التأريخ الهجري والتميز والاستقلال باستخدامه. العبرة بتقلب الزمن وسرعة تصرم الأيام
الحمد الله الحيّ القيّوم، مالك الملك
ومدبّر الأمر، أشهد ان لا إله إلا هو العزيز الحكيم، وأشهد أن محمد بن عبد الله
عبده ورسوله إمام المرسلين وسيد الأولين والآخرين صلى الله عليه وعلى آله وصحبه
والتابعين إلى يوم الدين وسلّم تسليما كثيرا وبعد عباد الله "مَّا خَلۡقُكُمۡ
وَلَا بَعۡثُكُمۡ إِلَّا كَنَفۡسٖ وَٰحِدَةٍۚ إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعُۢ بَصِيرٌ ۞
أَلَمۡ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يُولِجُ ٱلَّيۡلَ فِي ٱلنَّهَارِ وَيُولِجُ ٱلنَّهَارَ
فِي ٱلَّيۡلِ وَسَخَّرَ ٱلشَّمۡسَ وَٱلۡقَمَرَۖ كُلّٞ يَجۡرِيٓ إِلَىٰٓ أَجَلٖ
مُّسَمّٗى وَأَنَّ ٱللَّهَ بِمَا تَعۡمَلُونَ خَبِيرٞ ۞ ذَٰلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ
هُوَ ٱلۡحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدۡعُونَ مِن دُونِهِ ٱلۡبَٰطِلُ وَأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ
ٱلۡعَلِيُّ ٱلۡكَبِيرُ"
عباد الله كانت العرب تلتزم التقويم القمري تبعا
لملة الخليل إبراهيم عليه السلام فكانوا يضبطون المواسم التعبدية والدنيوية بحركة
القمر، وكذلك يسمون الأشهر بذات الأسماء. ويؤرخون الزمن بالأحداث العامة المحدودة
كيوم ذي قار وعام الفيل ونحوها.
ومضت الحال هكذا حتى بدأت الدولة الإسلامية
في الظهور العالمي وتوسعت مناطق نفوذها، حينها احتاجوا لضبط المعاملات بالتأريخ
المحدد باليوم والشهر والسنة، فتشاور عمر رضي الله عنه مع الصحابة واتفقوا على
اعتبار الهجرة النبوية بداية للتأريخ، فبالهجرة فرّق الله تعالى بين الحق والباطل،
والهجرة هي النَقلة المؤثرة في قوة الإسلام والمسلمين، ثم اختاروا شهر الله المحرم
لبداية العام، لأن محرم هو زمن انصراف الحجاج لأوطانهم وقد محا الحجّ ذنوبهم
ففتحوا صفحة جديدة، واختاروا يوم الجمعة ليكون حاملا للرقم الأول من الشهر الأول
من السنة الأولى، لأن الجمعة هي عيد المسلمين ويوم الله العظيم.
وقد
كان في ذلك الزمان تقاويم معروفة يحسب بها الزمن عند بقية الأمم فالتأريخ الصيني
والفارسي والميلادي، إلا أن المسلمين كمبدأ إسلامي أساس يقوم على الاستقلال
والتميز وعدم التبعية اختاروا تقويما يُخلّد مناسباتهم العظيمة ولا أعظم من
الهجرة.
يقول ربنا تبارك وتعالى "۞يَسَۡٔلُونَكَ
عَنِ ٱلۡأَهِلَّةِۖ قُلۡ هِيَ مَوَٰقِيتُ لِلنَّاسِ وَٱلۡحَجِّ" فالأصل حساب الزمن
بحركة القمر، وبه تُحدد العبادات والأحكام الشرعية، كصوم رمضان والحج والأعياد
والعِدةُ للمطلقة والأرملة واستحقاق الزكاة والأشهر الحرم، وغير ذلك من عبادات
مرتبطة بالزمن.
