أولئك لهم الأمن
الأمن مطلب كل كائن حي، لأن الحياة مع الخوف والتهديد والاضطراب تجعل الحيّ في حالة مُزرية من الضعف والهوان والتقوقع على النفس، مما يتلف الحال ويعجّل بالفناء، بخلاف الحياة في ظل الأمن والاستقرار والطمأنينة، حيث يكون الإنسان كما يُفترض به كائنا حيّا مُؤثراً، يؤسس لحياةٍ جيّدةٍ متناميةٍ مستدامةٍ، حياةٌ ملئُها العزة والكرامة، حياةٌ لا تتغلب عليها ظروف الحياة الطارئة، ولا تستلم للتحديات التي لابد وأن تمرّ بكل كائن حيّ. يقول الله تعالى "ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَلَمۡ يَلۡبِسُوٓاْ إِيمَٰنَهُم بِظُلۡمٍ أُوْلَٰٓئِكَ لَهُمُ ٱلۡأَمۡنُ وَهُم مُّهۡتَدُونَ" اكتساب الحياة المجتمعية الآمنة المنتجة المستدامة يمرّ عبر هذه البوابة، بوابة الإيمان بالله تعالى.
الإيمان: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله،
واليوم الآخر، وبالقدر خيره وشره.
ولم يلبسوا: أي لم يخالطوا إيمانهم ولم
يلوثوه.
بظلم: أي بسلوك قولي أو عملي يخالف مقتضيات
ذلك الإيمان.
أولئك لهم الأمن وهم مهتدون: أي استحقوا
الأمن في الدنيا وفي الآخرة، أمنٌ من العذاب بسبب الذنوب والمعاصي، أمنٌ في
الدنيا، أمنٌ في البرزخ، أمنٌ يوم القيامة، وكذلك أمنٌ يُثبّتُ لله تعالى به عقول
وقلوب المؤمنين من أفكار الشيطان وجنده التي تُفرق المجتمع وتشوه الحياة وتفسدها
وتعطل مسيرتها.
بوابة الحياة السعيدة هي الإيمان، ومظلة
الحياة الآمنة هي الإيمان، وصناعة المستقبل المشرق يمرّ عبر الإيمان، والحياة
الإنسانية لا تكون إنسانية بدون إيمان.
لا أمن بدون إيمان، ولا اجتماع بغير إيمان،
ولا تآلف بعيدا عن الإيمان، فالإيمان هو الحياة كما أنه هو صانع الحياة، ولذلك
يسعى الشيطان وجنده على الناس لإفساد إيمانهم من خلال تزيين الفرقة والاختلاف ومن
خلال التسبب في الغفلة والإحباط واليأس والتقوقع على النفس، وبالتالي تفسد الحياة
ويضعف المجتمع ويتمزق الوطن، وهذه بغية كل شيطان. فبحماية الإيمان تُحمى الأوطان،
والإيمان يُحمى في النفس أولا ثم فيمن كلّفك الله مسئولية حماية إيمانه وفكره.
المرء ضعيف بنفسه قويٌ بإخوانه ممن يجمعه
بهم مجتمع واحد، فهؤلاء يُشكّلون منظومة عملٍ واحدة تُسمى الوطن. والوطنُ لا يمكن
أن يكون وطنا آمنا قوياً مستقرا صانعا للحياة الجيّدة إلا إذا أفراده اجتمعوا واتفقوا
واتحدوا تحت قيادة واحدة في العمل الموصل للهدف، وهو صيانة وحماية الإيمان بالله، من
خلال التكاتف والتعاون الجادّ في الالتزام بمتطلبات ومقتضيات هذا الإيمان، وبحماية
الإيمان مما يضرّه ويُفسده.
كثيرةٌ
هي الدول ذات القوة العسكرية والاقتصادية وتملك مقومات الاستدامة في كافة الجوانب،
ولكن شعبها يعيش حياةً بائسة صعبة شقية، والسبب عدم الإيمان وانتفاء مقتضياته في
مجتمعاتهم.
لقد أنعم الله تعالى علينا بالوجود في مجتمع
مؤمن وقيادة تشاركه الإيمان، والجميع في العموم ملتزم مقتضيات الإيمان ومتطلباته،
ولذا نجد الأمن هنا يتمتع به كل من عاش في هذا الوطن والتزم أسباب الأمن، ونتيجة
لهذا الأمن كانت الحياة في مجملها سعيدة وأصبح المستقبل السعيد المشرق محل ثقة من
الجميع ويتطلعون إليه بكل جد. فبقي عليهم حماية هذه الحياة الآمنة السعيدة المنتجة
من خلال الحفاظ على مقوماتها، وهي الإيمان ومتطلباته.
