لنتعلّم من الحج السماحة والتيسير، ولنعش في العشر تنوعا في الذكر.

الحمد لله الملك العلّي العظيم، أشهد أن لا إله إلا هو الرحمن الرحيم، وأشهد أن محمد بن عبد الله عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه والتابعين إلى يوم الدين وبعد عباد الله فيقول تعالى "يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ قُوٓاْ أَنفُسَكُمۡ وَأَهۡلِيكُمۡ نَارٗا وَقُودُهَا ٱلنَّاسُ وَٱلۡحِجَارَةُ عَلَيۡهَا مَلَٰٓئِكَةٌ غِلَاظٞ شِدَادٞ لَّا يَعۡصُونَ ٱللَّهَ مَآ أَمَرَهُمۡ وَيَفۡعَلُونَ مَا يُؤۡمَرُونَ"

فاتقوا الله بوقاية أنفسكم ومن تحت أيديكم، والوقاية إنما تكون بالتربية وليس بالصدام والمنع، والتربية تبدأ من الصغر، وتستمر مع كل حدث، وتتأكد عند كل موقف مؤثر.

وإنّ مما يمرّ بنا من أحداث يجب استغلالها للتربية، هو موسم الحجّ، فإنه رسالة متجددة بأبرز القيم الإسلامية وعلى رأسها التوحيد والإخلاص لله تعالى، والالتزام بنهج النبي محمد عليه الصلاة والسلام، والاندماج مع الناس ومخالطتهم مهما كانت ثقافتهم، والاستفادة من الفضلاء وتحمّل الجهلاء. فالدين دين سماحة وتيسير وتقبل، وهذا ما علّمنا إيّاه محمد عليه الصلاة والسلام بقوله وبفعله، عَنْ جَابِرٍ قَالَ: أَفَاضَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَلَيْهِ السَّكِينَةُ، وَأَمَرَهُمْ بِالسَّكِينَةِ وَأَوْضَعَ فِي وَادِي مُحَسِّرٍ وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَرْمُوا الْجِمَارَ مِثْلَ حَصَى الْخَذْفِ وَقَالَ: "خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ لَعَلِّي لَا أَرَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا" ابن ماجة وأحمد وصححه الألباني. سكينةٌ في النفس ودعوةٌ للسكينة، بالرغم من التنقل بين المشاعر وبالرغم من الزحام وشدة الحرّ، وبالرغم من أهمية هذا التعبد وكونه مرة واحدة في العمر فإنه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يرمي بصغير الحصى ليُعلّمنا أن الحج أداء مناسك وليس تسبب في ضرر ولا أخذٍ بالعظيم من الأمور.

لقد دعا رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ للأخذ بالرخص كلما تيسر الأخذ بها ولم يكن في ذلك خلل بعبادة ولا ضرر بالغير يقول تعالى "يُرِيدُ ٱللَّهُ بِكُمُ ٱلۡيُسۡرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ ٱلۡعُسۡرَ" ويقول جلّ في علاه "يُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمۡۚ وَخُلِقَ ٱلۡإِنسَٰنُ ضَعِيفٗا" وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إنّ الله تَعَالَى يُحِبُّ أنْ تُؤْتَى رُخَصُهُ كَمَا يُحِبُّ أنْ تُؤْتَى عَزَائِمُهُ» ابن حبان وابن شيبة وصححه الألباني.

وفي الحج حين التزاحم وكثرة التنقل والإرهاق الذي لابدّ منه، فإن الرفق يكون أهمّ سمات خلق المسلم، قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ اللهَ رَفِيقٌ يُحِبُّ الرِّفْقَ، وَيُعْطِي عَلَى الرِّفْقِ مَا لَا يُعْطِي عَلَى الْعُنْفِ، وَمَا لَا يُعْطِي عَلَى مَا سِوَاهُ "مسلم. فكن رفيقا بنفسك، رفيقا بالناس، يرفقك الله بك ويعطيك أعظم مما يعطي المجتهد المتعرض للأذى، خصوصا في المنسك الأعظم، وبالأخص حين الزحام والتعرض للجهلة والسفهاء. قال تعالى "ٱلۡحَجُّ أَشۡهُرٞ مَّعۡلُومَٰتٞۚ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ ٱلۡحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي ٱلۡحَجِّۗ وَمَا تَفۡعَلُواْ مِنۡ خَيۡرٖ يَعۡلَمۡهُ ٱللَّهُۗ وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيۡرَ ٱلزَّادِ ٱلتَّقۡوَىٰۖ وَٱتَّقُونِ يَٰٓأُوْلِي ٱلۡأَلۡبَٰبِ" وإن من تقوى الله ومن الرفق بالنفس، الالتزام بالتعليمات المنظّمة للحياة سواء للحاج أو لغيره، في الموسم العظيم أو في بقية العام، وفي المشاعر يتأكد وجوب التقيد بالأنظمة المعنية بتنظيم الحجّ لما في ذلك من عون على نجاح الموسم، ولأن ذلك سبب رئيس للرفق بالنفس وبالآخرين، كما ينبغي لمن يسّر الله له الحجّ ان يعمل على وقاية نفسه من الأضرار الصحية بأخذ الاحتياطات اللازمة مثل توقي الشمس وكثرة شرب السوائل، وتجنب أمراض التنفس بتجنب الازدحام ما تيسر له الأمر.