والدول المسيحية المستعمرة لتضمن حين تضطر للرحيل
أن يكون ثمة رابط لتلك الدول بها، وتضمن به استمرار التبعية فقد غسلت أدمغتهم حول
التأريخ الهجري وأوهمتهم بان التأريخ الميلادي دلالة رقي تحضرا، وأكثر ضبطا للأمور
الإدارية، وألزمتهم به، حتى صاروا المُستَعمَرون يستحقرون إخوانهم الذين لا يعملون
بالتأريخ الميلادي! ولكن لأهمية الاستقلال التامّ للمسلمين ولأجل ضبط أمورهم
الإدارية والمالية بسبب الترابط العالمي فقد أباح العلماء استخدام التقويم
الميلادي مقترنا بالتأريخ الهجري، فيقدم التأريخ الهجري ويربط الميلادي به وليس
العكس، ويمتاز التقويم الهجري بأنه يُبنى على أساس كوني واضح وهو حركة القمر التي
يشاهدها جميع من أراد المشاهدة ويدركها كل من حاول معرفتها، أما في التاريخ
الميلادي فهو يربط برموز وهمية بعيدة عن الأحداث الكونية، رموز اتفق عليها أهل تلك
الملّة، وإن ربطت بدايته بمولد عيسى عليه السلام، فالتأريخ الهجري مرتبط بحدث كوني
ما أنه توجيه إلهي بخلاف غيره، فواجب حين استخدام التأريخ الميلادي أن يكون مربوطا
بالتأريخ الهجري كما في هذه البلاد المباركة.
إنّ استخدام التأريخ الهجري من قبل المسلمين
هو علامة رقي وتحضر، إذ الرقي الحق هو في الثبات على الأسس والاعتزاز بها وليس في
التبعية. واستخدام التقويم الهجري هو قربة نتقرب بها إلى الله تعالى لأنه التزام
بتوجيه الله تعالى حيث اختار سبحانه حركة القمر معيارا لضبط الزمن"۞يَسَۡٔلُونَكَ
عَنِ ٱلۡأَهِلَّةِۖ قُلۡ هِيَ مَوَٰقِيتُ لِلنَّاسِ" وكذلك هو قربة لأنه يذّكرنا بأهمّ
أحداثنا الإسلامية وهي الهجرة النبوية التي فرّق الله بها بين الحق والباطل وأعزّ
بها الإسلام وأهله.
فنعتز باستخدام التأريخ الهجري في مواقيتنا
الحياتية المختلفة وبالأخص مواليد صغارنا وحفلاتنا ورحلاتنا الخاصة وإن تقيدت
الشركات بالتأريخ الميلادي، فهذا شعارنا والالتزام به هو اختيارنا، كما كان يفعل
سلفنا القريب، وارتباط المرتبات الشهرية بالتأريخ الميلادي لا يعني الخضوع
والتعبية للملل الأخرى، وإنّ من التباهي المموج ربط المناسبات الخاصة للفرد البسيط
بالتأريخ الميلادي وانتقاص التأريخ الهجري بحجة عدم الضبط وهو لا يدري موهما نفسه
بصناعة تميز لنفسه ولتاريخه.
وإن استمرار استخدام دولتنا للتأريخ الهجري
بالرغم من الضرورات الإدارية لحجة على كل متوهم الرقي باستخدام التأريخ الميلادي.
قول ما تسمعون واستغفر الله لي ولكم
الحمد لله العلّي العظيم غافر الذنب وقابل
التوب الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا وسيدنا
محمد بن عبد الله عبدالله ورسوله وعلى آله وصحبه والتابعين إلى يوم الدين.
وبعد عباد الله فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ
رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ: «أَفْضَلُ الصِّيَامِ، بَعْدَ رَمَضَانَ، شَهْرُ اللهِ الْمُحَرَّمُ،
وَأَفْضَلُ الصَّلَاةِ، بَعْدَ الْفَرِيضَةِ، صَلَاةُ اللَّيْلِ» مسلم.
يستحب صيام شهر محرم ولشدة الحرّ فيه فهو يسمى
شهر الصبر عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَقُولُ: «شَهْرُ الصَّبْرِ، وَثَلَاثَةُ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ
شَهْرٍ صَوْمُ الدَّهْرِ» أحمد والنسائي وصححه الألباني وغيره. فمن استطاع الصيام
فهنيئا له، وأفضل أيام شهر الله المحرم أيام تسعة وعشرة وإحدى عشر منه، فلا يغلبن
مسلم على صومها.
