انتهى أول أشهر الحج شهر شوال لعام 1446
ها قد انتهى شهر شوال، شهرٌ أعقب خير الشهور ووصى رسول الله صلى الله عليه وسلم بصيام أيام منه تخصيصا له كما خصّ بذلك شهر الله المحرم، كما أنه هو أول أشهر الحج التي قال عنها جلّ وعلا "ٱلۡحَجُّ أَشۡهُرٞ مَّعۡلُومَٰتٞۚ " مما يدلُ على مكانة هذا الشهر وخصوصية زمانه، وإن لم تفرض فيه عبادات معيّنة.
مضى شهر شوال بعد أن استبطئ كثيرٌ مدة
ترحله، بالرغم من كون ساعاته ودقائقه لا تختلف عن بقية الأيام، ولا إثم ولا حرج في
وصف زمان بما فيه على وجه الإخبار، وقد قال لوط عليه السلام "هَٰذَا يَوۡمٌ
عَصِيبٞ" فهذا الوصف بحال الزمن إخبارٌ وليس سبّا للدهر.
والمراد التنبيه على أن من استبطئ الشهر
فكأنه استثقل عمره الذي بقي له، أو كأنه في عراك مع الحياة طوال الشهر، أو نسي
وتجاهل أن كل يوم يمرّ إنما يقربه إلى أجله، والموجع في الأمر أنه إنما استبطئ
مرور الأيام بسبب انتظاره للمرتب الشهري بعد أن بدده خلال فترة العيد، مما يدل على
عدم حسن التصرف فهو إما مسكين يعيش حياة مترفة ليست له، وإما مترف مفسد يحتاج
لمراجعة أحواله، وفي كلا الحالين لابد له من وقفة محاسبة في كيفية العيش وفق ظروفه
التي يعيش لا وفق ما يتمنى أو يعيش غيره، وقد قال تعالى "وَلَا تَجۡعَلۡ
يَدَكَ مَغۡلُولَةً إِلَىٰ عُنُقِكَ وَلَا تَبۡسُطۡهَا كُلَّ ٱلۡبَسۡطِ فَتَقۡعُدَ
مَلُومٗا مَّحۡسُورًا" وهذا التذمر من شهر شوال هو من
الحسرة التي نبّه جلّ وعلا عليها.
مشى المعافى بن سليمان أحد علماء السلف
مع صاحب له، فالتفت إليه صاحبه عابسا متذمرا وقال ما أشد برد هذا اليوم! فقال له
المعافى وهل استدفأت الآن؟ قال: لا، قال فماذا استفدت من الذم؟ لو ذكرت الله لكان
خيرا لك.
من تحدث عن طول شهر شوال ساخرا متذمرا، ومن
صمم رسائل مرئية أو مقروءة فنشر التذمر والسخرية والتسخط هلّا سأل نفسه مالذي حققه
بعمله هذا؟ وما الذي تغير جراء هذه السخرية وهذا التذمر؟ وبماذا استغل هذا الزمن
الطويل في نظره؟ أو ليس خير له أن يذكر الله ويُذكّر بالله؟
فأظهِر رعاك الله التفاؤل والإيجابية واستغل
كل ما أتاح الله لك من فرص زمانية أو مكانية وغيرها مما يمكن توظيفه لرقي في
الدنيا وفي الآخرة.
وبرحيل أول أشهر الحج شهر شوال فقد حلّت
أشهر عِظامٌ هي الأشهر الحُرم ذي القعدة وذي الحجة ومحرم، والأشهر الحرم فيها يحرم
ظلم النفس بالاعتداء وبالإساءة للآخرين مهما كان السبب.
حرّم الله تعالى زمانا معينا فقال
سبحانه "إِنَّ عِدَّةَ ٱلشُّهُورِ عِندَ ٱللَّهِ ٱثۡنَا
عَشَرَ شَهۡرٗا فِي كِتَٰبِ ٱللَّهِ يَوۡمَ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ
مِنۡهَآ أَرۡبَعَةٌ حُرُمٞۚ ذَٰلِكَ ٱلدِّينُ ٱلۡقَيِّمُۚ فَلَا تَظۡلِمُواْ
فِيهِنَّ أَنفُسَكُمۡۚ وَقَٰتِلُواْ ٱلۡمُشۡرِكِينَ كَآفَّةٗ كَمَا
يُقَٰتِلُونَكُمۡ كَآفَّةٗۚ وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلۡمُتَّقِينَ" ففي كل الزمان احذر أن تظلم نفسك بالجناية على أحد
أيا كان وبالأخص في هذه الأشهر الحرم، ولا يُقاتل فيها إلا من اعتدى على الوطن أو
على آمن فيه.
قَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إِنَّ الزَّمَانَ قَدِ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللهُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ، السَّنَةُ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا، مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ، ثَلَاثَةٌ مُتَوَالِيَاتٌ: ذُو الْقَعْدَةِ، وَذُو الْحِجَّةِ، وَالْمُحَرَّمُ، وَرَجَبٌ شَهْرُ مُضَرَ الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ " متفق عليه. قال قَتَادَةَ: فَإِنَّ الظُّلْمَ فِي الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ أَعْظَمُ خَطِيئَةً وَوِزْرًا مِنَ الظُّلْمِ فِيمَا سِوَاهَا، وَإِنْ كَانَ الظُّلْمُ عَلَى كُلِّ حَالٍ عَظِيمًا، وَلَكِنَّ اللَّهَ يُعَظِّمُ مِنْ أَمَرِهِ مَا شَاءَ " ا. هـ
وإنّ مما حذرنا منه رسول الله صَلَّى
اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بعد تبيانه للأشهر الحرم أن قَالَ: فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ
وَأَعْرَاضَكُمْ حَرَامٌ عَلَيْكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ
هَذَا، فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، وَسَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ
أَعْمَالِكُمْ»
فواجب على المسلم وهو يعيش في أمن وأمان
ورغد عيش أن يمنع نفسه عن الظلم بالسخرية أو التنابز بالألقاب أو الحكم على
الآخرين بسبب الظن أو الإساءة بالتجسس أو الغيبة أو النميمة أو الغش ورفع الأسعار
واستغلال حاجات وجهل الناس، وأن يحذر من استغلال ثقة الناس فيُسوق عليهم ما لا يعلم
صحته وسلامته عبر إعلانات مدفوعة. كما يجب علينا تجنب التسخط والتذمر والسخرية من
الزمان أو المكان أو الطقس إذ التذمر لن غيّر شيئا ولن يجلب سوى همّ النفس وضيقها،
والسخرية قد تجلب سخطا من الله ومقتا.
حفظنا الله مِن أن نظلم أنفسنا أو نظلم
غيرنا ومِن أن نُظلم في خاص أمرنا أو عامّه وجعلنا هداة مهتدين وصالحين مُخلَصين.
وصلى الله وسلم على سيدنا وحبيبنا وإمامنا محمد بن عبد الله وعلى آله وصحبه ومن والاه
تعليقات
إرسال تعليق