شعبان شهر يحبه رسول الله صلى الله عليه وسلم ويغفل عنه الناس

 الحمد لله العزيز الحكيم، أشهد أن لا إله إلا هو الرحمن الرحيم، وأشهد أن محمد بن عبد الله عبده ورسوله إمام المرسلين وسيد الأولين والآخرين صلى الله عليه وعلى آله وصحبه والتابعين إلى يوم الدين وسلم تسليما كثيرا وبعد عباد الله فاتقوا الله وارقبوا يوما قال الله تعالى عنه "هَٰذَا كِتَٰبُنَا يَنطِقُ عَلَيۡكُم بِٱلۡحَقِّۚ إِنَّا كُنَّا نَسۡتَنسِخُ مَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ فَيُدۡخِلُهُمۡ رَبُّهُمۡ فِي رَحۡمَتِهِۦۚ ذَٰلِكَ هُوَ ٱلۡفَوۡزُ ٱلۡمُبِينُ وَأَمَّا ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ أَفَلَمۡ تَكُنۡ ءَايَٰتِي تُتۡلَىٰ عَلَيۡكُمۡ فَٱسۡتَكۡبَرۡتُمۡ وَكُنتُمۡ قَوۡمٗا مُّجۡرِمِينَ"

وإذ منّ الله عليك عبد الله بالإيمان فأدرك نفسك بصالح الأعمال كي تنال ما تحب وترجو.

عباد الله وها هي الأيام تمضي بنا مُسرعة نحو ذاك اليوم العظيم ونحن مع يقيننا به ووجلنا منه إلا أننا عنه في غفلة نظن الوقت لا زال مبكرا، نحمل أحبتنا إلى قبورهم ونعود كأن لم نُذكّر بتوديعهم رحيلنا ووداع أحبتنا لنا!

عباد الله إن المؤمن وهو في سيره نحو الله والدار الآخرة تعمر الثقة برحمة الله له قلبه، ويضيء حسن الظن بالله فؤاده، فيعمل ما أُمٍر به، ولكن كثيرا ما ينسى المسلم محوَ خطيئته التي لا يسلم بشرٌ منها، وينسى تنقية سجله الذي تلوثه لمم الذنوب والخطايا، ويغفل عن حاجته لحال تُرضي ربه عنه حينما يسأل عنه.

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: يَتَعَاقَبُونَ فِيكُمْ مَلَائِكَةٌ بِاللَّيْلِ وَمَلَائِكَةٌ بِالنَّهَارِ. وَيَجْتَمِعُونَ فِي صَلَاةِ الْعَصْرِ، وَصَلَاةِ الْفَجْرِ، ثُمَّ يَعْرُجُ الَّذِينَ بَاتُوا فِيكُمْ، فَيَسْأَلُهُمْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِهِمْ: «كَيْفَ تَرَكْتُمْ عِبَادِي؟» فَيَقُولُونَ: تَرَكْنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ، وَأَتَيْنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ. متفق عليه.

أتخيلت عبد الله هذا السؤال الإلهي عنك كل يوم مرتين؟ يا ترى ما هي حالك لو علمت أن الجواب حضرنا وهو يصلي وتركناه وقد صلى ولم نطو صفحة سجله إلا وقد محى ذنبه؟

قال عليه الصلاة والسلام: "مَنْ قالَ: سُبْحانَ اللهِ وبِحَمدِهِ في يَوْم مِائَةَ مرَّةٍ؛ حُطَّتْ خَطاياهُ، وإنْ كانَتْ مِثْل زَبَدِ البَحْرِ" البخاري. ولذا فمن المستحب المواظبة على هذا التسبيح مع صلاة الفجر وصلاة العصر، لعله أن يكون سببا في محو ما حمّل العبدُ نفسه من اللم من الذنوب.

ومما يمحو به الله تعالى الذنوب وبه تشرق سجلات الأعمال، وهو سبب رئيس لفضل الله ورحمته، طهارة القلب من حمل الحقد والحسد والكراهية، َ قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "تُعْرَضُ الْأَعْمَالُ فِي كُلِّ يَوْمِ خَمِيسٍ وَاثْنَيْنِ، فَيَغْفِرُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ، لِكُلِّ امْرِئٍ لَا يُشْرِكُ بِاللهِ شَيْئًا، إِلَّا امْرَأً كَانَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَخِيهِ شَحْنَاءُ، فَيُقَالُ: ارْكُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا، ارْكُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا " مسلم. و (اركوا هذين أي أخروا هذين)

وقَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا تَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى تُؤْمِنُوا، وَلَا تُؤْمِنُوا حَتَّى تَحَابُّوا، أَوَلَا أَدُلُّكُمْ عَلَى شَيْءٍ إِذَا فَعَلْتُمُوهُ تَحَابَبْتُمْ؟ أَفْشُوا السَّلَامَ بَيْنَكُمْ» مسلم. تصنع ظروف الحياة وتجاوزات الآخرين في النفس صنيعها المكروه، ولكن المؤمن يعالج ذلك الخلل بالمسامحة والتجاوز ولو أخذ الدرس ولم ينس.

يقول تعالى "فَٱصۡبِرۡ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحۡ بِحَمۡدِ رَبِّكَ قَبۡلَ طُلُوعِ ٱلشَّمۡسِ وَقَبۡلَ غُرُوبِهَاۖ وَمِنۡ ءَانَآيِٕ ٱلَّيۡلِ فَسَبِّحۡ وَأَطۡرَافَ ٱلنَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرۡضَىٰ" ما أسهل العمل وما أجمل الوعد. خصوصا والزمن يترحل سريعا، والحال تتقلب فجأة وما هو الآن متيسر قد يتعذر غدا، وما هو ثقيل الآن قد يكون غدا سبب ندم، مما يؤكد أن التردد والتسويف غير مبرر.

