وللمؤمن وحي من الله عبر رؤيا صالحة
الحمد لله عالم الغيب والشهادة اللطيف الخبير، أشهد أن لا إله إلا هو الرحمن الرحيم وأشهد أن محمد بن عبد الله عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه والتابعين إلى يوم الدين وسلم تسليما كثيرا وبعد عباد الله فاتقوا الله يقيكم النار وكل ما يضركم، وسارعوا إلى طاعته يسارع إليكم برحمته وبفضله وبرضاه.
عباد الله يقول ربنا تبارك وتعالى "ٱللَّهُ
يَتَوَفَّى ٱلۡأَنفُسَ حِينَ مَوۡتِهَا وَٱلَّتِي لَمۡ تَمُتۡ فِي مَنَامِهَاۖ
فَيُمۡسِكُ ٱلَّتِي قَضَىٰ عَلَيۡهَا ٱلۡمَوۡتَ وَيُرۡسِلُ ٱلۡأُخۡرَىٰٓ إِلَىٰٓ
أَجَلٖ مُّسَمًّىۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّقَوۡمٖ يَتَفَكَّرُونَ"
النوم موت أصغر، والموت نوم أكبر، ومن النوم
يُستدل على عذاب القبر ونعيمه، فالنائم بجوار زوجه أو في غرفة مشتركة يرى ما يُفرحه
ويسره أو ما يُزعجه ويؤلمه، والآخر لا يشعر به، بل وقد يعيش حلما مختلفا تماما وهو
أقرب ما يكون منه، وهذا حال أهل القبور جعل الله سكانها المسلمين في روضات الجنات
منعمين.
·
وما يراه النائم في منامه لا يخلو من أحوال
ثلاثة، ذكرها النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح عند البخاري وغيره بقوله:
«إِذَا اقْتَرَبَ الزَّمَانُ، لَمْ تَكَدْ رُؤْيَا الْمُسْلِمِ تَكْذِبُ،
وَأَصْدَقُهُمْ رُؤْيَا أَصْدَقُهُمْ حَدِيثًا، وَرُؤْيَا الْمُسْلِمِ جُزْءٌ مِنْ
سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنَ النُّبُوَّةِ» وَقَالَ: "الرُّؤْيَا
ثَلَاثَةٌ: فَالرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ بُشْرَى مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ،
وَالرُّؤْيَا تَحْزِينٌ مِنَ الشَّيْطَانِ، وَالرُّؤْيَا مِنَ الشَّيْءِ يُحَدِّثُ
بِهِ الْإِنْسَانُ نَفْسَهُ، فَإِذَا رَأَى أَحَدُكُمْ مَا يَكْرَهُ، فَلَا
يُحَدِّثْهُ أَحَدًا، وَلْيَقُمْ فَلْيُصَلِّ".
·
فالرؤيا في أصلها وحيٌ من الله تعالى، وهذه
تكون للمؤمن الصالح صادق الحديث وتكون مبشرة له، وغالبا ما تأتي حين تزاحم
التحديات والصعوبات لتكون رسالة طمأنة وتبشير من الله.
·
وقد تكون الرؤيا أضغاث أحلام بسبب النوم
مُتخماً، أو بسبب ضغوطات نفسية يصنعها الإنسان لنفسه حينما يحمّل فكره همّا وقلقا عند
النوم، فتنتج أضغاث الأحلام التي لا رابط بينها وبين الواقع، بل ولا ترابط بين
أحداثها أصلا.
· وقد تكون الرؤيا كابوسا
مُفزعا مُقلقا فهذه إيحاءه شيطانية ليبث الحزن للمسلم، إذ الله جلّ في علاه لا
يرُوّع مسلما، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ قَالَ: كُنْتُ أَرَى الرُّؤْيَا أُعْرَى
مِنْهَا، غَيْرَ أَنِّي لَا أُزَمَّلُ، أُعْرَى مِنْهَا بمعنى أخاف منها واضطرب
حتى أصاب بانتفاضة كانتفاضة الحمّى غَيْرَ أَنِّي لَا أُزَمَّلُ أي لا أغطى كما
يُغطى المريض، حَتَّى لَقِيتُ أَبَا قَتَادَةَ فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ:
سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «الرُّؤْيَا
مِنَ اللهِ، وَالْحُلْمُ مِنَ الشَّيْطَانِ، فَإِذَا حَلَمَ أَحَدُكُمْ حُلْمًا
يَكْرَهُهُ فَلْيَنْفُثْ عَنْ يَسَارِهِ ثَلَاثًا، وَلْيَتَعَوَّذْ بِاللهِ مِنْ
شَرِّهَا، فَإِنَّهَا لَنْ تَضُرَّهُ» متفق عليه.