أقول ما تسمعون واستغفر الله لي ولكم ولوالدينا ووالدينا وأحبتنا وللمسلمين

 

الحمد لله الوليّ الحميد، والصلاة والسلام على البشير النذير النبي المصطفى والحبيب المجتبى محمد بن عبد الله وعلى آله وصحبه ومن والاه وبعد عباد الله.

نحن في أيامٍ فاضلة مباركة، والمؤمن يستغلها لتربية نفسه وأسرته على ما يقيهم النار وسخط الجبار، ومن ذلك كثرة الذكر في هذه الأيام قال تعالى "وَلِكُلِّ أُمَّةٖ جَعَلۡنَا مَنسَكٗا لِّيَذۡكُرُواْ ٱسۡمَ ٱللَّهِ عَلَىٰ مَا رَزَقَهُم مِّنۢ بَهِيمَةِ ٱلۡأَنۡعَٰمِۗ فَإِلَٰهُكُمۡ إِلَٰهٞ وَٰحِدٞ فَلَهُۥٓ أَسۡلِمُواْۗ وَبَشِّرِ ٱلۡمُخۡبِتِينَ ٱلَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ ٱللَّهُ وَجِلَتۡ قُلُوبُهُمۡ وَٱلصَّٰبِرِينَ عَلَىٰ مَآ أَصَابَهُمۡ وَٱلۡمُقِيمِي ٱلصَّلَوٰةِ وَمِمَّا رَزَقۡنَٰهُمۡ يُنفِقُونَ" فأكثروا وأهليكم من ذكر الله ونوّعوا في الأذكار ما بين تلاوة للقرآن الكريم وتسبيح وتهليل وتكبير وتحميد، واعتنوا بأضحيتكم تُبشّروا من ربكم بما يسّركم.

في هذا الوقت الطويل الذي يُقطّعه الكثير بعبث متنوع، نوّع في استثمار وقتك فاجلس لدقائق، أكثر فيها من الاستغفار، فقلد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يستغفر في المجلس الواحد أكثر من مائة مرة، سبّح مائة تسبيحة تغفر بها ذنوبك، كرر الشهادة مائة مرة تنل أجر عتق رقاب شريفة عزيزة.

 أتدري كم أقصى مدة لهذا الذكر؟ لن يتجاوز ثلاث دقائق أبدا، إن كان النطق كالمعتاد.

وسيحل قريبا اليوم العظيم يوم عرفة، ومن التربية الواقية للنفس وللأهل صيام هذا اليوم والحثّ على صيامه، فإن صيامه يكفّر السنة التي قبله والسنة التي بعده، وما أسعد من عاش كبشر كثير الخطأ ولكنه سليم من الذنب كمَلَك لم يذنب، فتجنب الشرك والموبقات وأكثر من الطاعات ولا تفوّت الفرص المكفّرة للذنب بلا تعب ولا مرض كهذه العشر وصالح العمل فيها، وعوّد صغارك على استغلال الفرص ما دامت لا تضرهم، فهم اليوم ساهرون بالليل نائمون عامة النهار ولا يخرجون إلا قليلا منه، حدّثهم عن صيام يوم عرفة ورغّبهم في استغلال فرصة الإجازة وعدم التعب، وعِدهم ما يشجعهم على صيامه ويحببهم فيه، فلك أجرهم، وتلك وقاية لك ولهم من النار.

وأقترحُ مجلسا كمجلس أُبي بن كعب رضي الله عنه فقد كان يحدد له في اليوم وقتا يناسبه، يدعو الله فيه بما شاء ويكثر فيه من الصلاة والسلام على رسول الله، عَنِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي أُكْثِرُ الصَّلَاةَ عَلَيْكَ فَكَمْ أَجْعَلُ لَكَ مِنْ صَلَاتِي؟ - من دعائي- فَقَالَ: «مَا شِئْتَ». قَالَ: قُلْتُ: الرُّبُعَ، قَالَ: «مَا شِئْتَ فَإِنْ زِدْتَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ»، قُلْتُ: النِّصْفَ، قَالَ: «مَا شِئْتَ، فَإِنْ زِدْتَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ»، قَالَ: قُلْتُ: فَالثُّلُثَيْنِ، قَالَ: «مَا شِئْتَ، فَإِنْ زِدْتَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ»، قَالَ: قُلْتُ: أَجْعَلُ لَكَ صَلَاتِي كُلَّهَا أي دعائي كله في ذلك المجلس قَالَ: «إِذًا تُكْفَى هَمَّكَ، وَيُغْفَرُ لَكَ ذَنْبُكَ» الحاكم والترمذي وصححه الألباني. دقائق معدودة في هذا الزمن المهدر عبثا اجعلها لذكر الله تعالى وللصلاة على رسول الله فلعلك أن تحيا مُبشّراً وأن تغنم كثيرا وأن تسعد كثيرا.

ثم صلوا وسلموا على من أمرتم بالصلاة عليه بقول ربكم "إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلَٰٓئِكَتَهُۥ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِيِّۚ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ صَلُّواْ عَلَيۡهِ وَسَلِّمُواْ تَسۡلِيمًا"


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

التقوى والتوبة سببان لأداء أمانة الوصول إلى الجنّة

المسلم وشدّ البنيان الإيماني أو هدمه

يوم عاشوراء يوم التوحيد، يوم العلم والعمل، يوم الصبر والتفاؤل