بشائر على فرائض، من بشارات الله لمن صلى في جماعة، ولمن صلى الجمعة ولمن صلى النافلة في بيته.

يقول تعالى "وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ يُكَفِّرۡ عَنۡهُ سَيِّ‍َٔاتِهِۦ وَيُعۡظِمۡ لَهُۥٓ أَجۡرًا" وتقوى الله بذل الأسباب في تحصيل رضاه والعاقبة فوز بعظيم الأجر.

إن مما تجب التقوى فيه، ورُتِبَ الأجرُ العظيم على بذل الأسباب فيه، ما أوجبه الله تعالى وألزم به وهو صلاة الجمعة وصلاة الجماعة.

تأمل في مسلمين يواجهون العدو يخافون هجومه المباغت عليهم، ومع ذلك يؤمرون بصلاة الجماعة، وتأمل رجلا كفيف البصر لا مساعد له، بينه وبين المسجد وادٍ كثير السباع والدواب يأتي لرسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يستأذنه في الصلاة في بيته، فيرفض عليه الصلاة والسلام طلبه لأنه يسمع الأذان، فكيف بدعوى من هو آمن مطمئن وبجوار المسجد ولا مؤذي له في طريقه؟

ولا تنس رعاك الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كما في الحديث المشهور قد همّ بتحريق بيوت من لا يحضر صلاة الجماعة وما منعه عن ذلك إلا وجود الأطفال والنساء الذين لا تكليف عليهم بها.

 عَنْ بُسْرُ بْنُ مِحْجَنٍ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّهُ كَانَ فِي مَجْلِسٍ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأُذِّنَ بِالصَّلَاةِ، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَصَلَّى ثُمَّ رَجَعَ وَمِحْجَنٌ فِي مَجْلِسِهِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ: «مَا مَنَعَكَ أَنْ تُصَلِّيَ مَعَ النَّاسِ، أَلَسْتَ بِرَجُلٍ مُسْلِمٍ؟» قَالَ: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَلَكِنِّي كُنْتُ قَدْ صَلَّيْتُ فِي أَهْلِي، فَقَالَ لَهُ: «إِذَا جِئْتَ فَصَلِّ مَعَ النَّاسِ وَإِنْ كُنْتَ قَدْ صَلَّيْتَ» أحمد والحاكم وصححه الألباني. لقد استعظم عليه الصلاة والسلام عدم دخوله مع الجماعة في الصلاة وشدد في الإنكار عليه بإظهار استغرابه أن يكون مسلما ويفعل هذا!

وهنا تنبيه يحسن إيراده حيث يكثر وقوعه، فمن دخل مسجدا لصلاة الجنازة وهو قد صلى في مسجد آخر، فيفترض أن يتأخر في الدخول حتى ينتهوا من صلاتهم أو يدخل معهم فتكون له نافلة، أما الدخول والجلوس والناس يصلون فيمثل صورة ليست باللائقة بمسلم، ولا أملك القول بالتحريم، ولكن فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم مع مثلهم يوجب الحذر.

في الحديث الصحيح قال صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن ربه عزّ وجلّ: وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ، وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ. البخاري.

ولأن صلاة الجماعة فريضة كما أن الصلاة ذاتها فريضة، فإن الله تعالى قد أعدّ لمن تقرب إليه بصلاة الجماعة فضلا عظيما، جاءت البشارات به. وأول هذه البشائر هي بشاشة الله تعالى، قال صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "لَا يَتَوَضَّأُ أَحَدُكُمْ فَيُحْسِنُ وُضُوءَهُ وَيُسْبِغُهُ، ثُمَّ يَأْتِي الْمَسْجِدَ، لَا يُرِيدُ إِلَّا الصَّلَاةَ فِيهِ، إِلَّا تَبَشْبَشَ اللَّهُ إِلَيْهِ كَمَا يَتَبَشْبَشُ أَهْلُ الْغَائِبِ بِطَلْعَتِهِ". أحمد وابن ماجة والحاكم وابن حبان وصححه الألباني.

ويا ترى من كان مضيفه يستقبله ببشاشة فهل سيترك شيئا ممكن إكرامه به ولا يقدمه؟ ترى ما هي الكرامة التي سيكرم الله بها الساعي لصلاة الجماعة؟

إنّ مما يُكرّم به قاصد المسجد:

ما بشّر به النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بقوله: "مَن غدَا إلى المسجدِ وراحَ، أعَدَّ اللهُ له نُزُلَه من الجنَّةِ كلَّما غدَا أوْ راحَ". البخاري

وما بشّر به صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بقوله: "بَشِّرِ المَشائينَ في الظُّلَمِ إلى المساجدِ بالنورِ التَّام يومَ القيامة" أبو داود والترمذي وابن خزيمة وصححه الألباني

وما بشّر به صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من أن الملائكة تصحب الساعي لصلاة الجماعة فقال صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إذا توضأ فأحسنَ الوضوءَ، ثم خرج إلى المسجد لا يُخرِجه إلا الصلاةُ، لم يخطُ خُطوةً إلا رُفِعَت له بها درجةٌ، وحُطَّ عنه بها خطيئةٌ، فإذا صلّى لم تزل الملائكة تُصلّي عليه، ما دام في مصلاّهُ: اللهم صلِّ عليه، اللهم ارْحَمْه، "اللهمّ اغفر له، اللهم تُبْ عليه؛ ما لم يؤذِ فيه، ما لم يُحدِثْ فيه" ولا يزالُ في صلاةٍ ما انتظرَ الصلاةَ".

