من أسباب الرحمة رحمة الآخرين وفي العقار خير مثال

إن من القيم الرئيسة في الإسلام قيمة الرحمة والتعاون والتكاتف، وما شبّه الله سبحانه وتعالى نفسه المقدسة بشيء كمؤمن محتاج لإخوانه، تأكيدا على تلك القيم المهمّة، كما في الحديث عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: يَا ابْنَ آدَمَ مَرِضْتُ فَلَمْ تَعُدْنِي، قَالَ: يَا رَبِّ كَيْفَ أَعُودُكَ؟ وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ، قَالَ: أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ عَبْدِي فُلَانًا مَرِضَ فَلَمْ تَعُدْهُ، أَمَا عَلِمْتَ أَنَّكَ لَوْ عُدْتَهُ لَوَجَدْتَنِي عِنْدَهُ؟ الحديث.. " مسلم.

فما تقدمه من خير لإخوانك رحمة ودعما وتعاونا وشدا لأزرهم ستجده عظيما مُقدراً عند الله تعالى أيا كان ما تقدمه ما دام هو وسعك وطاقتك، والعكس بالعكس، فكل خذلان واستغلال وغش وإضرار بأي شكل ستكون عاقبته عظيمة وخيمة يوم ما، وما من جريمة يُعاقب عليها الإنسان بصورة سريعة مثل البغي وقطيعة الرحم. ولا بغي أشد من البغي على الناس باستغلال حاجتهم وعاطفتهم وثقتهم للتكسب من ورائهم.

ولأن وجود السكن المناسب للعائلة ضرورة حياتية تحقق السكينة والأمن والرفاهية للإنسان فإن من الصور الخيّرة الجميلة التي تظلل المجتمع بروابط الإخاء ما تضمنه التوجيه السامي من قِبل سمو ولي العهد حفظه الله بشأن تسهيل تأمين السكن للمواطنين والمقيمين والتيسير عليهم، لما في ذلك من الاستقرار النفسي والاجتماعي لكثير من الأسر، وتحقيق للتوازن في القطاع العقاري، والذي هو مستند لقول رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «اللهُمَّ، مَنْ وَلِيَ مِنْ أَمْرِ أُمَّتِي شَيْئًا فَشَقَّ عَلَيْهِمْ، فَاشْقُقْ عَلَيْهِ، وَمَنْ وَلِيَ مِنْ أَمْرِ أُمَّتِي شَيْئًا فَرَفَقَ بِهِمْ، فَارْفُقْ بِهِ» مسلم. فنسأل الله الرفق بولاة أمرنا وبنا وبالمسلمين أجمعين.

وإن من الصور القبيحة المنذرة بالعقوبة الوخيمة هي العمل على الكسب من خلال الإضرار بالناس استغلالا لحاجتهم أو لجهلهم، والأقبح هو استغلال ثقتهم للكسب من ورائهم، كما يحدث في سوق العقار غالبا حيث حاجة الناس للسكن وللاستقرار، وعموم جهلهم بواقع الأسواق، وحيث رفع الأسعار بصورة مبالغة غير مبررة، وبخس الأثمان الجائر استغلالا للجهل وللحاجة، وذلك طلبا للربح الزائد، بغض النظر عما يحدث لدى الطرف الآخر مشتريا كان أم بائعا أم مستأجرا! من غبنٍ أو ضُرٍ وتضييق عليه في معيشته، مما يصنع أنانية مقيتة وفرقة اجتماعية خطيرة، وهذا هو التطفيف الذي وعد الله بالويل فاعله، وفي الحديث عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ ضَارَّ أَضَرَّ اللَّهُ بِهِ، وَمَنْ شَاقَّ شَقَّ اللَّهُ عَلَيْهِ» أحمد وابن ماجة وأبو داود. وفي هذه الدعوات النبوية المروعة سلوة لكل مُستَغل ومخدوع وفيها بالغ النذير والتحذير لكل صانع لثروته بالإضرار بالآخرين ولو ألقى عذره بأنه لم يضرب على أيديهم ولم يجبرهم موهما نفسه بالسلامة من التسبب في الضرر والكدر.

وما أجمل وأهنأ رزقٍ يُراقبُ اللهَ فيه، فتحل فيه البركة ويتمتع به أهله ويكون لهم خير أثر يخلفهم في عقبهم ويستمر ثوابه لهم، وهذا لا يكون إلا برحمة تعمر قلب كل متكسب وساع في رزقه، رحمة لنفسه ورحمة لأسرته من أن يلحقهم الحرام فيكونوا لحما نبت من سحت، ورحمة لغيرهم ممن باع لهم أو اشترى منهم أن يُغبنوا وأن يضيع مالهم لجهلهم او لحاجتهم، إذ المؤمنون إخوة كما قال تعالى "إِنَّمَا ٱلۡمُؤۡمِنُونَ إِخۡوَةٞ " ولقد اكثر الله تعالى من مدح الأبرار ووعدهم بكل خير، وهم الذين يرحمون الناس ويصلحون من شأنهم ويسعون لإدخال السرور عليهم، وهل ثمة سرور يُدخل بأفضل من رحمة يكون أثرها تقدير الظروف ورعاية الحاجة وحفظ الحقوق؟ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «الرَّاحِمُونَ يَرْحَمُهُمُ الرَّحْمَنُ، ارْحَمُوا مَنْ فِي الأَرْضِ يَرْحَمْكُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ» أحمد والترمذي وابن ماجة وصححه الألباني والأرناؤوط وغيرهما.

ولرب رحمة ترحم بها إخوانك اليوم تفرح بها أنت وذريتك غدا ويوم تلقون ربكم

ولعل أبهى صور الرحمة هي تلك التي جلبت دعوة رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بالرحمة، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «رَحِمَ اللَّهُ عَبْدًا سَمْحًا إِذَا بَاعَ، سَمْحًا إِذَا اشْتَرَى، سَمْحًا إِذَا اقْتَضَى، سَمْحًا إِذَا قَضَى» صححه الألباني والأرناؤوط وأصله في البخاري.

رحمنا الله وولاة أمرنا والمسلمين أجمعين وجعلنا من الأبرار وأحل الرفق بنا وعلينا في كل أحوالنا، وحفظنا من كل ضرر ووقانا كل شر وخطر، وغفر لنا ما قدمنا وما أخرنا، وصلى الله وسلم على نبينا محمد

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

التقوى والتوبة سببان لأداء أمانة الوصول إلى الجنّة

المسلم وشدّ البنيان الإيماني أو هدمه

يوم عاشوراء يوم التوحيد، يوم العلم والعمل، يوم الصبر والتفاؤل