يوم الاثنين أم الثاني عشر خطبة الجمعة 20 / ربيع أول / 1447

 

الحمد لله العلّي العظيم، الملك المتعال ذي الجلال والإكرام، أحمده سبحانه وأشكره وأثني عليه الخير كله، وأشهد أن لا إله إلا هو الرحمن الرحيم، وأشهد أن محمد بن عبد الله عبده ورسوله إمام المرسلين وسيد الأولين والآخرين صلى الله عليه وعلى آله وصحبه والتابعين وسلّم تسليما كثيرا وبعد عباد الله.

فاتقوا الله واعلموا أنكم ملاقوه، واعلموا أن من يعظم حرمات الله، فله البشرى من الله، ويا سُعدَ من بشّره الله.

لقد مدح الله تعالى ووعد طائفة من الخلق فقال سبحانه "وَأَمَّا مَنۡ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِۦ وَنَهَى ٱلنَّفۡسَ عَنِ ٱلۡهَوَىٰ فَإِنَّ ٱلۡجَنَّةَ هِيَ ٱلۡمَأۡوَىٰ" ومعنى نهى النفس عن الهوى أي منعها من مخالفة أمر الله وأمر رسوله، ومنعها من التخلف عن فرائض الله وعن واجبات النفس عامّة.

وإن من أعظم صور منع النفس عن الهوى، هو حملها على شكر نعم المولى جلّ في علاه، شكرا يليق بجلال الله وعظيم عطائه، شكرا بعيدا عن هوى النفس المحرم، شكرا يليق بهدف الشكر وهو رجاء بقاء النعمة وزيادتها وزيادة التمتع وبها والاستفادة منها.

وإن من أجلّ النعم التي يجب ان يُشكر الله تعالى عليها كي تستدام وكي يحققَ العبد مصلحته بسببها، هي نعمة هذا الدين، الدين الذي يحقق عزة المؤمن فيجعله عبدا لله متعلقا به مستغنيا به عمن سواه، الدين الذي يُخضع أحكامه وفرائضه وفق قدرة الإنسان فلا يكلفه إلا وسعه، ويعذره فيما لا يطيق، ولا يحمّله إلا وفق ما آتاه الله، ولن تجد رحمة ولا حبا أكثر من ذلك.

وإن الشكر لا يكون شكرا حتى يكون وفق ما يرضاه المشكور ويرضيه، وهذا يُدرك بالمعرفة الحقة للنعمة ولمن وهبها واستحق أن يُشكر عليها.

لقد منّ الله تعالى علينا نحن المسلمون بأمرين عظيمين: الإسلام هذا الدين الحنيف السمح ونبي الإسلام النبي الكريم محمد عليه صلوات الله وسلامه، وهاتين النعمتين أولى النعم بالشكر، ويكفي أنه من عَظَمتهما قد عَظُم تبعا لهما كل ما ارتبط بهما من إنسان أو مكان أو زمان.

فعظَمتنا وعزتنا المنشودة تبع لعَظَمتِه وعزته عليه الصلاة والسلام، ولا عَظَمة ولا قدر لنا بعيدا عنه صلى الله عليه وسلم، ولذا فإن الحسد لا ينفك يهاجمنا عبر حروب عسكرية وفكرية من كل مكان، حسدا على هاتين النعمتين ليفسدوها علينا، نعمة دين الإسلام ونعمة محمد عليه الصلاة والسلام، ومن هذه الحروب الفكرية حرب التغيير لكيفية ولطريقة ولوقت الشكر لتلك النعم، وتغيير المعظمات في دين الإسلام.

في الإسلام يُعظّم محمد عليه الصلاة، ويُعظم تبع له كل ما ارتبط به من أهل بيت ومن صحبة ومن مكان وزمان، حتى يوم مولده عليه الصلاة والسلام له تعظيم خاص عند أهل الإسلام، فمولده كان بداية الإشراقة برسالة الإسلام الحنيفية النقية التي رضيها الله تعالى لعباده، وتعظيم المسلمون لهذا المولد العظيم خُلقٌ كريم يكشف مدى حبِهم وتعلقِهم وتبعيتِهم لنبيهم الكريم محمد عليه الصلاة والسلام، فيوم مولده ليس يوما عاديا كما أن مولده ليس مولد رجل عادي. وعليه فيفترض بالمسلمين شكر الله تعالى على هذه النعمة شكرا يليق بالله تعالى الواهب، ويليق بسبب الشكر وهو نبي الإسلام محمد عليه الصلاة والسلام، وهو أمر حورب فيه المسلمون حربا فكرية حتى أخرجوهم عن شكر هذه النعمة إلى كفرها، وأبدلوهم عن طلب رضا الله بها إلى اتباع أهوائهم وإلى تسليم عقولهم لمن يكتسب الوجاهة والأموال عبر بساطتهم وعبر سلامة نيتهم وحسن مقاصدهم.

لقد ربط النبي صلى الله عليه وسلم بين هاتين النعمتين ليبين عظمتهما وليوضح أن الشكر لهما يكون عملا يليق بهما وبواهبهما، سأل عمر بن الخطاب رَضِيَ اللهُ عَنْهُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: عَنْ صَوْمِ يَوْمِ الِاثْنَيْنِ؟ قَالَ: «ذَاكَ يَوْمٌ وُلِدْتُ فِيهِ، وَيَوْمٌ بُعِثْتُ - أَوْ أُنْزِلَ عَلَيَّ فِيهِ» مسلم. فمولده ومبعثه والوحي المنزل عليه كان في يوم الاثنين، ومن هنا ولأحداث مهمة أخرى عظم شان يوم الاثنين.

عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: «وُلِدَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ الْإِثْنَيْنِ، وَاسْتُنْبِئَ يَوْمَ الْإِثْنَيْنِ، وَخَرَجَ مُهَاجِرًا مِنْ مَكَّةَ إِلَى الْمَدِينَةِ يَوْمَ الْإِثْنَيْنِ، وَقَدِمَ الْمَدِينَةَ يَوْمَ الْإِثْنَيْنِ، وَتُوُفِّيَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ الْإِثْنَيْنِ وَرَفَعَ الْحَجَرَ الْأَسْوَدَ يَوْمَ الْإِثْنَيْنِ». أحمد وصححه أحمد شاكر وغيره.

وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: " تُفْتَحُ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَ الْإِثْنَيْنِ وَيَوْمَ الْخَمِيسِ، فَيُغْفَرُ لِكُلِّ عَبْدٍ لَا يُشْرِكُ بِاللهِ شَيْئًا، إِلَّا رَجُلًا كَانَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَخِيهِ شَحْنَاءُ، فَيُقَالُ: أَنْظِرُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا، أَنْظِرُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا، أَنْظِرُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا" مسلم.

فتح الله لنا أبواب رحمته وأبواب فضله وغفر لنا ولمن أخطأنا عليه وأخطأ علينا ولوالدينا وجميع المسلمين.

 

الحمد لله الوليّ الحميد الودودِ ذي العرش المجيد، والصلاة والسلام على نبينا وسيدنا محمد وعلى آله وصحبه والتابعين وبعد عباد الله فليوم مولد النبي عليه الصلاة والسلام وهو يوم الاثنين مكانة خاصة حري بالمسلمين أن يحتفوا به احتفاء خاصا يليق بما قدّر الله فيه من أمور، وألّا يغيروا موعده لموعد آخر أيا كان، ولم يقل أحد من المسلمين بأن التعظيم الذي يفترض بمولد سيد الأولين والآخرين يكون في الثاني عشر من ربيع الأول إلا في سنة 604 للهجرة، مما يؤكد عدم شرعية تعظيم يوم الثاني عشر من ربيع أول، ولم يقل أحد من علماء المسلمين قديما ولا حديثا بجواز الاحتفالات الصاخبة ذات المنكرات والمخالفات الشرعية، وإن في تجاهل المحتفلين ليوم المولد الصحيح إلى موعد غير متفق عليه دليل على نجاح الغزاة في مهمتهم بغسل الأفكار وبتبديل وتغيير المفاهيم والقيم الإسلامية. وفي دلالة على خروج المحتفلين عن حقيقة الاحتفال وعلى أنها تقام وفق الهوى والغرائز المادية والجنسية وليس حبا في النبي ولا تتضمن شكرا لله على نعمته بهذا النبي، أصدر المفتون قديما وحديثا فتاوى تحرم تجاوز يوم الثاني عشر وتحرم ما يدور فيها من منكرات ومخالفات شرعية، وتوجب الاكتفاء بقراءة نبذ من السيرة والصدقة. لتقول عند معرفة هذا الحمد لله الذي منّ علينا بالسُنّة ونجانا من الفتنة وأهلها، وحفظ لنا أفكارنا تجاه ديننا ونبينا عليه الصلاة والسلام.

من أحب النبي وعرف قدر نعمة مبعثه ورجا أن يصحبه نحو أبواب الجنّة فعليه بسنته "قُلۡ إِن كُنتُمۡ تُحِبُّونَ ٱللَّهَ فَٱتَّبِعُونِي يُحۡبِبۡكُمُ ٱللَّهُ وَيَغۡفِرۡ لَكُمۡ ذُنُوبَكُمۡۚ وَٱللَّهُ غَفُورٞ رَّحِيمٞ"

الاحتفال بمولد النبي صلى الله عليه وسلم يكون تبعا لفعل النبي محمد عليه الصلاة والسلام، وذلك كل يوم اثنين وعبر عملين صالحين مهمين، الصيام وتطهير القلب من الشحناء، فإن صعب على أحدنا الصوم أو استثقله فإن تطهير القلب لا عذر لأحد بتركه ولا ثِقلَ على النفس المؤمنة التَقِيةٍ بتطهيره.

ومن الحب للنبي عليه الصلاة والسلام تدارس سنته ومعرفة أخباره والتعرف على هيئته وشكل وجهه الشريف.

ومن الحب للنبي عليه الصلاة والسلام الدعاء لأمته خصوصا الجهال منهم بالعلم والتفقه في سنته والتخلق بأخلاقه وتدارس سنته بعيدا عن خرافات وتهاويل القصاص المسترزقة بالكذب.

إن أعظم حَدثين وقعا منه عليه الصلاة والسلام قبيل وفاته، هو زيارته للبقيع مسلما على من مات من صحبه، ومسميا إيّاكم بإخوانه ومبشرا أمته باللقاء عند حوضه. والثاني ابتسامته الشريفة التي غلبت المرض الذي اقعده فظهرت برغم الآلام لما رأى المسلمون صفوفا في الصلاة، وما تمنى عليه الصلاة والسلام أمرا، كما تمنى رؤيتكم يا من أتى بعده وآمن به واتبع سنته، فحافظوا على سنته لتروه مبتسما مرحبا بكم عند حوضه.

وأكثروا الصلاة والسلام عليه فذلك أمر الله لكم وهي طلبه عليه الصلاة والسلام منكم.

اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وصحبه والتابعين

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

التقوى والتوبة سببان لأداء أمانة الوصول إلى الجنّة

المسلم وشدّ البنيان الإيماني أو هدمه

يوم عاشوراء يوم التوحيد، يوم العلم والعمل، يوم الصبر والتفاؤل