صلة الرحم عبادة واجبة وخُلقٍ جميل
جاء في الحديث الصحيح أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «إِنَّ الْمُؤْمِنَ يَأْلَفُ، وَلَا خَيْرَ فِيمَنْ لَا يَأْلَفُ وَلَا يُؤْلَفُ» ومن خالف هذا الطبع لسوء خُلقٍ وسوء قصد فقد خالف طبيعته وخرج عن فطرته ونقص إيمانه وأسخط خالقه ومجتمعه، فعاش بائسا يائسا في الدنيا وفي الآخرة.
وأجمل ألفة وأحسنها هي التي تكون مع الأقربين عَنْ مُعَاوِيَةَ
قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ أَبَرُّ؟ قَالَ: «أُمَّكَ». قُلْتُ:
ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: «ثُمَّ أُمَّكَ». قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ثُمَّ
مَنْ؟ قَالَ: «أُمَّكَ». قَالَ: قُلْتُ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: «ثُمَّ أَبَاكَ، ثُمَّ
الْأَقْرَبَ فَالْأَقْرَبَ» أبو داود وأحمد وابن حبان. والبِرُّ يعني إدخال السرور وصناعة الفرح ومن ثمّ بِرٌّ
وإحسانٌ وعلو درجة.
وإنّ ممن يجب العناية بالصلة الجيدة بهم، هو ذوو الأرحام، فإن
صلة الرحم واجب شرعي قد عظّمه الله تعالى فوعد المحسن فيها بالحسنى وتوعد المقصر المسيء
بعقوبات عاجلة وآجلة.
روى البخاري عَنْ أَبي أَيُّوبَ الأَنْصارِيَّ رَضيَ اللهُ
عنه: أَنَّ رَجُلاً قالَ: يا رَسولَ اللهِ! أَخْبِرْنِي بِعَمَلٍ يُدْخِلُنِي
الجَنَّةَ، فَقَالَ النبيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "تَعْبُدُ
اللهَ لا تُشْرِكُ بِهِ شَيْئاً، وَتُقِيمُ الصَّلاةَ، وَتُؤْتِي الزَّكاةَ،
وَتَصِلُ الرَّحِمَ. وعَنْ جُبَيْرِ بن مُطعِمٍ أَنَّهُ سَمعَ النبيَّ صَلَّى
اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقولُ: "لا يَدْخُلُ الجَنَّةَ قَاطعٌ ". وعَنْ
عائِشَةَ رضي اللهُ عنها أنّ النبيِّ صلى الله عليه وسلم قالَ: إِنَّ الرَّحِمَ
شَجَنَةٌ مِنَ الرَّحْمَنِ، فَقَالَ اللَّهُ: مَنْ وَصَلَكِ وَصَلْتُهُ، وَمَنْ
قَطَعَكِ قَطَعْتُهُ". البخاري.
وشجنة بمعنى عروق الشجر المشتبكة. وعند مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ
رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إِنَّ اللهَ خَلَقَ
الْخَلْقَ حَتَّى إِذَا فَرَغَ مِنْهُمْ قَامَتِ الرَّحِمُ، فَقَالَتْ: هَذَا
مَقَامُ الْعَائِذِ مِنَ الْقَطِيعَةِ، قَالَ: نَعَمْ، أَمَا تَرْضَيْنَ أَنْ
أَصِلَ مَنْ وَصَلَكِ، وَأَقْطَعَ مَنْ قَطَعَكِ؟ قَالَتْ: بَلَى، قَالَ: فَذَاكِ
لَكِ"
وَعَنْ أَنَسِ بْنُ مَالِكٍ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُبْسَطَ لَهُ فِي رِزْقِهِ،
وَيُنْسَأَ لَهُ فِي أَثَرِهِ فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ» متفق عليه. وبسط الرزق أي يُوسّع ويُكثّر ويُبارك فيه. وَعَنْ أَبِي
بَكْرَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «إِنَّ
أَعْجَلَ الطَّاعَةِ ثَوَابًا صِلَةُ الرَّحِمِ، حَتَّى إِنَّ أَهْلَ الْبَيْتِ
لِيَكُونُوا فَجَرَةً، فَتَنْمُو أَمْوَالُهُمْ، وَيَكْثُرُ عَدَدُهُمْ إِذَا
تَوَاصَلُوا، وَمَا مِنْ أَهْلِ بَيْتٍ يَتَوَاصَلَونَ فَيَحْتَاجُونَ». ابن حبان وصححه
الألباني والأرناؤوط. وعَنْ أَبِي بَكْرَةَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ
قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَا مِنْ ذَنْبٍ
أَجْدَرَ أَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِصَاحِبِهِ الْعُقُوبَةَ مَعَ مَا يَدَّخِرُ لَهُ
فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْبَغْيِ وَقَطِيعَةِ الرَّحِمِ» أحمد والحاكم وغيرهما وصححه الألباني وغيره.
