عظة مع الحياة في رحم الأم وفي رحم الأرض
الحمد لله الحيّ القيوم، هو الغفور الرحيم وعذابه العذاب الأليم، غافر الذنب وقابل التوب اللطيف الخبير، أشهد أن لا إله إلا هو العزيز الحكيم، وأشهد أن محمد بن عبد الله عبده ورسوله النبي الأمي الصادق الأمين صلى الله عليه وعلى آله وصحبه والتابعين إلى يوم الدين وسلّم تسليما كثيرا.
وبعد
عباد الله فاتقوا الله، واعلموا أنكم ملاقوه وأن لكم منه بشارة إن أحسنتم العمل
سمعا وطاعة لنبيه الحبيب عليه الصلاة والسلام وتخلقا بسنته الطاهرة. يقول جلّ
جلاله "وَقَدِّمُواْ لِأَنفُسِكُمۡۚ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَٱعۡلَمُوٓاْ
أَنَّكُم مُّلَٰقُوهُۗ وَبَشِّرِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ"
عباد
الله لقد كَثُرَ في القرآن الكريم الدعوةُ لإعمال الفِكرِ في كل ما حولَنا، والأمرُ
باتخاذ هذا التفكير دافعا لسلوك يصنع لنا البشارة والسعادة في الدنيا وفي الآخرة،
يقول سبحانه "وَفِي خَلۡقِكُمۡ وَمَا يَبُثُّ مِن دَآبَّةٍ
ءَايَٰتٞ لِّقَوۡمٖ يُوقِنُونَ" ويقول تعالى
"وَفِيٓ أَنفُسِكُمۡۚ أَفَلَا تُبۡصِرُونَ"
نتفكر
في أنفسنا فقد خُلِقنا في أرحام أمهاتنا بغير اختيار منّا لا للزمان ولا للمكان
ولا للشكل ولا للجنس "يَٰٓأَيُّهَا ٱلۡإِنسَٰنُ
مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ ٱلۡكَرِيمِ ٱلَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّىٰكَ فَعَدَلَكَ فِيٓ
أَيِّ صُورَةٖ مَّا شَآءَ رَكَّبَكَ" ثم نستقر
منعزلين عن الخلق في ذاك الرحم الدافئ مُنعمين آمنين نتغذى من أمهاتنا، ثم نخرج
للدنيا ونسعد ونتمتع ونسعى ونَكِدُ ونُكابدُ ونجاهدُ لعلنا نعيش ذلك الاستقرار
والطمأنينة والأمن والنعيم الذي عشناه في رحم الأم، ولعلنا أن نحققه لمن أنجبناه
حتى يسعد وينعم، فيحققه لمن يُخلّفه من ذرية، فنحيا يخلف بعضنا بعضا، حتى إذا أتى
ذاك اليوم الذي قد قدّره الله تعالى لنعود للرحم مرة أخرى ولكن إلى رحم الأرض،
"أَفَحَسِبۡتُمۡ أَنَّمَا خَلَقۡنَٰكُمۡ عَبَثٗا
وَأَنَّكُمۡ إِلَيۡنَا لَا تُرۡجَعُونَ"
ولئن
كانت الحياة في أرحام الأمهات لا اختيار لنا فيها ونحن فيها بأمر الله تحت رعاية
أمهاتنا، فإننا في رحم الأرض نحيا حياة قد اخترناها وصنعناها ونحن بأمر الله تحت
رعاية ما قدمناه لأنفسنا، وكلٌ سيندم لأنه كان بيده مزيد تحسين لحياته البرزخية فاستسهل
الأمر وركن للدعة والمتعة، وكان بيده تحويل كل لحظات حياته لعبادة تنفعه، حتى طعامه
وشرابه، ولحظاته الخاصة وغرائزه الجنسية، بل وحتى رحلاته كان بإمكانه وبأيسر مما
يتصور أن يجعلها عبادة تسره يوم يخُلّد في قبره فيأتيه عمله على هيئة رفيق صالح
يؤانسه بعد أن تركه أهله وحيدا، وحدة أسوء من الوحدة في رحم أمه.
