الوطن الآمن نعمة يجب شكرها لتستدام وتنمو
الحمد لله الغني الكريم، سابغ الفضل والعطاء لا معطي لما منع ولا مانع لما أعطى وهو الوليّ الحميد، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، وأشهد أن محمد بن عبد الله عبده ورسوله إمام المرسلين وسيد الأولين والآخرين صلى الله عليه وعلى آله وصحبه والتابعين. وبعد عباد الله فيقول ربنا تبارك وتعالى "بَلَىٰۚ مَنۡ أَوۡفَىٰ بِعَهۡدِهِۦ وَٱتَّقَىٰ فَإِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلۡمُتَّقِينَ" ويقول سبحانه "وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلۡمُتَّقِينَ" يُبين تعالى حبه للمتقين وولايته ومعيته سبحانه لهم، كي يثبتوا على تقواهم ويطمئنوا على حالهم ومستقبلهم، وكي يحذر كل من يحاربهم بأن الله حائل بينه وبين المتقين.
وتتأكد التقوى عباد الله فيما توفر
وتيسر من النعم، كنعمة الهداية للتوحيد والسُنّة، ونعمة الحياة الآمنة المطمئنة، وإن
أعلى مقامات العباد مقام الشاكرين، فالشاكرون هم أقرب الناس إلى الله، وهم أحق
الناس برضا الله، وهم الموعودون بولاية الله المستحقون تزايد فضله جلّ في علاه.
وإن المؤمن الشاكر هو الذي عرف نعم الله واعترف
بها، فرعاها واستعان بها على طاعة الله.
وإن من نعم الله علينا، نعمة هذا الوطن
الآمن المستقر، الممتثل أهله قول الله تعالى "وَٱعۡتَصِمُواْ
بِحَبۡلِ ٱللَّهِ جَمِيعٗا وَلَا تَفَرَّقُواْۚ وَٱذۡكُرُواْ نِعۡمَتَ ٱللَّهِ
عَلَيۡكُمۡ إِذۡ كُنتُمۡ أَعۡدَآءٗ فَأَلَّفَ بَيۡنَ قُلُوبِكُمۡ فَأَصۡبَحۡتُم
بِنِعۡمَتِهِۦٓ إِخۡوَٰنٗا وَكُنتُمۡ عَلَىٰ شَفَا حُفۡرَةٖ مِّنَ ٱلنَّارِ
فَأَنقَذَكُم مِّنۡهَاۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمۡ ءَايَٰتِهِۦ
لَعَلَّكُمۡ تَهۡتَدُونَ"
يأمر الله تعالى بالاعتصام بكتابه وسنة رسوله، ويأمر جلّ جلاله بالتأمل
والتفكر لمعرفة ما تم تحصيله من وراء هذا الاعتصام، وما نتمتع به اليوم هو بعضا من
فضائل هذا الاعتصام.
يدعونا جلّ وعلا للتأمل فيمن حولنا "وَلَقَدۡ
أَهۡلَكۡنَا مَا حَوۡلَكُم مِّنَ ٱلۡقُرَىٰ وَصَرَّفۡنَا ٱلۡأٓيَٰتِ لَعَلَّهُمۡ
يَرۡجِعُونَ" وإنما أهلكهم الله بسبب شركهم إما تقربا للأوثان
وإما طاعة عمياء في معصية للخالق جلّ وعلا، فتركهم سبحانه لمن أشركوه، الذي زرع
بينهم الفرقة والتنافر وتتبع المصالح الخاصة، لتختلف القلوب وتغلب الأهواء وتستباح
الأموال والدماء، ومن ثمّ التخلف عن الركب الحضاري في مرحلة فريدة كلٌ فيها يسابق
الزمن.