تذكر عبد الله أن الله اصطفاك واجتباك وهداك وعلّمك، وبيّن لك جلّ جلاله سؤاله الدائم عنك، ورضي منك ما يدلّ على توحيدك له وتعظيمك له وشكرك له من قول وعمل لا يكلفك شيئا، فلا تغفل عن نفسك وأظهر وأنت العبد المسكين الضعيف الفقير إلى ربك اهتمامك بهذا الاختيار الإلهي لك والاهتمام الرباني بك.  

وتذكر برحيل من رحل قرب رحيلك واجزم بسكناك نفس المسكن، وأنه بوداعك أحبتك سَتُودّع كما ودعتهم، وتذكر أن كل من شيّعك سيعود تاركا إياك وحدك أنت وعملك الذي إن أحسنته اليوم جاءك هناك مُبشرا مُؤنسا لك، واسع لتكون فرحا مسرورا كما فرح ذاك الذي أخبرنا الله تعالى عنه بقوله عزّ وجل "قِيلَ ٱدۡخُلِ ٱلۡجَنَّةَۖ قَالَ يَٰلَيۡتَ قَوۡمِي يَعۡلَمُونَ بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ ٱلۡمُكۡرَمِينَ"

جعلنا الله ووالدينا وأهلنا وأحبتنا أجمعين من المكرمين، وأعاننا على ذكره وشكره وحسن عبادته. وغفر لنا ولجميع المسلمين.

 

الحمد لله الولي الحميد غافر الذنب وقابل التوب مالك الملك وواسع الفضل والصلاة والسلام على البشير النذير والسراج المنير محمد بن عبد الله وعلى آله وصحبه ومن والاه وبعد

عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، رَأَيْتُكَ تَصُومُ فِي شَعْبَانَ صَوْمًا لَا تَصُومُهُ فِي شَيْءٍ مِنَ الشُّهُورِ إِلَّا فِي شَهْرِ رَمَضَانَ، قَالَ: «فَذَلِكَ شَهْرٌ يَغْفُلُ النَّاسُ عَنْهُ، بَيْنَ شَهْرِ رَجَبٍ وَشَهْرِ رَمَضَانَ، تُرْفَعُ فِيهِ أَعْمَالُ النَّاسِ، فَأُحِبُّ أَنْ لَا يُرْفَعَ عَمَلِي إِلَّا وَأَنَا صَائِمٌ» أحمد والنسائي وحسّنه الألباني.

وعَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها أنها قَالَتْ فَمَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اسْتَكْمَلَ صِيَامَ شَهْرٍ إِلَّا رَمَضَانَ وَمَا رَأَيْتُهُ أَكْثَرَ صِيَامًا مِنْهُ فِي شَعْبَانَ} البخاري.

وعنها رضي الله عنها أنها قالت: كَانَ أَحَبَّ الشُّهُورِ إِلَى رَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَصُومَهُ شَعْبَانُ ثُمَّ يَصِلُهُ بِرَمَضَانَ.} الحاكم وأحمد وغيرهما وصححه جمع من المحققين.

وفي شهر رمضان سأل صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا: «أَصُمْتَ مِنْ سُرَرِ شَعْبَانَ؟ قَالَ: لَا، قَالَ: فَإِذَا أَفْطَرْتَ، فَصُمْ يَوْمَيْنِ» متفق عليه. والمقصود بسُرر أو سَرر شعبان أيامه الوسطى المعروفة بالأيام البيض، يقال سرر الشيء أي وسطه. فرسول الله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يحب صيام هذا الشهر، وكان يوصي أحبته بصيام أيامٍ من شهر شعبان، ويؤكد الوصيةَ بالوصية بقضاء تلك الأيام بعد رمضان لمن فاته صيام شيء من شعبان مما يبين أهمية صيام أيام يسيرة منه.

فلا تحرم نفسك رعاك الله من صيام أيامٍ من شعبان تتأسى فيها بنبيك الحبيب عليه الصلاة والسلام وتهيئ بها نفسك لرمضان، وتتقرب بها إلى ربك معلناً حبك لهذا العمل الذي أحبه الله تعالى، قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ يُضَاعَفُ، الْحَسَنَةُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعمِائَة ضِعْفٍ، قَالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: إِلَّا الصَّوْمَ، فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ، يَدَعُ شَهْوَتَهُ وَطَعَامَهُ مِنْ أَجْلِي" مسلم.

اللهم نسألك حبك وحب من يحبك وحب عملٍ يقربنا إلى حبك.

ثم صلوا وسلموا عباد الله على من أمرتم بالصلاة عليه  

اللهم صل وسلم وزد وبارك على عبدك ورسولك محمد نبينا وسيدنا وإمامنا وعلى آله وصحبه والتابعين إلى يوم الدين.

ارض اللهم عن صحابة نبيك وأرضهم وعن التابعين إلى يوم الدين وارض عنّا ووالدينا وأحبابنا وأرضنا برحمتك يا أرحم الراحمين.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

التقوى والتوبة سببان لأداء أمانة الوصول إلى الجنّة

المسلم وشدّ البنيان الإيماني أو هدمه

يوم عاشوراء يوم التوحيد، يوم العلم والعمل، يوم الصبر والتفاؤل