عَنِ
الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ، قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ، فِي جِنَازَةِ رَجُلٍ مِنَ الْأَنْصَارِ، فَانْتَهَيْنَا إِلَى
الْقَبْرِ، وَلَمَّا يُلْحَدْ، فَجَلَسَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ، وَجَلَسْنَا حَوْلَهُ، كَأَنَّ عَلَى رُءُوسِنَا الطَّيْرَ، وَفِي
يَدِهِ عُودٌ يَنْكُتُ فِي الْأَرْضِ، فَرَفَعَ رَأْسَهُ، فَقَالَ: «اسْتَعِيذُوا
بِاللَّهِ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ مَرَّتَيْنِ، أَوْ ثَلَاثًا» ، ثُمَّ قَالَ:
" إِنَّ الْعَبْدَ الْمُؤْمِنَ إِذَا كَانَ فِي انْقِطَاعٍ مِنَ الدُّنْيَا
وَإِقْبَالٍ مِنَ الْآخِرَةِ، نَزَلَ إِلَيْهِ مَلَائِكَةٌ مِنَ السَّمَاءِ بِيضُ
الْوُجُوهِ، كَأَنَّ وُجُوهَهُمُ الشَّمْسُ، مَعَهُمْ كَفَنٌ مِنْ أَكْفَانِ
الْجَنَّةِ، وَحَنُوطٌ مِنْ حَنُوطِ الْجَنَّةِ، حَتَّى يَجْلِسُوا مِنْهُ مَدَّ
الْبَصَرِ، ثُمَّ يَجِيءُ مَلَكُ الْمَوْتِ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، حَتَّى يَجْلِسَ
عِنْدَ رَأْسِهِ، فَيَقُولُ: أَيَّتُهَا النَّفْسُ الطَّيِّبَةُ، اخْرُجِي إِلَى
مَغْفِرَةٍ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ". قَالَ: «فَتَخْرُجُ تَسِيلُ كَمَا
تَسِيلُ الْقَطْرَةُ مِنْ فِي السِّقَاءِ، فَيَأْخُذُهَا، فَإِذَا أَخَذَهَا لَمْ
يَدَعُوهَا فِي يَدِهِ طَرْفَةَ عَيْنٍ حَتَّى يَأْخُذُوهَا، فَيَجْعَلُوهَا فِي
ذَلِكَ الْكَفَنِ، وَفِي ذَلِكَ الْحَنُوطِ، وَيَخْرُجُ مِنْهَا كَأَطْيَبِ
نَفْحَةِ مِسْكٍ وُجِدَتْ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ» قَالَ: " فَيَصْعَدُونَ
بِهَا، فَلَا يَمُرُّونَ، يَعْنِي بِهَا، عَلَى مَلَإٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ،
إِلَّا قَالُوا: مَا هَذَا الرُّوحُ الطَّيِّبُ؟ فَيَقُولُونَ: فُلَانُ بْنُ
فُلَانٍ، بِأَحْسَنِ أَسْمَائِهِ الَّتِي كَانُوا يُسَمُّونَهُ بِهَا فِي
الدُّنْيَا، حَتَّى يَنْتَهُوا بِهَا إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا،
فَيَسْتَفْتِحُونَ لَهُ، فَيُفْتَحُ لَهُمْ فَيُشَيِّعُهُ مِنْ كُلِّ سَمَاءٍ
مُقَرَّبُوهَا إِلَى السَّمَاءِ الَّتِي تَلِيهَا، حَتَّى يُنْتَهَى بِهِ إِلَى
السَّمَاءِ السَّابِعَةِ، فَيَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: اكْتُبُوا كِتَابَ
عَبْدِي فِي عِلِّيِّينَ، وَأَعِيدُوهُ إِلَى الْأَرْضِ، فَإِنِّي مِنْهَا
خَلَقْتُهُمْ، وَفِيهَا أُعِيدُهُمْ، وَمِنْهَا أُخْرِجُهُمْ تَارَةً
أُخْرَى". قَالَ: "فَتُعَادُ رُوحُهُ فِي جَسَدِهِ، فَيَأْتِيهِ
مَلَكَانِ، فَيُجْلِسَانِهِ، فَيَقُولَانِ لَهُ: مَنْ رَبُّكَ؟ فَيَقُولُ: رَبِّيَ
اللَّهُ، فَيَقُولَانِ لَهُ: مَا دِينُكَ؟ فَيَقُولُ: دِينِيَ الْإِسْلَامُ،
