الكون والجسد وسائل لحياة القلوب الجمعة 11 / 11/ 1446
يجب على المسلم أن يكون مع حسن ظنه بربه وجِلاً منه سبحانه، يطمع ويثق في رحمته وهو على خوف من غضبه وسخطه، وإنما يحصّل المسلم هذا الشعور الإيماني الصادق من خلال تحسين صلة القلب بالله تعالى مع كل ظرفٍ يمر به، ومع كل حالٍ تنزل به، ومع كل عَرَضٍ يتعرض له، إن خيرا وإن شرا، فالقلب لا يسلم من خمول وفتور ويحتاج لنفض غبار الغفلة عنه ما بين فترة وأخرى، والأعراض التي تمر بالمسلم داعية لتنظيف القلب وإحيائه وربطه بالله تعالى. يقول تعالى "وَفِي ٱلۡأَرۡضِ ءَايَٰتٞ لِّلۡمُوقِنِينَ وَفِيٓ أَنفُسِكُمۡۚ أَفَلَا تُبۡصِرُونَ" نقف مع ما ينزل بنا وكل ما يحدث من حولنا وكل أمنية لم تتحقق لنا لنتفكر ونستكشف رسالة الله فيها لنا.
ولقد عاب الله
تعالى على طائفة من خلقه جَهِلوا ربهم وتجاهلوا عظمته وتناسوا علمه واحاطته فاحذر
ان تشابههم يقول سبحانه "مَا قَدَرُواْ ٱللَّهَ حَقَّ
قَدۡرِهِۦٓۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ"
وإن لنا في هذه
الحياة لعبرة، وفي كل حدث يمرّ بنا آية، وفي هذه الأجواء العامة المتقلبة رسائل
ربانية للتأمل والتدبر والتفكر، يقول ربنا تبارك وتعالى "إِنَّ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ
وَٱلۡأَرۡضِ لَأٓيَٰتٖ لِّلۡمُؤۡمِنِينَ وَفِي خَلۡقِكُمۡ وَمَا يَبُثُّ مِن
دَآبَّةٍ ءَايَٰتٞ لِّقَوۡمٖ يُوقِنُونَ وَٱخۡتِلَٰفِ ٱلَّيۡلِ وَٱلنَّهَارِ
وَمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مِن رِّزۡقٖ فَأَحۡيَا بِهِ ٱلۡأَرۡضَ
بَعۡدَ مَوۡتِهَا وَتَصۡرِيفِ ٱلرِّيَٰحِ ءَايَٰتٞ لِّقَوۡمٖ يَعۡقِلُونَ" "أَوَ لَمۡ
يَتَفَكَّرُواْ فِيٓ أَنفُسِهِمۗ مَّا خَلَقَ ٱللَّهُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ
وَمَا بَيۡنَهُمَآ إِلَّا بِٱلۡحَقِّ وَأَجَلٖ مُّسَمّٗىۗ وَإِنَّ كَثِيرٗا مِّنَ
ٱلنَّاسِ بِلِقَآيِٕ رَبِّهِمۡ لَكَٰفِرُونَ"
تقلبات في الحياة في
مختلف المجالات وفي كل الأحوال، في الأحوال الخاصة وفي العامة من حولنا، في
أبداننا وفي معيشتنا ورفقتنا، حياة غير مستقرة مهما توفرت الأسباب للاستقرار، تهب رياح
مبشرة بالرحمات وتأتي رياح عاصفات، تمرّ أجواء باردة قارسة وتعقبها أجواء صيفية
خانقة، ويتخلل العام أجواء لطيفة محببة سرعان ما تتغير، صحة وهناءة عيش ما يلبث
المرء حتى يتعرض لما يُكدره ويؤلمه، اجتماع شمل سارّ يفاجئ أهل الجمع بفراق أحدهم،
كل ذلك رسائل من الله تعالى داعية العباد للتفكر وللتدبر كي يعيدوا قلوبهم لفطرتها
الأساسية، حيث صفاء العقيدة من الشرك وحيث التعلق بالله تعالى رغبا ورهبا، طمعا
وأملا وخوفا وفزعا.
