الارتباط بين رمضان والقرآن والصدقة
شهر رمضان منحة ربانية خاصة تجعل الحياة أجمل وأفضل، حياة تجعل المسلم قريب الصِلة من ربه، قريب الوصول لأهدافه، حياة ينمي فيها المؤمن قيمه ويزكّي روحه ويرتقي بذاته في سلم المتقين.
شهر
رمضان حياة مرتبطة بالقرآن يقول جلّ شأنه "شَهۡرُ رَمَضَانَ ٱلَّذِيٓ أُنزِلَ فِيهِ ٱلۡقُرۡءَانُ
هُدٗى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَٰتٖ مِّنَ ٱلۡهُدَىٰ وَٱلۡفُرۡقَانِۚ "
تعظيما لرمضان وللقرآن فقد كان جلّ جلاله
يرسل سيد الملائكة عليه السلام ليدارس سيد بني آدم عليه الصلاة والسلام القرآن كل
ليلة من رمضان، من هنا أدرك المؤمنون هذا الارتباط فكان لهم في رمضان شأنا خاصا مع
القرآن، شأنا تتغير فيه العادات تبعا للأهداف، وتتحول السلوكيات إلى منافسة على
الجنّة.
إذا حلّ رمضان فإن المؤمن يصنع لنفسه الظرف
المناسب ليكون مصاحبا للقرآن ومنافسا على الفردوس من الجنّة، وحينها تكن السعادة
ويكن الرقي، يقول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ قَرَأَ حَرْفًا مِنْ
كِتَابِ اللَّهِ فَلَهُ بِهِ حَسَنَةٌ، وَالحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا، لَا
أَقُولُ الم حَرْفٌ، وَلَكِنْ أَلِفٌ حَرْفٌ وَلَامٌ حَرْفٌ وَمِيمٌ حَرْفٌ» الترمذي وصححه الألباني. ويقول عليه الصلاة والسلام:
إِنَّ اللهَ يَرْفَعُ بِهَذَا الْكِتَابِ أَقْوَامًا، وَيَضَعُ بِهِ آخَرِينَ» مسلم.
يرفعهم في الدنيا خُلقا وعلما ومكانة ووجاهة، وتأمل قال عليه الصلاة والسلام
أقواما فهم كثر، ولكنهم أقوام أخذوا القرآن أخذ صاحب وليس فقط قراء أحرف.
وما أجمله من شعور وسرور حينما نجد في
كتابنا ونحن بين يدي ربنا تلك الأحرف وقد عمرت الخزائن بالحسنات فوق ما نحسب، وحينما
نسمع القول لنا ارتقوا في منازل الفردوس بحسب تلاوتكم العامرة لقلوبكم بآثار
القرآن. إن من قرأ القرآن بعينه وبقلبه وبلسانه وتأمل تلك البشارات وتلك الوعود بالنصرة
والدفاع والخيرات، سيكتشف قوة حب الله له، وستتضح له بالغ عناية ربه جلّ وعلا به، وسيدرك
كيف ستكون حاله يوم لقاء ربه، فما تلك التوجيهات وتلك الوعود الربانية والقصص عن
الأنبياء والصالحين والأمم السابقة، إلا وعداً وتنبيها فما حدث لهم من عقاب أو
نعيم، وما وُعِدوا به أو تُوعدوا به، سيتحقق لغيرهم متى ما حققوا لأنفسهم أسباب
ذلك الوعد أو الوعيد، فهو الحب لمن قرأ ففهم فأحسن الظنّ فعمل، وهو الوبال لمن قرأ
وأعرض.
ومن صحب الفرآن ظهر منه اليقين بتلك الوعود
الربانية في خُلقه وفي مظهره وفي تعامله ومن ذلك البذل مما تفضل به الله عليه، فهو
من أصدق علامات اليقين بوعد الله، وهذا ما عُرِف من خُلقه عليه الصلاة والسلام عَنِ
ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
أَجْوَدَ النَّاسِ بِالْخَيْرِ، وَكَانَ أَجْوَدَ مَا يَكُونُ فِي شَهْرِ
رَمَضَانَ حَتَّى يَنْسَلِخَ، يَأْتِيهِ جِبْرِيلُ فَيَعْرِضُ عَلَيْهِ
الْقُرْآنَ، فَإِذَا لَقِيَهُ جِبْرِيلُ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَجْوَدَ بِالْخَيْرِ مِنَ الرِّيحِ الْمُرْسَلَةِ» متفق عليه. فيجود بماله ويجود بعلمه ويجود بخلقه.
النفقة مصداق لتأثر القلب بالقرآن، ولئن كانت
أجور تلاوة القرآن تُضاعف بحسب تلاوته فإن الصدقة تضاعف بغير حدّ قال تعالى "مَّثَلُ ٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمۡوَٰلَهُمۡ
فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنۢبَتَتۡ سَبۡعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ
سُنۢبُلَةٖ مِّاْئَةُ حَبَّةٖۗ وَٱللَّهُ يُضَٰعِفُ لِمَن يَشَآءُۚ وَٱللَّهُ
وَٰسِعٌ عَلِيمٌ" ويقول رَسُولُ
اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَا تَصَدَّقَ أَحَدٌ بِصَدَقَةٍ مِنْ
طَيِّبٍ، وَلَا يَقْبَلُ اللهُ إِلَّا الطَّيِّبَ، إِلَّا أَخَذَهَا الرَّحْمَنُ
بِيَمِينِهِ، وَإِنْ كَانَتْ تَمْرَةً، فَتَرْبُو فِي كَفِّ الرَّحْمَنِ حَتَّى
تَكُونَ أَعْظَمَ مِنَ الْجَبَلِ، كَمَا يُرَبِّي أَحَدُكُمْ فَلُوَّهُ أَوْ
فَصِيلَهُ» متفق عليه.
وفي رمضان ومع القرآن يتفقد المسلم مجالات الإنفاق الأكثر احتياجا في مجتمعه، ويتفقد المحتاجين من حوله، فإن تعذر عليه معرفة المستحقين ففي الحملة الوطنية للعمل الخيري عبر جمعية ومنصة إحسان القائمة الآن سعة ويسرا وتحقيقا للغاية. وكذلك من المجالات الخيّرة المشاركة بما تيسر في تفطير الصائمين قال عليه الصلاة والسلام: مَنْ فَطَّرَ صَائِماً كانَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِهِ غَيْرَ أَنَّهُ لاَ يَنْقُصُ مِنْ أَجْرِ الصَّائِمِ شيئا. أحمد والترمذي وصححه الألباني. وبعد الزكاة فإن من أهمّ وأوجب مجالات النفقة وأعظمها أجرا النفقة على الأسرة، فهي صدقة حتى وإن كان رب الأسرة مُلزما بها يقول عليه الصلاة والسلام: إِنَّ صَدَقَتَكَ مِنْ مَالِكَ صَدَقَةٌ، وَإِنَّ نَفَقَتَكَ عَلَى عِيَالِكَ صَدَقَةٌ، وَإِنَّ مَا تَأْكُلُ امْرَأَتُكَ مِنْ مَالِكَ صَدَقَةٌ، وَإِنَّكَ أَنْ تَدَعَ أَهْلَكَ بِخَيْرٍ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَدَعَهُمْ يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ" متفق عليه. وهذا من عظيم فضل الله ومنّه وكرمه يثيبك على ما هو حق عليك.
تعليقات
إرسال تعليق