لنتدارك العمر باستغلال هذه العشر الأخيرة من رمضان
الحمد لله المبدئ المعيد، جاعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذّكر أو أراد شكورا، أشهد أن لا إله إلا هو الرحمن الرحيم، وأشهد أن محمد بن عبد الله عبده ورسوله نبي الرحمة وإمام الهدى وسيد الورى صلى الله عليه وعلى آله وصحبه والتابعين إلى يوم الدين وسلم تسليما كثيرا وبعد عباد الله فاتقوا الله، واغتنموا نعم الله للفوز برضاه ،وأجلّ النعم نعمة التمكن من العمل في الزمن الأفضل فإن عاقبتها مستقبل أجمل في الدنيا وفي الآخرة. يقول تعالى "وَٱتَّقُواْ يَوۡمٗا تُرۡجَعُونَ فِيهِ إِلَى ٱللَّهِۖ ثُمَّ تُوَفَّىٰ كُلُّ نَفۡسٖ مَّا كَسَبَتۡ وَهُمۡ لَا يُظۡلَمُونَ"
عباد
الله يوما ما سنرجع إلى الله، ولكن نرجع وقد بُدّلت الأرض غير الأرض والسماوات،
فكل شيء في صورة جديدة مغايرة لما نعرفه اليوم. وحينها لا تسل عن الخوف والفزع الذي
حلّ بالناس حتى تهرّب الرجل من أمه وأبيه ومن صاحبته وبنيه فضلا عن إخوته وبقية
أحبته.
في ذلك الموقف هناك أقوام قد أَمِنوا
واطمأنوا، وجوهُهم مسفرة ضاحكة مستبشرة فالله جلّ في علاه قد خصّهم بمكانة خاصة
تجعلهم في منأى عن كل ما يعانيه الآخرون، يقول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
"سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللهُ فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ: الحديث،
" متفق
عليه.
والظلّ هنا تعبير مجازي يراد به ظل المُلك
وما يمنحه من أمن وسكينة وطمأنينة وراحة، وليس ظل الشمس إذ العرش فوق كل شيء والله
جلّ جلاله مستو على عرشه والشمس وإن كانت شمسا مختلفة إلا أنها تحت العرش كبقية
الخلق، فليس الظل هنا ظلٌ عن الشمس وإنما ظِل المُلك المؤمن المبشّر للمستظلين،
ويقال أنا في ظل فلان أي في حمايته وضيافته، "رَفِيعُ ٱلدَّرَجَٰتِ
ذُو ٱلۡعَرۡشِ يُلۡقِي ٱلرُّوحَ مِنۡ أَمۡرِهِۦ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ مِنۡ
عِبَادِهِۦ لِيُنذِرَ يَوۡمَ ٱلتَّلَاقِ يَوۡمَ هُم بَٰرِزُونَۖ لَا يَخۡفَىٰ
عَلَى ٱللَّهِ مِنۡهُمۡ شَيۡءٞۚ لِّمَنِ ٱلۡمُلۡكُ ٱلۡيَوۡمَۖ لِلَّهِ ٱلۡوَٰحِدِ ٱلۡقَهَّارِ" فهو الملك وبسبب
أعمالهم في الدنيا التي تميزوا بها عن غيرهم فلم يذوبوا في سلوكيات المجتمع
الخاطئة ولم ينساقوا خلف أهوائهم وأهواء الآخرين حتى فيما عذرهم الله فيه، أدخلهم
تعالى في ظلّ عرشه فأمنوا واطمأنوا واستبشروا وسرّوا. "ٱلَّذِينَ
ءَامَنُواْ وَلَمۡ يَلۡبِسُوٓاْ إِيمَٰنَهُم بِظُلۡمٍ أُوْلَٰٓئِكَ لَهُمُ ٱلۡأَمۡنُ
وَهُم مُّهۡتَدُونَ" والظلم هو الإساءة في حق الله تعالى بالشرك، ومن الظلم للنفس
المؤثر في الإيمان تناسي علمه واطلاعه جلّ جلاله، ومن الظلم عدم تعظيم مواسم الله
وشعائره التي عظّم وخصّها بمزيد فضل ورغّب باغتنامها، ومن الظلم أن يضيع العمر ولم
نؤمّن لأنفسنا إجابة حين نسأل عن أعمارنا وعن فرصنا التي وهبت لنا.
