خطبة عيد الفطر المبارك لعام 1446

 عباد الله اتقوا الله وكونوا مع الصادقين قولا وعملا ومشاعر، تسعدوا وتفوزوا في الدنيا وفي الآخرة.

عباد الله نعيش اليوم إحدى فرحتي الصائم التي أخبر عنها الحبيب عليه الصلاة والسلام بقوله: للصَّائِمِ فَرْحَتانِ يَفْرَحُهُما، إذا أَفْطَرَ فَرِحَ، وإذا لَقِيَ رَبَّهُ فَرِح بِصَومِهِ"

فنسأل الله تمام الفرح والسرور سائر يومنا هذا، وكل لحظاتنا التي بقيت لنا، ويوم نلقى ربنا.

أيها الكرام إنّ مما تدعو به الملائكة الكرام للمؤمنين "رَبَّنَا وَأَدۡخِلۡهُمۡ جَنَّٰتِ عَدۡنٍ ٱلَّتِي وَعَدتَّهُمۡ وَمَن صَلَحَ مِنۡ ءَابَآئِهِمۡ وَأَزۡوَٰجِهِمۡ وَذُرِّيَّٰتِهِمۡۚ إِنَّكَ أَنتَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ" فنسأل الله الفوز بهذه الدعوات، ولنعلم أن من الفوز المعجّل بهذه الدعوات، تلك الاجتماعات الأسرية التي هي شعار عيدنا، فلنعتني بهذا الجمع ونجعله سعيدا كي نجمع به القلوب كما اجتمعت الأجساد، والله نسأل قرة العين بالأهل وذوي الرحم وفي كل الشأن.

الله أكبر ولله الحمد، قال الله تعالى "فَقُلۡنَا يَٰٓـَٔادَمُ إِنَّ هَٰذَا عَدُوّٞ لَّكَ وَلِزَوۡجِكَ فَلَا يُخۡرِجَنَّكُمَا مِنَ ٱلۡجَنَّةِ فَتَشۡقَىٰٓ إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعۡرَىٰ وَأَنَّكَ لَا تَظۡمَؤُاْ فِيهَا وَلَا تَضۡحَىٰ فَوَسۡوَسَ إِلَيۡهِ ٱلشَّيۡطَٰنُ قَالَ يَٰٓـَٔادَمُ هَلۡ أَدُلُّكَ عَلَىٰ شَجَرَةِ ٱلۡخُلۡدِ وَمُلۡكٖ لَّا يَبۡلَىٰ"

إنّ من نعيم الجنّة المعجّل أن يعيش المسلم عيشة مشابهة لهذا النعيم، فسكينة وطمأنينة وودّ وتآلف، وعزة وكرامة، ولا جوع ولا ظمأ ولا عري ولا خوف ولا حرّ ولا قرّ. ومن الظلم للنفس وللشريك أن تُضيّع هذه الجنّة المعجّلة بسبب وسوسة شيطانية تصورُ للمساكين حياة أجمل وأسعد من خلال أسلوب كاذبٍ يوافق الهوى، ولا يحترم شرعا ولا مشاعر. وسوسة تنتج كفران النعمة والتكبر عليها، لتكون العاقبة حرمان وعقوبة بالضد، فاحفظ جنتك سواء في أسرتك أو مجتمعك أو عملك ولو كرهت بعضا مما حوى، فليس ثمة جنة كاملة سوى تلك التي أعدّ الله لعباده المتقين، فاحفظ جنتك رعاك الله فلن ينفعك الوعي بعد خسرانك أركان وجمال حياتك.

عباد الله وإن من النعيم المعجّل وهو الجنّة الدنيوية حقا، ما امتنّ الله تعالى به على زكريا عليه السلام "فَٱسۡتَجَبۡنَا لَهُۥ وَوَهَبۡنَا لَهُۥ يَحۡيَىٰ وَأَصۡلَحۡنَا لَهُۥ زَوۡجَهُۥٓۚ إِنَّهُمۡ كَانُواْ يُسَٰرِعُونَ فِي ٱلۡخَيۡرَٰتِ وَيَدۡعُونَنَا رَغَبٗا وَرَهَبٗاۖ وَكَانُواْ لَنَا خَٰشِعِينَ" فأكثر وأكثري الدعاء بالفوز بأسرة صالحة، وسارع في الخيرات تَستحق إجابة دعواتك، ومن حظي بنعمة الولد والزوج الصالحين فليحمد الله وليرع النعمة، وليصنع لنفسه البهجة بالقرب منهم وبالحفاظ عليهم، وبالتنازل عن بعض قناعاته وأفكاره التي لا تتوافق مع ما لديهم ما داموا لم يخالفوا شرعا ولا عادة محكّمة.

وعلى الزوجين تنمية جنتهما من خلال الثقة المطلقة في بعضهما مع الغيرة المنضبطة، واكتشاف حبّ الآخر وجميل مشاعره من خلال ما يقدمه ويعتني به مما هو من واجباته أو من مبادرته، وعدم ربط الحبّ بكلمات لم تعتد عامّة النفوس البشرية التصريح بها، وإن كانت مهمّة ومأمور بها شرعا، ومن رُزق تصريحا وتحدثا بالحبّ فليزدد في حمد الله وشكره والحفاظ على نعمته.

