خطبة وصايا حياتية من حديث معاذ رضي الله عنه
جاء في الحديث الصحيح عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ، قَالَ: لَمَّا بَعَثَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الْيَمَنِ، خَرَجَ مَعَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُوصِيهِ مُعَاذٌ رَاكِبٌ، وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَحْتَ رَاحِلَتِهِ فَلَمَّا فَرَغَ، قَالَ: «يَا مُعَاذُ، إِنَّكَ عَسَى أَنْ لَا تَلْقَانِي بَعْدَ عَامِي هَذَا، لَعَلَّكَ أَنْ تَمُرَّ بِمَسْجِدِي وَقَبْرِي» فَبَكَى مُعَاذٌ خَشَعًا لِفِرَاقِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثُمَّ الْتَفَتَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَحْوَ الْمَدِينَةِ، فقَالَ: «إِنَّ أَهْلَ بَيْتِي هَؤُلَاءِ يَرَوْنَ أَنَّهُمْ أَوْلَى النَّاسِ بِي، وَإِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِي الْمُتَّقُونَ، مَنْ كَانُوا حَيْثُ كَانُوا، الحديث..) أحمد وابن حبان وصححه الألباني والأرناؤوط.
حديث مرّ ذكره كثيرا فما سبب هذا الحديث؟
جاء
في الحديث الصحيح أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: يا معاذ والله
إني لأحبك! فلماذا بعث رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ محبوبه إلى
اليمن وهو يعلم قرب أجله؟ لماذا بعثه في هذه المرحلة الحرجة من حياته وهو يعلم أن
لا لقاء بعد هذا الوداع؟
جاء في السير وأحاديث أخر تفصيل ذلك، فعَنِ
ابْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: كَانَ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ شَابًّا جَمِيلًا
سَمْحًا مِنْ خَيْرِ شَبَابِ قَوْمِهِ، لَا يُسْأَلُ شَيْئًا إِلَّا أَعْطَاهُ،
حَتَّى ادَّانَ دَيْنًا أَغْلَقَ مَالَهُ، فَكَلَّمَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُكَلِّمَ غُرَمَاءَهُ، فَفَعَلَ فَلَمْ يَضَعُوا لَهُ
شَيْئًا، فَلَوْ تُرِكَ لِأَحَدٍ لِكَلَامِ أَحَدٍ – أي لشفاعته وطلبه - لَتُرِكَ
لِمُعَاذٍ لِكَلَامِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَدَعَاهُ
النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَا يَبْرَحُ حَتَّى بَاعَ مَالَهُ
وَقَسَّمَهُ بَيْنَ غُرَمَائِهِ، فَقَامَ مُعَاذٌ لَا مَالَ لَهُ، فَلَمَّا حَجَّ
بَعَثَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الْيَمَنِ
لِيَجْبُرَهُ، قَالَ: وَكَانَ أَوَّلَ مَنْ حُجِزَ عَلَيْهِ فِي هَذَا الْمَالِ
مُعَاذٌ. قال الراوي: فَقَدِمَ مُعَاذٌ عَلَى أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى
عَنْهُ مِنَ الْيَمَنِ وَقَدْ تُوُفِّيَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ"
كثيرة هي العبرُ في هذا الخبرِ،
أقتبس منها ما قد يكون حديثا للشباب أكثر من غيرهم، فمنها:
·
وجوب ضبط النفقات حتى وإن كانت صدقات
وضيافات، فالناس لا تشبع من الأخذ وشكرها لا يجبر النقص، والله تعالى يقول "وَٱلَّذِينَ
إِذَآ أَنفَقُواْ لَمۡ يُسۡرِفُواْ وَلَمۡ يَقۡتُرُواْ وَكَانَ بَيۡنَ ذَٰلِكَ
قَوَامٗا" ويقول سبحانه
"۞ وَيَسَۡٔلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَۖ قُلِ ٱلۡعَفۡوَۗ
كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمُ ٱلۡأٓيَٰتِ لَعَلَّكُمۡ تَتَفَكَّرُونَ فِي ٱلدُّنۡيَا
وَٱلۡأٓخِرَةِۗ" تفكر فلا فوز
بالآخرة بدون صيانة للدنيا والدنيا لا تصان إلا بموازنة الحاجات والرغبات وبموازنة
النفقات والإيرادات، والتفريق بين الضرورات والكماليات، فقد حذّر الله تعالى من
عاقبة الإسراف وعدم الضبط فقال سبحانه "وَلَا تَجۡعَلۡ يَدَكَ
مَغۡلُولَةً إِلَىٰ عُنُقِكَ وَلَا تَبۡسُطۡهَا كُلَّ ٱلۡبَسۡطِ فَتَقۡعُدَ
مَلُومٗا مَّحۡسُورًا" فهكذا لام الناس معاذا على كرمه وتحسر هو على ماله وممتلكاته بسبب
عاطفته.
·
ومن العبر أن إذا أردت يحترمك الآخرون
ويدعمونك ويشفعون لك، فقدّم من نفسك ما يؤهلك لذلك، لا تلوم من تعذر ولا تتحسب على
من رفض، قبل أن تلوم نفسك لعدم تحصيلك ما يدعم طلبك وحاجتك.
· ومن العبر وجوب إدراك
السنن الكونية التي تتطلب الموازنة بين الأسباب المادية والروحية، والاستعداد
للطوارئ والمفاجآت، والبحث عن الفرص في كل مجال ممكن، فالعاطفة لا يُبنى عليها قرار
ولا يُفرّط في مصلحة لأجلها، وقناعتك بأنك على الحق وبأن مقصدك خير لا تنفعك كثيرا،
ولهذا لام الناس معاذا على عاطفته التي حملته على الاقتراض، وتحسر هو على ماله
وممتلكاته لأنه رضي الله عنه لم يراع تلك السنن الكونية التي تستلزم محاربة الهوى
ورغبة النفس، وتستوجب بذل الأسباب الممكنة لتحسين المعيشة وفق المستطاع، حتى ولو
كان في ذلك سفر وغربة وفراق الأحبة، ما لم يكن ثمة ضرر متحقق أو إضاعة لحق، أما
مجرد عاطفة فلا يلتفت لها، فمعاذ يخبره
النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ باحتمالية كبيرة في عدم لقياه مرة أخرى بالرغم
من ذلك الحبّ العظيم ومع ذلك يدفعه للسفر لتحسين معيشته، وهكذا يفترض في كل والد
أن يساهم في تحسين معيشة أولاده حتى بغربتهم، ما لم يكن ثمة ضرر وتعطل مصالح قائمة،
فالمصلحة أولى من العاطفة، والفرص قد لا تتكرر. وهذه حقيقة التقوى.
العاطفة سكنى للروح، ولكنها إن غلبت العقل فعطلت السُنن أضاعت السكينة وجلبت اللوم والحسرة. فوجب الحذّر من تغليب العاطفة على المصلحة المتيقنة، والحذر من مخالفة السنن الكونية، إذ العقل يجب أن يغلب القلب، والوعي يجب أن يغلب اللهو.
وفي الحديث عِبرٌ أخر تحتاج تأمل ونظر.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه والتابعين.
تعليقات
إرسال تعليق