يقول سبحانه "وَفِيٓ
أَنفُسِكُمۡۚ أَفَلَا تُبۡصِرُونَ" إن التأمل والتفكر يكشف الأضداد
وبضدها تتبين الأشياء. نتفكر كيف كانت بلادنا؟ وكيف عاش أهلنا؟ وما الذي كان يمكن
أن يكون لولا هذه النعمة في الاجتماع والاعتصام بحبل الله؟ تأمل في قريش يمتنّ
الله عليهم بما وهبهم من أمن وهم في تلك البلدة الصغيرة، وبما سخر لهم من الطعام
يستوردونه مرتين في السنة! فقال سبحانه "لِإِيلَٰفِ
قُرَيۡشٍ إِۦلَٰفِهِمۡ رِحۡلَةَ ٱلشِّتَآءِ وَٱلصَّيۡفِ فَلۡيَعۡبُدُواْ رَبَّ
هَٰذَا ٱلۡبَيۡتِ ٱلَّذِيٓ أَطۡعَمَهُم مِّن جُوعٖ وَءَامَنَهُم مِّنۡ خَوۡفِۢ" يُذكّرهم سبحانه بما يعيشونه من حال آمنة رغيدة حتى
صار عادة لهم لا يخشون انقطاعها، مبيناً سبحانه أنّ هذا فضلا منه وتوفيقا إذ هداهم
غليهم ويسّره لهم، داعيا إيّاهم للتفكر في ذلك وإلى عبادته جلّ جلاله كشكر لهذه
النعم. وهذه المنّة منه سبحانه والتذكير لقريش هي رسالة لنا ونحن نعيش هذه النعم
التي لا تحصى! فاستيراد الطعام وانتاجه يتم بشكل يومي وليس مرتين في السنة فضلا من
الله وتوفيقا وتيسيرا، ونعيش أمنا والبلاد مترامية الأطراف، كثير من بلاد العالم
تعيش أمنا، ولكنّه أمن في ظل وجود الرقيب أو طمعا في استدراج السائح الغريب، وهذا
سر تميز الأمن الموهوب من الله تعالى ففي الحديث الصحيح عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ
قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَجَاءَهُ
رَجُلَانِ أَحَدُهُمَا يَشْكُو الْعَيْلَةَ وَالْآخَرُ يَشْكُو قَطْعَ السَّبِيلِ.
فَقَالَ: "لَا يَأْتِي عَلَيْكَ إِلَّا قَلِيلٌ حَتَّى تَخْرُجَ الْمَرْأَةُ
مِنَ الْحِيرَةِ إِلَى مَكَّةَ بِغَيْرِ خَفِيرٍ، وَلَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى
يَطُوفَ أَحَدُكُمْ بِصَدَقَتِهِ فَلَا يَجِدُ مَنْ يَقْبَلُهَا، ثُمَّ لَيَفِيضُ
الْمَالُ، ثُمَّ لَيَقِفَنَّ أَحَدُكُمْ بَيْنَ يَدَيِ اللهِ لَيْسَ بَيْنَهُ
وَبَيْنَهُ حِجَابٌ يَحْجُبُهُ وَلَا تُرْجُمَانٌ فَيُتَرْجِمُ لَهُ، فَيَقُولُ:
أَلَمْ أُوتِكَ مَالًا؟ فَيَقُولُ: بَلَى، فَيَقُولُ: أَلَمْ أُرْسِلْ إِلَيْكَ
رَسُولًا: فَيَقُولُ: بَلَى، فَيَنْظُرُ عَنْ يَمِينِهِ فَلَا يَرَى إِلَّا
النَّارَ، وَيَنْظُرُ عَنْ يَسَارِهِ فَلَا يَرَى إِلَّا النَّارَ، فَلْيَتَّقِ
أَحَدُكُمُ النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْهَا فَبِكَلِمَةٍ
طَيْبَةٍ" يطوف كثير اليوم بصدقات من التمر والطعام فلا يجد من يقبلها إلا
نادرا، وهذا النادر يأخذه لا يريد أكله، بل بيعه وجمع ثمنه.