ومن أراد قبول دعواته وصلاح أسرته ومستقبله فليكن مسارعا في الخيرات، وأولى من تُقدم له الخيرات أهل البيت قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "خَيْرُكُمْ خيركم لِأَهْلِهِ، وَأَنَا خَيْرُكُمْ لِأَهْلِي" ومن لا خير منه لأهله فلا ترجو خيرا منه ولا له.

أحبتي الشباب من الجنسين خاصة يقول تعالى "وَلَقَدۡ ءَاتَيۡنَا دَاوُۥدَ وَسُلَيۡمَٰنَ عِلۡمٗاۖ وَقَالَا ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ ٱلَّذِي فَضَّلَنَا عَلَىٰ كَثِيرٖ مِّنۡ عِبَادِهِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ" فبالعلم فُضّلوا، وبالعمل شكروا قال سبحانه "ٱعۡمَلُوٓاْ ءَالَ دَاوُۥدَ شُكۡرٗاۚ وَقَلِيلٞ مِّنۡ عِبَادِيَ ٱلشَّكُورُ" ولما تباهى عفريت من الجنّ بقدرته على إحضار عرش بلقيس، فاجأهم صاحب العلم بإحضاره في طرفة عين، فبالعلم تفضل على غيرك، وبالعلم تتميز وتغلب وتصل لمبتغاك، فتعلم ثم تعلم واعمل بما تعلمت وعلّمه، فذاك شكر النعمة وسبب زيادتها، ولا تعجز فنحن في زمن لا حظّ فيه لمتكاسل عن التعلم، ولا يغرّنك الكسالى المخذّلون فلربما ودّوا لو كانوا متعلمين مجتهدين. الله أكبر الله أكبر ولله الحمد 

عباد الله ومما يَستبشر به المؤمن قولَ الله تعالى "وَإِذَا جَآءَكَ ٱلَّذِينَ يُؤۡمِنُونَ بِ‍َٔايَٰتِنَا فَقُلۡ سَلَٰمٌ عَلَيۡكُمۡۖ كَتَبَ رَبُّكُمۡ عَلَىٰ نَفۡسِهِ ٱلرَّحۡمَةَ أَنَّهُۥ مَنۡ عَمِلَ مِنكُمۡ سُوٓءَۢا بِجَهَٰلَةٖ ثُمَّ تَابَ مِنۢ بَعۡدِهِۦ وَأَصۡلَحَ فَأَنَّهُۥ غَفُورٞ رَّحِيمٞ" فاستبشر برحمة الله وأكثر التوبة والاستغفار، واحمد الله واشكره ان جعلك من قوم أُمِرَ النبي صلى الله عليه وسلم أن يسلّم عليهم وأن يبشّرهم بالرحمة، وكن كسيد القوم عليه الصلاة والسلام رحيما، وبشّر بالرحمة، وانشر السلام، سلّم على أهل بيتك كلما دخلت بيتك وعلى أهل كل مجلس تدخله وعلى كل من مرّرت به وتعاملت معه.

عباد الله وإنما حَرُمَ الصيام أيام العيد لأن مما يكمل البهجة والسعادة الانبساط في الطعام، فينبغي في العيد تغيير بعض العادات الغذائية التي لا يتحقق الضرر من تغييرها، وتناول ما لا يضر اليسير منه، ويجب تجنب الوصاية على الوالدين والكبار فيما يُعرض عندهم مما يشتهونه من طعام أو حلوى، أو جنبوا عرضه عندهم، فهم بشرٌ لهم اعتبارهم ولهم حاجاتهم ورغباتهم، ومن السعادة عدم الوصاية، والانبساط حديثا، وأكلا، وشربا.

أحيوا العيد عباد الله بالسلام على من عرفتم ومن لم تعرفوا وبإظهار البشاشة والفرح دوما، وبصناعة الفرح لدى أحبتكم فتلك سُنة نبيكم أسعدكم الله برؤيته وبرفقته ومجاورته في الفردوس الأعلى.

أسأل الله أن يغفر لنا وأن يهبنا صحة وسلامة وعفوا وعافية ورضا وسعة عيش وهناءته ورزقا مباركا يعيننا على ذكره وشكره وحسن عبادته، وقرة العين دائمة. وأن يشمل والدينا وأحبتنا بفضله ولطفه ورضاه، وأن يوفق إمامنا وولي أمرنا خادم الحرمين وولي عهده بتوفيقه وأن يلهمهما الهدى والتقى والرشاد، وأن يجعل هذا اليوم يوما سعيداً علينا وعلى المسلمين أجمعين، واختموا مقامكم هذا بالاستغفار وبالصلاة على سيدنا وسيد ولد آدم أجمعين محمد بن عبد الله. اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

التقوى والتوبة سببان لأداء أمانة الوصول إلى الجنّة

المسلم وشدّ البنيان الإيماني أو هدمه

يوم عاشوراء يوم التوحيد، يوم العلم والعمل، يوم الصبر والتفاؤل