وذوو الرحم هم القرابات من جهة الأم ومن جهة الأب، وهم على
درجات في المقام وفي الصلة، والصلة بهم لا تكون كالصلة بالوالدين والجدين والإخوة
ووجهاء الأسرة فلكل ما يناسبه ويناسب حاله ومقامه، إذ أن منهم من هيء نفسه
لاستقبال الزوار ومتقبل لرسائل التواصل التقنية، ومنهم من لا تسمح له ظروفه بكثرة
الاستقبال ولا مزاجه وفكره ولا وقته متاح للرسائل فضلا عن الزيارات، إذ أن الصلة
الواجبة هي بقاء حبل الودّ متصلا مهما تباعدت الأجساد وأن يظهر هذا الودّ في
التكاتف والتآزر والتعاطف في المناسبات المختلفة، وأن تظهر البشاشة عند اللقاءات مهما
حدث من خلافات أو كراهية لأحد، وإن من التسبب في قطيعة الرحم هو الظنّ بأن الصلة
إنما تكون بالتواصل المستمر الذي لا يتوافق مع ظروف الحياة وهذا ما سبب كثيرا من
الانزعاج من هذه العبادة ومن النفور، أو سبب تأنيب ضمير لدى البعض مع أنه أدى
الواجب على أكمل وجه.
فالمطلوب في صلة ذوي الرحم معرفة بهم وبدرجتهم، وودّ يتبين عند اللقاء، ودعم عند العلم بحاجة أحدهم قبل طلبه، والوقوف معه عند أزمته، حتى تكون القلوب متآلفة نقية من كل أثر سيء صنعه البعد وولّدته المواقف المختلفة.
لقد اعتنى جلّ وعلا بصلة الرحم فأمر بها وحثّ عليها وجعل الإحسان فيها علامة لعباده الصالحين، وعلامة على صدق الإيمان وقوته.
وإن ما يصنع الألفة ويحقق جميل الصلة هو ما ذكره رَسُولُ اللهِ
صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقَولِهِ: «حَقُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ
سِتٌّ» قِيلَ: مَا هُنَّ يَا رَسُولَ اللهِ؟، قَالَ: «إِذَا لَقِيتَهُ فَسَلِّمْ
عَلَيْهِ، وَإِذَا دَعَاكَ فَأَجِبْهُ، وَإِذَا اسْتَنْصَحَكَ فَانْصَحْ لَهُ،
وَإِذَا عَطَسَ فَحَمِدَ اللهَ فَسَمِّتْهُ، وَإِذَا مَرِضَ فَعُدْهُ وَإِذَا
مَاتَ فَاتَّبِعْهُ» مسلم. وذوو الرحم أولى بهذا الحق.
وإن مما يجلب القطيعة وينشر البغضاء هو ما ذكره رَسُولُ اللهِ
صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، بِقَولِهِ: «إِيَّاكُمْ وَالظَّنَّ، فَإِنَّ
الظَّنَّ أَكْذَبُ الْحَدِيثِ، وَلَا تَحَسَّسُوا، وَلَا تَجَسَّسُوا، وَلَا
تَنَافَسُوا، وَلَا تَحَاسَدُوا، وَلَا تَبَاغَضُوا، وَلَا تَدَابَرُوا، وَكُونُوا
عِبَادَ اللهِ إِخْوَانًا» مسلم.
وذوو الأرحام أولى بالحذر من هذه الأخلاق البغيضة معهم.
عَنْ أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ
صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «لَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ
أَخَاهُ فَوْقَ ثَلَاثِ لَيَالٍ، يَلْتَقِيَانِ فَيُعْرِضُ هَذَا وَيُعْرِضُ
هَذَا، وَخَيْرُهُمَا الَّذِي يَبْدَأُ بِالسَّلَامِ» متفق عليه. والهجر هنا ما كان عن شحناء ومواقف صدامية أو خاذلة، وليس
المراد الابتعاد والانقطاع لأجل العمل او لبعد المسافة وصعوبة الطريق.
تعليقات
إرسال تعليق