول تبارك وتعالى "وَمَا تُقَدِّمُواْ لِأَنفُسِكُم مِّنۡ خَيۡرٖ تَجِدُوهُ عِندَ ٱللَّهِۗ إِنَّ ٱللَّهَ بِمَا تَعۡمَلُونَ بَصِيرٞ" وأعظم خير يكسبه المسلم ويقدمه لنفسه، هو ما يقدمه للآخرين من رحمة بهم تظهر في حمايتهم ودرء الضر عنهم، وهذه الرحمة بالآخرين هي من حقوق الله تعالى على العباد للعباد، وهي علامة على رحمة الإنسان بنفسه قبل رحمته بالآخرين.
وإن من الرحمة الجالبة الأنس
والسعادة والأجر العظيم لفاعلها، حماية النفس والآخرين من أضرار الطريق ومن
التشوهات البصرية في الساحات العامّة والطرق والمتنزهات التي يصنعها قبيحو الطبع
بسلوكهم المتعالي غير المبالي.
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ
رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «بَيْنَمَا رَجُلٌ
يَمْشِي بِطَرِيقٍ وَجَدَ غُصْنَ شَوْكٍ عَلَى الطَّرِيقِ فَأَخَّرَهُ، فَشَكَرَ
اللَّهُ لَهُ فَغَفَرَ لَهُ» متفق
عليه.
الله جلّ في علاه يشكر رجلا لا
يُعرف بكثرة عبادة ويغفر ذنبه بسبب أنه اهتمّ بالآخرين واعتنى بمشاعرهم وأزال الأذى
عن طريقهم وحرص على وقايتهم مما يضرهم.
يقول عليه الصلاة والسلام: "اتَّقُوا
الْمَلَاعِنَ الثَّلَاثَ: الْبَرَازَ فِي الْمَوَارِدِ، وَقَارِعَةَ الطَّرِيقِ،
وَالظِّلَّ» أي اتقوا مسببات تذمر الناس وجالبة دعواتهم بالسوء.
كم هو مؤذ عدم المبالاة بالنظافة العامة!
وكم هو جالب للإثم ذلك التسبب في تشويه المشهد العام للمدينة وللمتنزه من خلال
إلقاء النفايات في الساحات والحدائق، وأقبح ما يمكن رؤيته في هذا المجال من ذلك من
يُلقي بنفاياته من نافذة سيارته في الطريق غير مبال بالمشاعر الإنسانية ولا مبالي بالمنظر
القبيح الذي صنعه، وغير مبال بما اظهر من قبيح طبع وسوء سلوك، وأما إلقاء علب
الماء الفارغة في ساحات وممرات المساجد فإنه مما بالغ صاحبه في القبح حيث لم يبال
بعظمة المسجد ولم يبال بمشاعر المصلين.
جاء أعرابي جاهل والنبي صلى الله
عليه وسلم مع أصحابه في المصلى حيث لم يحوّط المسجد آنذاك، فبال في طرف المسجد
فتلطف به النبي عليه الصلاة والسلام وعلّمه ما ينبغي سلوكه، وبعد أن تعلّم الناس
وارتقى سلوكهم يلحظ عليه الصلاة والسلام في أحد أعمدة المسجد نخامة فيغضب ويزيلها
بعودٍ بيده الشريفة ثم يخطب في الجمع مشددا في النكير على تلك الفعلة القبيحة، إذ
ما كان مقبولا من الجهال فهو محرّم على المتعلمين. وهذا ما يفترض بالناس اليوم حيث
الكل متعلم ولا يقبل أحدُ وصفه بالجاهل في الآداب العامّة
وما أجمل سلوك المسلم وهو يجنّب
المشهد العام أذاه ومخلفاته ولو يسيرة، وأجمل منه من يبعد عن الناس ما يراه في
طريقه من أذى يضرّ أو يكدّر، يعامل الموقع العام كمنزله الخاص، مسمار أو زجاج أو
حجر لو وطئته سيارةٌ لأحدث بها ضررا، أو حتى علبة ماء فارغة ونحوها ملقاة تشوّه
المنظر العام فينقلها إلى حاوية النظافة، عمل يسير ينبئ عن رقي الطبع وسمو الخلق
ويقي الآخرين الضر ويجمّل له طرقاتهم ويجلب شكر الربّ جلّ وعلا.
ويا ترى ما هي مشاعرك وأنت تفتح
سجلك يوم القيامة فترى فيه شكرا لك من ربك لجميل صنعك؟ بالرغم من ان ذلك العمل كان
يسيرا ولم يضرك ولم يثقلك؟ بل ويا ترى كيف ستكون منزلتك في الآخرة وأنت تُشكر دوما
من مولاك؟
وفي المقابل ماذا لو فتحت سجلك فوجدت مُسجّل عليك دعوات من مسلمين بسبب
تلويثك لأماكن متعتهم ولتشويهك لجمال الحدائق والطرقات والمتنزهات البرية، ولساحات
المساجد خاصة.
عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: صَعِدَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ المِنْبَرَ فَنَادَى بِصَوْتٍ رَفِيعٍ، فَقَالَ: «يَا مَعْشَرَ مَنْ
أَسْلَمَ بِلِسَانِهِ وَلَمْ يُفْضِ الإِيمَانُ إِلَى قَلْبِهِ، لَا تُؤْذُوا
المُسْلِمِينَ الحديث.." الحاكم والترمذي وصححه الألباني.
إن من أفضل العبادات، عبادة مراعاة مشاعر الآخرين والعناية بسلامة نفسياتهم وعدم التسبب في تكدر خواطرهم، وهي عبادة سمّى الله تعالى أهلها بالأبرار وهم الذين يدخلون السرور على الآخرين ما استطاعوا لذلك سبيلا، وجعل عاقبة أمرهم نضرة ونعيما "إِنَّ ٱلۡأَبۡرَارَ لَفِي نَعِيمٍ عَلَى ٱلۡأَرَآئِكِ يَنظُرُونَ تَعۡرِفُ فِي وُجُوهِهِمۡ نَضۡرَةَ ٱلنَّعِيمِ يُسۡقَوۡنَ مِن رَّحِيقٖ مَّخۡتُومٍ خِتَٰمُهُۥ مِسۡكٞۚ وَفِي ذَٰلِكَ فَلۡيَتَنَافَسِ ٱلۡمُتَنَٰفِسُونَ"
فلتنافس في العناية بالنظافة العامة للساحات والشوارع والحدائق والمتنزهات،
وبالأخص المساجد وساحاتها، فإن مما يزيد المرءَ رفعةً، رفعه لما تقع عليه عينه من
مخلفات يسهل نقلها، أو إماطته لأذى يؤذي الناس في طريقهم، مما يصنع الجمال في
الحياة ويُربي بالقدوة على جميل الخُلق، وهذا ما ثبت أن رسول الله صلى الله عليه
وسلم كان يفعله وكان يُكرّم ويقدّر من يفعله.
عباد الله مرض رسول الله مرضا أنهكه وأتعبه وشعر معه بدنو أجله فما كان له من أمنية في هذه الدنيا إلا أن يراكم يا من آمن به واتبع سنته ولم يره، فأكثروا من الصلاة والسلام عليه دوما وبالأخص يوم الجمعة، جرّب عبد الله أن ترفع يديك للدعاء فلا تزيد عن الصلاة والسلام على رسول الله وستجد كشفا لهمّك وستفوز بمغفرة لذنبك..
اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك محمد
تعليقات
إرسال تعليق