ولكي تفوز بجزء من النبوة عبر رؤيا صالحة، كن
صالحاً في نفسك صادقاً معها، صالحاً في تعاملك مع غيرك وصادقاً معهم في حديثك
وتعاملك، واعتن بالوضوء عند النوم وبأذكار النوم التي وصّى بها رسولُ الله صلى
الله عليه وسلم، وهي موجودة في كتب الأذكار.
إن شرُفتَ برؤية النبي صلى الله عليه وسلم في
منامك على الهيئة التي نُقلت إلينا في كتب السيرة، فهنيئا لك إذ الشيطان لا يستطيع
أن يتصور في هيئته عليه الصلاة والسلام، ولكن قد يوهم بأنه هو فيأتي بصورة تخالف ما
وُصف به النبي عليه الصلاة والسلام فانتبه لذلك.
ومن رأى رؤيا حسنة مُبشرة سرته وأفرحته
فعليه بوصية النبي صلى الله عليه وسلم حيث يقول: «وَلَا تَقُصَّهَا إِلَّا عَلَى
وَادٍّ، أَوْ ذِي رَأْيٍ» وفي لفظ «وَلَا يُحَدِّثُ بِهَا إِلَّا لَبِيبًا أَوْ
حَبِيبًا» الترمذي
وابن ماجة وصححهما الألباني وغيره. ويعقوب عليه السلام أدرك خطر عرض الرؤيا الحسنة على كل أحد "قَالَ يَٰبُنَيَّ
لَا تَقۡصُصۡ رُءۡيَاكَ عَلَىٰٓ إِخۡوَتِكَ فَيَكِيدُواْ لَكَ كَيۡدًاۖ إِنَّ ٱلشَّيۡطَٰنَ
لِلۡإِنسَٰنِ عَدُوّٞ مُّبِينٞ"
هذه وهم إخوة فما بالك بغيرهم. فانتق من
تحدثه برؤياك السّارّة ومن تحدثه بأخبارك الجميلة.
ومن رأى رؤيا غريبة مُنكرة فلا يُحدث بها
ولا يسأل عنها، عَنْ جَابِرٍ، عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
أَنَّهُ قَالَ لِأَعْرَابِيٍّ جَاءَهُ فَقَالَ: إِنِّي حَلَمْتُ أَنَّ رَأْسِي
قُطِعَ فَأَنَا أَتَّبِعُهُ، فَزَجَرَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ وَقَالَ: «لَا تُخْبِرْ بِتَلَعُّبِ الشَّيْطَانِ بِكَ فِي الْمَنَامِ» وفي
لفظ، قَالَ: «إِذَا لَعِبَ الشَّيْطَانُ بِأَحَدِكُمْ فِي مَنَامِهِ، فَلَا
يُحَدِّثْ بِهِ النَّاسَ» مسلم.
ومن الخطر العظيم أن يدّعي أحدٌ رؤيا لم
يرها يقول عليه الصلاة والسلام: "مَنْ تَحَلَّمَ بِحُلُمٍ لَمْ يَرَهُ؛
كُلِّفَ أَنْ يَعْقِدَ بَيْنَ شَعِيرَتَيْنِ، وَلَنْ يَفْعَلَ." البخاري أي قال رأيت في
المنام كذا وكذا وهو كاذب لم ير ما ذُكِرَ.
بارك الله لي ولكم في
القرآن والسنة وجعلنا من أهلهما وغفر لنا ولوالدين وللمسلمين أجمعين.
