رمضان على الأبواب فلنستعد بفتح أبواب الخير وإغلاق أبواب الشرّ وبغلّ مشتتات الفكر والقلب

 الحمد لله الحيّ القيّوم، يقلب الليل والنهار تذكرة وعبرة، ويسبغ الفضل رحمة وبِرا، ويوالي لعباده الفرص حبا وتوددا، أشهد ان لا إله إلا هو الرحمن الرحيم العليّ العظيم الودود الغفور، وأشهد أن محمد بن عبد الله عبده ورسوله خير الخلق وسيدهم وإمام أنبيائهم ورسلهم صلى الله عليه وعلى آله وصحبه والتابعين إلى يوم الدين وسلم تسليما كثيرا.

وبعد عباد الله فاتقوا الله، وقدموا المنجاة من غضبه بلزوم أمره واجتناب نهيه وبكثرة الاستغفار والتوبة واستغلال الفرص العابرة، فكل ما هو موجود هو عابر غير مستقر، ومن الغرور وخداع النفس الاغترار بالواقع والركون إليه.

يقول عزّ وجلّ "ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَكُم مِّن ضَعۡفٖ ثُمَّ جَعَلَ مِنۢ بَعۡدِ ضَعۡفٖ قُوَّةٗ ثُمَّ جَعَلَ مِنۢ بَعۡدِ قُوَّةٖ ضَعۡفٗا وَشَيۡبَةٗۚ يَخۡلُقُ مَا يَشَآءُۚ وَهُوَ ٱلۡعَلِيمُ ٱلۡقَدِيرُ " ويقول سبحانه وتعالى "سَابِقُوٓاْ إِلَىٰ مَغۡفِرَةٖ مِّن رَّبِّكُمۡ وَجَنَّةٍ عَرۡضُهَا كَعَرۡضِ ٱلسَّمَآءِ وَٱلۡأَرۡضِ أُعِدَّتۡ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِۦۚ ذَٰلِكَ فَضۡلُ ٱللَّهِ يُؤۡتِيهِ مَن يَشَآءُۚ وَٱللَّهُ ذُو ٱلۡفَضۡلِ ٱلۡعَظِيمِ"

عباد الله الحياة جميلة، ولكنها قصيرة، ممتعة لولا تقلب أحوالها وكثرة معوّقاتها التي لابدّ وأن تمرّ، ومن فضل الله العظيم ورحمته ومنّته سبحانه أن شرع لنا مواسم خاصة عظّمها سبحانه، وفيها عظّم العمل أجرا وعظّم العامل قدرا وقربا، من هذه المواسم موسم رمضان الذي لن يجد المسلم مساحة أوسع منه للإنجاز ولصناعة المستقبل الجميل الذي يأمله سواء في الدنيا أو في الآخرة، وذلك فضل الله يؤتيه من شاء، وقد شاء سبحانه أن يفوز بهذا الفضل من سابق إليه وبادر الوقت وانتقى القول والعمل.

ولعظيم الفضل في رمضان فقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يُبشر به، فكان يقول لأصحابه: أتاكُمْ شَهْرُ رَمَضانَ شَهْرٌ مُبارَكٌ فَرَضَ الله عَلَيْكُمْ صِيامَهُ تُفْتَحُ فِيهِ أبْوابُ الجَنَّةِ وتُغْلَقُ فِيهِ أبوابُ الجَحِيمِ وتُغَلُّ فِيه مَرَدَةُ الشَّياطينِ، وَفيهِ لَيْلَةٌ هِيَ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ مَنْ حُرِمَ خَيْرَها فَقَدْ حُرِمَ" أحمد والنسائي وصححه الألباني

وما بشّر برمضان رسولُ الله صلى الله عليه وسلم إلا لعلمه بما يحويه من خيرات هي بعض ذلك الفضل العظيم، هذه البشارة النبوية بهذه المنحة الربانية تستوجب أن نستعد لها استعدادا يكشف قدر إيماننا بصدق من بشّرنا، وبما بشّرنا به، والاستعداد إنما يكون قبل وصول الضيف لا حال وصوله.

وإن من أعظم المنن المدّ في العمر حتى بلوغ الفرص، والتمكين من العمل صحة ونشاطا وأمنا، والهداية لكيفية استغلالها واستثمارها والإعانة على ذلك.

عَنْ عُبَيْدِ بْنِ خَالِدٍ السُّلَمِيِّ قَالَ: آخَى رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ رَجُلَيْنِ فَقُتِلَ أَحَدُهُمَا، وَمَاتَ الْآخَرُ بَعْدَهُ بِجُمُعَةٍ أَوْ نَحْوِهَا، فَصَلَّيْنَا عَلَيْهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَا قُلْتُمْ؟ فَقُلْنَا: دَعَوْنَا لَهُ وَقُلْنَا: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ وَأَلْحِقْهُ بِصَاحِبِهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: فَأَيْنَ صَلَاتُهُ بَعْدَ صَلَاتِهِ؟ وَصَوْمُهُ بَعْدَ صَوْمِهِ؟ وَعَمَلُهُ بَعْدَ عَمَلِهِ؟ إِنَّ بَيْنَهُمَا كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ" أحمد وأبو داود والنسائي وصححه الألباني.