عباد الله يقول تعالى "وَجَعَلۡنَا ٱلَّيۡلَ
وَٱلنَّهَارَ ءَايَتَيۡنِۖ فَمَحَوۡنَآ ءَايَةَ ٱلَّيۡلِ وَجَعَلۡنَآ ءَايَةَ ٱلنَّهَارِ
مُبۡصِرَةٗ لِّتَبۡتَغُواْ فَضۡلٗا مِّن رَّبِّكُمۡ وَلِتَعۡلَمُواْ عَدَدَ ٱلسِّنِينَ
وَٱلۡحِسَابَۚ وَكُلَّ شَيۡءٖ فَصَّلۡنَٰهُ تَفۡصِيلٗا وَكُلَّ إِنسَٰنٍ
أَلۡزَمۡنَٰهُ طَٰٓئِرَهُۥ فِي عُنُقِهِۦۖ وَنُخۡرِجُ لَهُۥ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ
كِتَٰبٗا يَلۡقَىٰهُ مَنشُورًا ٱقۡرَأۡ كِتَٰبَكَ كَفَىٰ بِنَفۡسِكَ ٱلۡيَوۡمَ
عَلَيۡكَ حَسِيبٗا مَّنِ ٱهۡتَدَىٰ فَإِنَّمَا يَهۡتَدِي لِنَفۡسِهِۦۖ وَمَن ضَلَّ
فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيۡهَاۚ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٞ وِزۡرَ أُخۡرَىٰۗ وَمَا
كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبۡعَثَ رَسُولٗا " هذه الأيام تتقلب بنا في مسير سريع
نحو نهاية دنيانا ولنا سجل أعمال ينتظرنا أن نقرأه، وأمنياتنا بسرور ننقلب به يوم
نستلم كتابنا "يَٰٓأَيُّهَا ٱلۡإِنسَٰنُ إِنَّكَ كَادِحٌ
إِلَىٰ رَبِّكَ كَدۡحٗا فَمُلَٰقِيهِ فَأَمَّا مَنۡ أُوتِيَ كِتَٰبَهُۥ
بِيَمِينِهِۦ فَسَوۡفَ يُحَاسَبُ حِسَابٗا يَسِيرٗا وَيَنقَلِبُ إِلَىٰٓ أَهۡلِهِۦ
مَسۡرُورٗا" ونتذكر جيدا
قوله تعالى "هَٰذَا كِتَٰبُنَا يَنطِقُ عَلَيۡكُم بِٱلۡحَقِّۚ
إِنَّا كُنَّا نَسۡتَنسِخُ مَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ"
ومع بداية عام جديد ربط المسلمون توقيته
بحدث فرّق بين الحق والباطل فاتخذ رعاك الله هذه البداية السنوية لتكوّن فارقا فاصلا
بين ماضيك ومستقبلك، فافتح اليوم صفحة جديدة في آمالك وطموحاتك وعلاقاتك وبالتأكيد
في الصلة بخالقك ومولاك جلّ وعلا فقد قال سبحانه "وَهُوَ ٱلَّذِي
جَعَلَ ٱلَّيۡلَ وَٱلنَّهَارَ خِلۡفَةٗ لِّمَنۡ أَرَادَ أَن يَذَّكَّرَ أَوۡ
أَرَادَ شُكُورٗا"
عباد الله يقول الله تعالى "إِنَّ ٱللَّهَ
وَمَلَٰٓئِكَتَهُۥ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِيِّۚ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ
ءَامَنُواْ صَلُّواْ عَلَيۡهِ وَسَلِّمُواْ تَسۡلِيمًا"
اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك سيدنا
وإمامنا وحبيبنا محمد وعلى آله وصحبه ومن تبعه واقتفى أثره إلى يوم الدين.
تعليقات
إرسال تعليق