فَيَقُولَانِ لَهُ: مَا هَذَا الرَّجُلُ الَّذِي بُعِثَ فِيكُمْ؟ فَيَقُولُ: هُوَ
رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَيَقُولَانِ لَهُ: وَمَا
عِلْمُكَ؟ فَيَقُولُ: قَرَأْتُ كِتَابَ اللَّهِ، فَآمَنْتُ بِهِ وَصَدَّقْتُ،
فَيُنَادِي مُنَادٍ فِي السَّمَاءِ: أَنْ صَدَقَ عَبْدِي، فَأَفْرِشُوهُ مِنَ
الْجَنَّةِ، وَأَلْبِسُوهُ مِنَ الْجَنَّةِ، وَافْتَحُوا لَهُ بَابًا إِلَى
الْجَنَّة ". قَالَ: «فَيَأْتِيهِ مِنْ رَوْحِهَا، وَطِيبِهَا، وَيُفْسَحُ
لَهُ فِي قَبْرِهِ مَدَّ بَصَرِهِ». قَالَ: "وَيَأْتِيهِ رَجُلٌ حَسَنُ
الْوَجْهِ، حَسَنُ الثِّيَابِ، طَيِّبُ الرِّيحِ، فَيَقُولُ: أَبْشِرْ بِالَّذِي
يَسُرُّكَ، هَذَا يَوْمُكَ الَّذِي كُنْتَ تُوعَدُ، فَيَقُولُ لَهُ: مَنْ أَنْتَ؟
فَوَجْهُكَ الْوَجْهُ يَجِيءُ بِالْخَيْرِ، فَيَقُولُ: أَنَا عَمَلُكَ الصَّالِحُ،
فَيَقُولُ: رَبِّ أَقِمِ السَّاعَةَ حَتَّى أَرْجِعَ إِلَى أَهْلِي، وَمَالِي
". الحاكم وأحمد وصححه الألباني. كل المتطلبات لتلك الحياة ولكسب رفقة ذاك الوجه الحسن المبشر
بالخير تتمثل في العمل بصدق وفق ما علّمنا رسول الله ابتغاء وجه الله تعالى،
وبانتقاء العمل الذي نبّه جلّ جلاله لأهميته في كسب الفردوس، وفي الاستعاذة من أسباب
سخط الله ومقته، وفي مجانبة الأعمال التي شدد جلّ وعلا في التحذير منها، والإكثار
من الاستغفار من اللم والذنوب العارضة التي لا سلامة منها "إِن
تَجۡتَنِبُواْ كَبَآئِرَ مَا تُنۡهَوۡنَ عَنۡهُ نُكَفِّرۡ عَنكُمۡ سَئَِّاتِكُمۡ
وَنُدۡخِلۡكُم مُّدۡخَلٗا كَرِيمٗا"
عباد
الله استغفروا ربكم وأكثروا الاستغفار فإن ربكم حيي كريم وهذه لحظة مباركة مستجاب
فيها الدعاء، فاستغفر الله لي ولكم ولوالدينا وللمسلمين أجمعين.
الحمد
لله كما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين
وبشيرا للمؤمنين محمد بن عبد الله وعلى آله وصحبه ومن والاه وبعد عباد الله فلا
عذر بالجهل لمن تيسر له العلم، وقد تيسر لنا كتاب ربنا وسنة نبينا وتيسرت أسباب
الفقه فيهما، فوجب على كل عبد منا أن يتعلم ما يصنع به حياته الجميلة السعيدة
حينما يكون فردا وحيدا منتظرا ساعة البعث للحساب والجزاء.
ولئن
تردد علميا، بل ثبت علميا إحساس الجنين في رحم امه بما يدور حوله، فما الذي يمنع
أن يكون المؤمن المنّعم في قبره يعرف شيئا مما نزل بأهله أو فعلوه أو قدموه له، فأجعلوا
موتاكم ضمن اهتمامكم، واسعوا لإسعادهم ومؤانستهم في وحدتهم بدعاء وعمل صالح يصلهم
وقد انقطع عن العمل سبيلهم.
ثم صلوا وسلموا على الحبيب المجتبى والنبي
المصطفى سيد ولد آدم جميعا فبذلك دعاكم ربكم فقال عزّ من قائل كريما "إِنَّ ٱللَّهَ
وَمَلَٰٓئِكَتَهُۥ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِيِّۚ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ
ءَامَنُواْ صَلُّواْ عَلَيۡهِ وَسَلِّمُواْ تَسۡلِيمًا"
تعليقات
إرسال تعليق