المدة الزمنية بينهما أقل من أسبوعين لكن منزلة العمل كما بين السماء والأرض، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.

من تقدم موته لم يظلم حقه، ومن بقي بعده فقد ابتلي بالفرص المتجددة وسيسأل عنها، وكل يوم يأتي ونحن في صحة من عقل وبدن هو نعمة وفرصة وهو ابتلاء وسنسأل عنه.

قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "لَا تَزُولُ قَدَمَا عَبْدٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ عِنْدِ رَبِّهِ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ خَمْسٍ: عَنْ عُمُرِهِ فِيمَ أَفْنَاهُ وَعَنْ شَبَابِهِ فِيمَ أَبْلَاهُ وَعَنْ جِسْمِهِ فِيمَ أَبْلَاهُ وَعَنْ عِلْمِهِ مَاذَا عَمِلَ فِيهِ وَمَاذَا عَمِلَ فِيمَا عَلِمَ وَعَنْ مَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ وَفِيمَ أَنْفَقَهُ" الترمذي وصححه الألباني وغيره.

ولعل سائل يقول لِما السؤال عن العمر ثم السؤال عن فترة الشباب؟

فيقال بأن فترة شباب العمر هي فترة التأسيس وفترة صناعة المستقبل ويفترض ألا تضيع عبثا، وأيضا للتنبيه على أن الشباب كلمة يقصد بها فترة القوة على العمل وليست مقتصرة على الفترة الزمنية المحددة من العمر، فكل من قوي على عمل صالح وتمكن منه فهو في حكم الشباب وسيسأل عن هذه الفترة وهذه القوة وهذا التمكين.

نسأل الله الإعانة على ذكره وشكره وحسن عبادته واستغفره سبحانه لي ولكم ولوالدينا

 

 

الحمد لله العليّ العظيم الملك البرّ الرحيم، والصلاة والسلام على سيدنا وسيد ولد آدم أجمعين وعلى آله وأصحابه والتابعين. وبعد عباد الله

حينما يحل رمضان علينا تتغير ساعات النوم وساعات الطعام والعمل والدراسة بما يتناسب والصيام. وقبل ذلك فإن الله تعالى إذا حلّ رمضان أمر ففتّحت أبواب الجنّة وغلّقت أبواب النار وغلّت مردة الشياطين وصار المؤمن سيد تفكيره وشهواته، إذا جاء رمضان تغيرت لأجلنا أمور كثيرة في السماء وفي الأرض، إذن فلماذا لا نتغير؟ لماذا لا نعالج ما كان سببا في فوات كثير من الفرص الرمضانية في الأعوام الماضية، نراجع عاداتنا وممارساتنا الرمضانية السابقة فننمي ما رضيناه، ونعالج ما نراه سببا خسارة، ونتلافى فكرة أننا قدمنا ما يمكننا وأننا أفضل من غيرنا، لأن بإمكاننا كل يوم أن نكون في حال أفضل مما سبق.

في رمضان ستُفتّح أبواب الجنّة، فماذا ستفتح أنت لنفسك من أبواب الخير؟

في رمضان ستغلّق أبواب النار، فماذا ستغلق عن نفسك من أبواب الشرّ؟

في رمضان ستُغلّ مردة الشياطين فماذا ستغِلُ أنت في رمضان من مشتتات التفكير ومثيرات الشهوات الصادات عن ذكر الله وعن الصلوات والمفسدات للصيام عن مفسداته ومفسدات قلبك فيه؟ وكلٌ على نفسه بصيرة ولو القى معاذيره.

في كل عام تتغير بنا الحال وتختلف علينا الرفقة ما بين منقطع لسفر أو عمل أو مرض! أو راحل إلى رحمة الله، إذا فلابد وأن نتغير لنتدارك ما تيسر من خير قد يحال بيننا وبينه في قادم الأيام.

عباد الله لنستحضر نعم الله ونشكره عليها بالعزم على استغلال الفرص التي تقربنا إليه وتجلب لنا رضاه والمزيد من فضله، ورمضان على الأبواب وبلوغه نعمة عظمى والقدرة على العمل فيه منّة حُرِم منها كثير إما لمانع يمنعه أو لنفس متمردة عاصية، فشكرا لله على نعمته وهدايته، وتقوى لله في مواسمه وفرصه، نستعد قبل وصول رمضان حتى إذا وصل لم نحتج لتمرين وتهيئة للعمل، ومن فضل الله تعالى فمجرد النية عبادة وخطوة نحو الغاية لتكون العاقبة رضا الله ثم قرة العين بالفردوس الأعلى من الجنة.

ثم صلوا وسلموا على من صلى عليه الله وملائكته وأمرتم بالصلاة عليه بقول ربكم جلّ في علاه "إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلَٰٓئِكَتَهُۥ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِيِّۚ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ صَلُّواْ عَلَيۡهِ وَسَلِّمُواْ تَسۡلِيمًا"

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

التقوى والتوبة سببان لأداء أمانة الوصول إلى الجنّة

المسلم وشدّ البنيان الإيماني أو هدمه

يوم عاشوراء يوم التوحيد، يوم العلم والعمل، يوم الصبر والتفاؤل