فمن عظّمَ ما عظّم الله، عظّمه الله وأعظم
منزلته وأكرمه بعلو الدرجة ونعيم المنقلب.
سيدخل الجنّةَ أممٌ، وسيبقى كثير في افنائها،
وكثير منهم سيسابقون نحو المنازل العالية الرفيعة بسبب قلوبهم التي عظّمت وقدّمت
ما يحبه الله وأمر به ورغّب فيه من قول وعمل.
عباد الله في مثل هذه الفترة من كل عام كان
للنبي عليه الصلاة والسلام حالا مختلفة عما سبقها، حالا تنبئ عن عظيم التعظيم لله
ولما عظّم الله ولمواسم الله العظام، وتنبئ عن رغبة عظيمة في استغلال الوقت المُعَظّم
بعيدا عن كل المشتتات والملهيات، بالرغم من أنه عليه الصلاة والسلام قد غفر له ما
تقدم من ذنبه وما تأخر، بل وبالرغم من أنه رأى مقعده في الوسيلة في أعلى الفردوس
من الجنّة، فَكَانَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا دَخَلَ الْعَشْرُ
شَدَّ مِئْزَرَهُ وَأَحْيَا لَيْلَهُ وَأَيْقَظَ أَهْلَهُ. البخاري. وحباً منه عليه
الصلاة والسلام لأمته علّهم يدركون ما به يصنعون مستقبلهم الجميل في الدنيا وفي
الآخرة أوصاهم بالعناية بهذه العشر، فقَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
«الْتَمِسُوهَا فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ - يَعْنِي لَيْلَةَ الْقَدْرِ - فَإِنْ
ضَعُفَ أَحَدُكُمْ أَوْ عَجَزَ، فَلَا يُغْلَبَنَّ عَلَى السَّبْعِ الْبَوَاقِي» مسلم. ورَأَى رَجُلٌ
أَنَّ لَيْلَةَ الْقَدْرِ لَيْلَةُ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى
اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَرَى رُؤْيَاكُمْ فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ،
فَاطْلُبُوهَا فِي الْوِتْرِ مِنْهَا» مسلم.
أتعلم رعاك الله ما تعنيه ليلة القدر؟ إنها
تعني ألف شهر، إنها تعني عملا أفضل مما تعمله في ثلاث وثمانين سنة وزيادة، إنها
تعني دعاء أجدر بالإجابة من دعائك في ثلاث وثمانين سنة، إنها تعني ذكرا من الله
تعالى لك ودعاء من الملائكة لك بقدر ثلاث وثمانين سنة وأكثر، إنها تعني فرصة الفوز
بقضاء أمر حكيم لك في قادم حياتك "إِنَّآ
أَنزَلۡنَٰهُ فِي لَيۡلَةٖ مُّبَٰرَكَةٍۚ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ فِيهَا
يُفۡرَقُ كُلُّ أَمۡرٍ حَكِيمٍ أَمۡرٗا مِّنۡ عِندِنَآۚ إِنَّا كُنَّا
مُرۡسِلِينَ رَحۡمَةٗ مِّن رَّبِّكَۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡعَلِيمُ"
فاصنع لنفسك بهجة وسرورا وضحكة وأمنا وأمانا،
يوم يفزع الناس ويخافون، يوم يُلجم العرقُ كثيراً منهم، يوم تتغيظ جهنم ويُسمع
زفيرها، يوم تسوق وتختطف الملائكةُ العصاةَ غضبا لغضب الله وأنت في مقام أمين.
فتميز اليوم لتتميز غدا، غفر الله لي ولكم وجعلنا من المصطفين الأخيار ووالدينا وذرياتهم
وأزواجنا وأحبتنا والمسلمين والمسلمات الأحياء منهم والأموات.