وإن من التقوى الجالبة لحب الله ومعيته
سبحانه وولايته لعباده ودفاعه عنهم، ومن الشكر لنعمة الوطن الآمن الرغيد، التقوى
في الكلمات التي تخرج منّا لفظا أو كتابة فيما يخص نعمة الله في الوطن ونعمة الله
في القادة المُحكّمين للشريعة المحاربين للشرك بكل صوره، وتقوى الله في الكلمات
المسموعة والمنقولة ضد الوطن وقادته التي تهدف لإيغار الصدور ونشر الفتن وتفرّق
الصف وتصنع الإحباط واليأس. نعتني بطِيبِ الكلام وبتجنب سيئه تعبدا لله وشكرا
لنعمه واستزادة من فضله. هدانا الله لأحسن الأخلاق وصرفنا عنّا سيئها وجعلنا هداة
مهتدين وغفر لنا في هذه الساعة أجمعين ووالدينا وأحبتنا وجميع المسلمين.
الحمد لله الولي الحميد ذي العرش المجيد
والصلاة والسلام على سيد الأولين
والآخرين وإمام الأنبياء والمرسلين سيدنا وإمامنا محمد بن عبد الله وعلى آله وصحبه
ومن والاه وبعد عباد الله فاتقوا الله في نعم الله وبالأخص نعمة هذا الوطن الفريد
بتوحيده لرب العالمين المتمتع بالرغد والعيش الآمن المقيم والمُتَطلَع إليه من
قِبل كثير من العَالَمين.
وإن من شكر الله على نعمه ورعايتها،
تعريف الناشئة بقيمة هذا الوطن وتفرده، وبتربيتهم على القيم الإسلامية النبيلة
التي تصنع سلامة القلوب وطيبها وطهارتها وحب الخير للغير، وتصنع الطموح وحُبّ
التميز في الخير، القيم التي تحول بين الشيطان وجنده لزرع الفتن وذلك بدفن الافتراءات
على الآخرين التي تنقلها وسائل التواصل والإعلام عموما أو يعرضها المغرضون في
مجالسنا من تُهم وتعريض بفساد الآخرين، وما كان من افتراءات ضد مصالحنا الخاصة
والعامة فمن باب أولى تدفن ولا تُنشر، ومما يحسن التنبيه عليه هو أن كل حديث عن
نوايا ومقاصد الآخرين فهو كذب صريح، وأن أي محادثة تُوجد في النفس نُفرة من
المُتحَدث عنه وكراهية له فإنما هي غيبة ونميمة عاقبتها الحرمان من الجنّة، من جنة
عدن ومن جنة الدنيا التي يتمتع بها المؤمنون محسنو الظنّ بربهم وبقادتهم
وبإخوانهم.
وإن من شكر نعمة الله بهذا الوطن
استغلال الفرص العامة كاليوم الوطني، للتعريف بالمناشط والمنجزات الوطنية وتفقد
الفرص المستقبلية للوطن والتخطيط مع الناشئة لفوزهم بها والرقي بأنفسهم وبوطنهم من
خلالها، وإن من كفر النعمة استغلال المواسم العامة لتشويه صورة المجتمع المسلم والإساءة
لمشاعرهم من خلال الخروج عن القيم العامّة وتجاوز الأعراف المجتمعية والتعدي على
المارّة ونحوهم بحجة الفرح بالوطن، أتمّ الله لنا المنّة وحفظ علينا النعمة وزادنا
من فضله ما يجعلنا من الصالحين المتقين الفائزين بولايته وبحبه.
ثم صلوا
وسلموا على أصدق الخلق عبادة لله وشكرا له، الموعود المنزلة العالية الرفيعة من
الجنّة، الواعد حسن الخلق كثير الصلاة عليه بمجاورته في الفردوس الأعلى من الجنّة.
اللهم صل
وسلم وزد وبارك على عبدك ورسولك سيدنا وإمامنا وحبيبنا محمد بن عبد الله وعلى آله
وصحبه ومن والاه وأعنّا ربنا على لزوم سنته والتمسك بها والدعوة إليها حتى نلقاك
وانت راض عنّا وحتى نلقاه على الحوض فيفرح بنا ونفرح به ونسير للجنة بصحبته.
تعليقات
إرسال تعليق