في الحديث الصحيح
يقول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: كُلُّ النَّاسِ يَغْدُو، فَبَائِعٌ
نَفْسَهُ فَمُعْتِقُهَا، أَوْ مُوبِقُهَا» فخذ رعاك الله من الكون وما فيه، خذ من جسدك
وروحك، من حالتك الصحية والمادية، خذ من الأحوال التي تنزل بك درسا وعبرة، فتكتشف
ضعفك في كثير من الأمر وعجزك عن كثير من الأمر واحتياجك لمعين في سائر الأمر، وما
من معين كربك جلّ وعلا، اجعل مما يمر بك سببا لإحياء قلبك وللقرب من ربك، فربك
أقرب إليك مما تتصور إن عرفت كيف تصل إليه، وإنما تصل إليه بقلبك تُخْلِصُ به عملك
وتقدم الحب والخير لغيرك.
هذه الرياح المغبرة
التي غابت عنا لسنوات ظننا أننا تمكنا من السيطرة عليها أو أنها انتهت لعدم وجود
أسبابها، فعادت ثائرة كأن السماء لم تمطر وكأن الأرض لم تنبت "أَمۡ أَمِنتُم
مَّن فِي ٱلسَّمَآءِ أَن يُرۡسِلَ عَلَيۡكُمۡ حَاصِبٗاۖ فَسَتَعۡلَمُونَ كَيۡفَ
نَذِيرِ"
تشاهد من هو صحيحا
معافى ثم تراه مريضا متعبا منهكا، ترى مسرورا فرحا ثم تجده عابسا متكدر، ترى غنيا
مقتدرا ثم تجده فاقدا متحسرا، كل ذلك قد يمر بك من حيث لم تحتسب إن لم تعتبر وتقف
حيث حدّ الله لك وحيث أمرك، فلله في كل شيء آية يُذّكر بها عباده ليزدادوا إيمانا
مع إيمانهم وليلجئوا إليه رغبا ورهبا، وليزداد طمعهم في رحمته وفضله ويزداد خوفهم
منه ومن سخطه، فإذا فعلوا ذلك أمّنهم ووقاهم وعوّضهم عما فقدوا وأعطاهم وأسعدهم.
"أَلَمۡ يَأۡنِ لِلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَن تَخۡشَعَ قُلُوبُهُمۡ لِذِكۡرِ ٱللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ ٱلۡحَقِّ وَلَا يَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ مِن قَبۡلُ فَطَالَ عَلَيۡهِمُ ٱلۡأَمَدُ فَقَسَتۡ قُلُوبُهُمۡۖ وَكَثِيرٞ مِّنۡهُمۡ فَٰسِقُونَ".
وإنّ من أعظم
الرسائل الربانية المحذّرة والتي يجب إدراكها والانتباه لها هي الغفلة عن ذكر الله
تعالى، الغفلة عن صلاة الجماعة، الغفلة عن النوافل المتممة للفرائض، الغفلة عن
تلاوة وردٍ يومي من القرآن الكريم، الغفلة عن صلة من تجب صلته، الغفلة عن طاعة
متيسرة، فما تلك الغفلة إلا حرمان من حظ النفس في متعة التعبد لله ومناجاته كما
ينبغي، وإن رأى العبد أن تلك الغفلة هي متعة لروحه وحقا لنفسه وأن لا إثم ولا حرج فهي
العقوبة المعجلة أعاذنا الله منها.
عباد الله يجب أن
تحيا القلوب مع كل تقلب في الأحوال الجوية، ومع كل تغير صحي ومادي، ومع كل مشهد
لحرمان من خير متيسر، يجب إحياء القلب بربط التوفيق أو الفشل بالخير تفعله أو
بالذنب تنزله بنفسك. "بَلِ ٱلۡإِنسَٰنُ عَلَىٰ
نَفۡسِهِۦ بَصِيرَةٞ وَلَوۡ أَلۡقَىٰ مَعَاذِيرَهُۥ" "مَّآ أَصَابَكَ
مِنۡ حَسَنَةٖ فَمِنَ ٱللَّهِۖ وَمَآ أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٖ فَمِن نَّفۡسِكَ" ما أصابك من حسنة فهو توفيق من الله وما
أصابك من سيئة فهو بتقصيرك وإهمالك وبعدك عن الله. والفرق بين المبتلى والمعاقب أن
المبتلى يؤوب سريعا ويحمد كثيرا ويعالج الخطأ ويكثر الاستغفار والتوبة.
تعليقات
إرسال تعليق