الحمد لله العلّي العظيم، غافر الذنب وقابل
التوب اللطيف الخبير، والصلاة والسلام على البشير النذير والسراج المنير سيدنا
وسيد ولد آدم أجمعين محمد بن عبد الله وعلى آله وصحبه ومن والاه وبعد عباد الله.
حُرِم صيد السمك على بني إسرائيل يوم السبت،
فكان ظهور الأسماك في شاطئهم يوم السبت أكثر.
يُحرِمُ الحجاج من المدينة قبل مكة بأكثر من
أربعمائة وخمسين كم بمعنى مسيرة أيام والصيد مُحرّم عليهم، فيبتليهم الله وهم جياع
بالصيد يمرّ قريبا منهم، "يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ
ءَامَنُواْ لَيَبۡلُوَنَّكُمُ ٱللَّهُ بِشَيۡءٖ مِّنَ ٱلصَّيۡدِ تَنَالُهُۥٓ
أَيۡدِيكُمۡ وَرِمَاحُكُمۡ لِيَعۡلَمَ ٱللَّهُ مَن يَخَافُهُۥ بِٱلۡغَيۡبِۚ " وكل قومٍ
صالحين لابد ان يُبتلوا بما يَكشف لهم حقيقة إيمانهم وصدق مشاعرهم المُعظَمةِ لله
تعالى، وبما يميّزهم عن بقية مجتمعهم.
وهكذا اليوم وفي هذه العشر المباركة نعلم
عظمتها وندرك سرعة ترحلها، ونبتلى بهذه الأجواء الجميلة والأرض المخضّرة التي قد
لا تتوفر بعد رمضان، نحن مبتلون بهذا النعيم ليكشف كلٌ منّا لنفسه صدق رغبته فيما
عند الله، وصدق رغبته في صناعة جمال مستقبله، "بَلِ ٱلۡإِنسَٰنُ
عَلَىٰ نَفۡسِهِۦ بَصِيرَةٞ وَلَوۡ أَلۡقَىٰ مَعَاذِيرَهُ"
يقول تعالى "قُلۡ إِن كُنتُمۡ
تُحِبُّونَ ٱللَّهَ فَٱتَّبِعُونِي يُحۡبِبۡكُمُ ٱللَّهُ وَيَغۡفِرۡ لَكُمۡ
ذُنُوبَكُمۡۚ وَٱللَّهُ غَفُورٞ رَّحِيمٞ" في هذه العشر وقد علمت بما أعدّ الله
لك، وبما وعدك الله به، وبما سيقابلك به الله إن أقبلت، فهل ستغير نمط معيشتك كما
فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم فتتبعه وتفوز بصحبته؟ وأما إن قلت كما قلت مرار
وتكرارا وش أسوي؟ ما أقدر أترك البرّ ومتعته والرفقة وعبثهم؟ فكانت العشر كغيرها
فاسمح لي بتقديم العزاء لك في إرادتك وفي مداركك التي تاهت في مُتعٍ لا يخفى عليك
كيف أضاعت عليك كثيرا من الفرص التي كان من الممكن أن تجعلك شخصا مختلفا، أن تضعف
عن العمل بسبب عملك وتحصيل رزقك أو بسبب دراستك فأنت معذور مأجور، لكن أن تضعف
بسبب ملاحقة مطر نازل أو اخضرار بقعة من الأرض أو لعب ككل ليلة فأسال الله ألا يجعلنا
وإيّاك من الخاسرين، اعلم أن الإجازة حُجة عليك اكثر مما هي متعة لك، فتدارك رعاك
الله هذه العشر فما هي إلا أيام قلائل وترحل، وقد ترحل أنت قبل عودتها، استعن
بالله ولا تعجز، تذكر خطأك وبادر فاستغفر، استحضر طموحاتك وآمالك فاطرحها بين يدي مولاك
وخالقك هذه الليالي فلعل تحققها أقرب مما تتصور، تذكر ما مضى كيف مضى فعالج الحاضر
فإنه غدا سيكون مما مضى. حفظنا الله جميعا وأحبتنا وأعاننا على ذكره وشكره وحسن
عبادته ووهبنا حُبّه وحب ما يحبه وحب من يحبه وحب عمل يقربنا إلى حبه.
تعليقات
إرسال تعليق