 وبشّر صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ المصلي جماعة بقوله: «صَلَاةُ الرَّجُلِ فِي الْجَمَاعَةِ تَزِيدُ عَلَى صَلَاتِهِ وَحْدَهُ سَبْعًا وَعِشْرِينَ» مسلم. وأعظم البشارات هي حُبّ الله لمن تقرب إليه بصلاة الجماعة.

فواجب التخطيط والعزم على الفوز بهذه الكرامات، ومن ذلك التخطيط والعزم: الاستعداد للصلاة بأخذ الزينة وطيب الرائحة والتبكير قبل الإقامة والمشي بسكينة وذِكرٍ.

قال صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: وأُحَدِّثُكُمْ حَدِيثاً فاحْفَظُوهُ إنَّما الدُّنْيا لأَرْبَعَةِ نَفَرٍ: عَبْدٍ رَزَقَهُ الله مَالا وعِلْماً فَهُوَ يَتَّقِي فِيهِ رَبَّهُ وَيَصِلُ فِيهِ رَحِمَهُ ويَعْمَلُ لله فِيهِ حَقاً فَهَذا بأَفْضَلِ المَنازِلِ وَعَبْدٍ رَزقَهُ الله تَعالى عِلْماً ولَمْ يَرْزُقْهُ مَالا فَهُوَ صادِقُ النِّيَّةِ يَقُولُ: لَوْ أنَّ لِي مَالا لَعَمِلْتُ بِعَمَلِ فُلانٍ فَهُوَ بِنِيَّتِهِ فأَجْرُهُما سَواءٌ. الحديث. أحمد والترمذي وصححه الألباني. وعلى هذا فالعلم والنية هما مدار الحكم، والعاجز والمعذور يعامل وفق نيته الصادقة، ولعل كل مسلمة علمت هذا الثواب لصلاة الجماعة وتمنت الفوز به وأدت مهمتها بإعانة أفراد أسرتها، أنها تفوز بهذا الثواب فضلا من الله وكرامة، ففضل الله سابغ عظيم ولا يُحرم منه من عذره الله. 

  وأما صلاة الجمعة فالإجماع على وجوبها لقوله تعالى "يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَوٰةِ مِن يَوۡمِ ٱلۡجُمُعَةِ فَٱسۡعَوۡاْ إِلَىٰ ذِكۡرِ ٱللَّهِ وَذَرُواْ ٱلۡبَيۡعَۚ ذَٰلِكُمۡ خَيۡرٞ لَّكُمۡ إِن كُنتُمۡ تَعۡلَمُونَ"

فاسعوا أمرٌ ملزمٌ ومع ذلك فهو خير. ولئن حُرّمَ البيع والشراء بعد النداء الثاني، فكيف بغيره من المتع واللهو؟

عَنِ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِذَا كَانَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ، قَعَدَتِ الْمَلَائِكَةُ عَلَى أَبْوَابِ الْمَسْجِدِ، فَكَتَبُوا مَنْ جَاءَ إِلَى الْجُمُعَةِ، يكتبون الأوَّل فالأوَّل، فَإِذَا خَرَجَ الْإِمَامُ، طَوَتِ الْمَلَائِكَةُ الصُّحُفَ، وَدَخَلَتْ تَسْتَمِعُ الذِّكْرَ» ابن خزيمة وابن ماجة والنسائي وأصله في صحيح مسلم.

فيا ترى كم من الفضل حرم المتأخر نفسه؟ ولئن كانت الملائكة الكرام تطوي صحفها وتدخل لاستماع الخطبة فواجب العناية بالتبكير، كما يجب على الداخل للمسجد متأخرا والمؤذن ينادي النداء الثاني لصلاة الجمعة، يجب عليه المبادرة لأداء تحية المسجد وعدم انتظار فراغ المؤذن، لأن استماع الخطبة أهمّ وأعظم وأولى من الترديد مع المؤذن هذه اللحظة.

قال عليه الصلاة والسلام: فَصَلُّوا أَيُّهَا النَّاسُ فِي بُيُوتِكُمْ، فَإِنَّ أَفْضَلَ الصَّلاَةِ صَلاَةُ المَرْءِ فِي بَيْتِهِ إِلَّا المَكْتُوبَةَ» البخاري. فمن وجد في نفسه تمكنا من أداء النوافل الرواتب في البيت فليفعل فهو خير له، ومن صلى النافلة في البيت فجميلٌ أن يدعو أهله لأداء الفريضة خلفه يأتمون به، هو في نافلة وهم في فريضة، فينالون جميعا فضل صلاة الجماعة وأجر أفضل صلاة غير مكتوبة. وإن أعطي الصغار من الرجال مجالا للإمامة في البيوت كان خيرا على خير.

صلاة الجماعة واجبة ومن التفريط التهاون فيها نوما وكسلا، وقد أعدّ الله تعالى للمصلي جماعة في المسجد كرامة تليق بالمضيف جلّ وعلا ويستحقها الساعي جهده لعمارة بيوت الله تعالى، كرامة من إضاعة العمر سدى إضاعتها وعدم العناية بتحصيلها. فلنكن عونا لبعضنا على أداء هذه الفريضة كما أحب جلّ وعلا، وَوِفقَ ما علّمنا رسول الله حبيبنا وسيدنا عليه صلاة الله وسلامه.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

التقوى والتوبة سببان لأداء أمانة الوصول إلى الجنّة

المسلم وشدّ البنيان الإيماني أو هدمه

يوم عاشوراء يوم التوحيد، يوم العلم والعمل، يوم الصبر والتفاؤل