الحمد لله حمدا يليق بجلال وجهه وعظيم
سلطانه والشكر له سبحانه على سابغ فضله وإحسانه والصلاة والسلام على البشير النذير
والسراج المنير محمد بن عبد الله وعلى آله وصحبه ومن والاه وبعد عباد الله فطلب
تأويل الرؤى أمرٌ مشروع سواء من الرائي أم من المفسر عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ
رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ مِمَّا يَقُولُ
لِأَصْحَابِهِ «مَنْ رَأَى مِنْكُمْ رُؤْيَا فَلْيَقُصَّهَا أَعْبُرْهَا لَهُ» مسلم. ولكن يجب انتقاء من
تُعرض عليه الرؤى وأن يكون كما قال عليه الصلاة والسلام حبيبا لك يودّك ويهتمّ
لأمرك، أو عالما لبيبا ذا رأي سديد بعيد عن التكسب المادي بهذه الحِكمة التي يهبها
الله لمن يشاء.
يجب الحذر من تجار تعبير الرؤى، ومن علامتهم
ذلك التمثيل السمج المستخف بوعد رسول الله صلى الله عليه وسلم لمن كذب في الرؤيا،
فيتصل أحدهم سائلا عن رؤيا رآها، ثم يخبره المفسر بتفاصيل حياتية خاصة لا يعلمها
إلا من له صلة بالمتصل أو بالجن، ومن علامتهم طلب الدعم المادي بحجة دعم جمعيات وفقراء
لا يعرفهم إلا هم، وكذا من علاماتهم الإخبار بنتائج الرؤيا بصيغة القطع ولو أعقبه
بالاستثناء بإن شاء الله. وقد قِيلَ للإمام مَالِكٍ رَحِمَهُ اللهُ: أَيَعْبُرُ الرُّؤْيَا
كُلُّ أَحَدٍ؟ فَقَالَ: أَبِالنُّبُوَّةِ يُلْعَبُ! وقَالَ رحمه الله: الرُّؤْيَا جُزْءٌ
مِنَ النُّبُوَّةِ فَلَا يُتَلَاعَبُ بِالنُّبُوَّةِ.
وكم أفسد مثل هؤلاء على البسطاء المتعلقين
بالمنامات عقائدهم وعلاقاتهم ومستقبلهم، لقد ادّعى بعضهم علم الغيب من خلال
تأويلاته المستقبلية التي يرسم فيها أحداث المستقبل كأنه يراها عياذا بالله تعالى.
ارتق بوعيك فإن كان الله جلّ في علاه قد
أنعم عليك بوحي منه سبحانه يبشرك به، فاستبشر ولا تُسلم بشارة الله ومشاعرك لمن
يلعب بهما، ولا تجر الضر على نفسك بإخبار من قد يزعجه فرحك ولو كان حلما وتذكر
إخوة يوسف.
إن حظيت برؤيا صالحة استبشرت بها فاعرضها
على عالم لبيب أو وادّ حبيب، وان اكتفيت بفهمك لها واستبشارك بها فهو أفضل، واعمل
على الفوز بالرؤيا الصالحة وبالبشارة السارّة من خلال معالجة قلبك وعملك، ولا تتكل
على رؤياك ولو كانت سارّة مبشرة، قال الإمام أحمد رحمه الله: الرؤيا تسر المؤمن
ولا تغره.
لا تجعل وحيا الله إليك سلعة يُتكسب بها،
ولا تجعل تلاعب الشيطان بأحلامك سببا للسخرية بك، أو بابا للقلق والهمّ أن يسكن
قلبك، واصنع لنفسك نوما هادئا عميقا من خلال الوضوء قبل النوم وبإشغال الذهن في
الفراش عن الأفكار المزعجة بتلاوة وبذكر لله تعالى حتى تنام في هدوء وسكينة، فتهنأ
بنومك ويطيب لك يومك.
وراجع سيرته صلى الله عليه وسلم وتعرف على أوصافه
الخِلقية لعلك تحظى برؤيته في المنام رؤية تمهد لرؤيته يوم المعاد.
تعليقات
إرسال تعليق