لما نزلت هذه الآية "ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَلَمۡ يَلۡبِسُوٓاْ
إِيمَٰنَهُم بِظُلۡمٍ أُوْلَٰٓئِكَ لَهُمُ ٱلۡأَمۡنُ وَهُم مُّهۡتَدُونَ"
أدرك الصحابة رضوان الله عليهم مضامينها
فخافوا على أمنهم وعلى حياتهم! وأي أمن كانوا يعيشونه؟ في الحديث لَمَّا نَزَلَتْ
عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ
حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ حَتَّى بَلَغَ {لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ}
قَالُوا: أَيْ رَسُولَ اللَّهِ عَنْ أَيِّ نَعِيمٍ نُسْأَلُ؟ إِنَّمَا هُمَا
الْأَسْوَدَانِ: الْمَاءُ وَالتَّمْرُ وَسُيُوفُنَا عَلَى رِقَابِنَا وَالْعَدُوُّ
حَاضِرٌ، فَعَنْ أَيِّ نَعِيمٍ نُسْأَلُ؟ قَالَ: إِنَّ ذَلِكَ سَيَكُونُ.
فإن قارنت نعيمهم ذاك الذي خافوا عليه مع
قلة دواعي ظلم الإيمان عندهم، بنعيمنا هذا الذي نعيشه اليوم وكثرة أسباب ظلم
الإيمان عندنا، تبين لك أننا أولى بالخوف على أمننا؟ لما نزل قول الله تعالى
"ٱلَّذِينَ
ءَامَنُواْ وَلَمۡ يَلۡبِسُوٓاْ إِيمَٰنَهُم بِظُلۡمٍ أُوْلَٰٓئِكَ لَهُمُ ٱلۡأَمۡنُ
وَهُم مُّهۡتَدُونَ" قالوا يا رسول
الله أيّنا لم يظلم نفسه؟ فقال عليه الصلاة والسلام ليس كما تقولون ألم تسمعوا قول
الله تعالى "وَإِذۡ قَالَ لُقۡمَٰنُ لِٱبۡنِهِۦ وَهُوَ يَعِظُهُۥ يَٰبُنَيَّ لَا
تُشۡرِكۡ بِٱللَّهِۖ إِنَّ ٱلشِّرۡكَ لَظُلۡمٌ عَظِيمٞ"
فالشرك ظلمٌ للنفس وظلمٌ للوطن. فوجب على
الجميع حماية أمنهم ورفع الظلم عنه من خلال صيانة إيمانهم وتوحيدهم، ودعم تلك
الحماية والصيانة بتجنب كبائر الذنوب، وبالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كلٌ وما تيسر
له ووفق حدود ما كُلِّف به. يقول تعالى "وَلَيَنصُرَنَّ ٱللَّهُ مَن يَنصُرُهُۥٓۚ
إِنَّ ٱللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ ٱلَّذِينَ إِن مَّكَّنَّٰهُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ
أَقَامُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَوُاْ ٱلزَّكَوٰةَ وَأَمَرُواْ بِٱلۡمَعۡرُوفِ
وَنَهَوۡاْ عَنِ ٱلۡمُنكَرِۗ وَلِلَّهِ عَٰقِبَةُ ٱلۡأُمُورِ" وقال تعالى واعداً عباده المؤمنين
وهم مؤمنون "وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنكُمۡ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ
لَيَسۡتَخۡلِفَنَّهُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ كَمَا ٱسۡتَخۡلَفَ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡ
وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمۡ دِينَهُمُ ٱلَّذِي ٱرۡتَضَىٰ لَهُمۡ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم
مِّنۢ بَعۡدِ خَوۡفِهِمۡ أَمۡنٗاۚ يَعۡبُدُونَنِي لَا يُشۡرِكُونَ بِي شَيۡٔٗاۚ
وَمَن كَفَرَ بَعۡدَ ذَٰلِكَ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡفَٰسِقُونَ وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ
وَءَاتُواْ ٱلزَّكَوٰةَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ لَعَلَّكُمۡ تُرۡحَمُونَ"
فيستحق المؤمنون الحياة الآمنة الرغيدة
السعيدة، المتمثلة في النصر والاستخلاف في الأرض وتمكين الدين والقيم من خلال
التزام أركان أربعة:
1.
الإيمان بالله وحده لا شريك له.
2.
إقامة الصلاة.
3.
إيتاء الزكاة.
4.
طاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وحقٌ على كل متمتع بالأمن حمايته، وحماية الأمن تكون
بحماية الإيمان وبحماية الفِكر من الأفكار المغرضة الناشرة للخلاف والفرقة، المنشئة
للخوف من المستقبل، المتعرضة للنوايا والمقاصد التي يصنعها الشيطان وجنده. قال شيخ
الإسلام ابن تيمية رحمه الله: فَمِنْ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ:
الْأَمْرُ بالائتلاف وَالِاجْتِمَاعِ وَالنَّهْيُ عَنْ الِاخْتِلَافِ
وَالْفُرْقَةِ، وَمِنْ النَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ إقَامَةُ الْحُدُودِ عَلَى مَنْ
خَرَجَ مِنْ شَرِيعَةِ اللَّهِ تَعَالَى. أ هـ رحمه الله.
أيها الأحبة يَقولُ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «سَيَكُونُ بَعْدِي هَنَاتٌ وَهَنَاتٌ، فَمَنْ رَأَيْتُمُوهُ
فَارَقَ الْجَمَاعَةِ أَوْ يُرِيدُ أَنْ يُفَرِّقَ بَيْنَ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَأَمْرُهُمْ جَمِيعٌ، فَاقْتُلُوهُ كَائِنًا
مَنْ كَانَ، فَإِنَّ يَدَ اللَّهِ مَعَ الْجَمَاعَةِ، وَإِنَّ الشَّيْطَانَ مَعَ
مَنْ فَارَقَ الْجَمَاعَةَ يَرْتَكِضُ» أبو داود
وابن حبان وأحمد وصححه الألباني والأرناؤوط وأصله في صحيح مسلم. والهنّات يراد بها
الفتن، ولا يُطلب منّا قتل المغرضين المفسدين، وإنما قتل كلماتهم وذلك بجعل
هواتفنا ومجالسنا مقابر لتلك الكلمات المغرضة، نحذفها عنّا حماية للدين وللوطن
وللمستقبل. إذ الكلمة المغرضة خطيرة والتحدث بها ونقلها سواء، فالناقل يُقرّ ما
نقل ويؤيده، قال تعالى: "وَلۡيَخۡشَ ٱلَّذِينَ لَوۡ تَرَكُواْ مِنۡ
خَلۡفِهِمۡ ذُرِّيَّةٗ ضِعَٰفًا خَافُواْ عَلَيۡهِمۡ فَلۡيَتَّقُواْ ٱللَّهَ
وَلۡيَقُولُواْ قَوۡلٗا سَدِيدًا" ويقول سبحانه "يَٰٓأَيُّهَا
ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَقُولُواْ قَوۡلٗا سَدِيدٗا يُصۡلِحۡ
لَكُمۡ أَعۡمَٰلَكُمۡ وَيَغۡفِرۡ لَكُمۡ ذُنُوبَكُمۡۗ وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ
وَرَسُولَهُۥ فَقَدۡ فَازَ فَوۡزًا عَظِيمًا إِنَّا عَرَضۡنَا ٱلۡأَمَانَةَ عَلَى ٱلسَّمَٰوَٰتِ
وَٱلۡأَرۡضِ وَٱلۡجِبَالِ فَأَبَيۡنَ أَن يَحۡمِلۡنَهَا وَأَشۡفَقۡنَ مِنۡهَا
وَحَمَلَهَا ٱلۡإِنسَٰنُۖ إِنَّهُۥ كَانَ ظَلُومٗا جَهُولٗا" الكلمة سبب صلاح الحال وصناعة
المستقبل، والوطن وأمنه وإيمانه أمانة حفظها بحفظ الكلمات الصادرة وبصد ومنع الكلمات
المفسدة للإيمان. فنصنع الأمن لنا ولأجيالنا القادمة بحفظ الإيمان في
نفوسنا وفي نفوس من تولينا رعايته وتربيته، هذه أمانتنا نؤديها كما أمر الله وأحبّ
سبحانه فتكون العاقبة لنا كما وعد جلّ جلاله وكما نحبّ. نسأل الله الإعانة
والتوفيق وأن يُظللنا بالأمن في أنفسنا وفي وطننا، وفي قبورنا ويوم مبعثنا، ونسأله
جلّ جلاله ان يجعل وطننا المملكة العربية السعودية وطنا آمنا مطمئنا محفوفا ومُظللا
بالخير والأمن والإيمان وسائر بلاد المسلمين، وأن يحفظ لنا قادتنا ويجعلهم هداة
مهتدين وسببا في عزّ الإسلام والمسلمين، وأن يغفر لنا ووالدينا وذرياتهم وسائر
أحبتنا وأن يجعلنا من السعداء المنعمين بفضائله وبرحماته وأن يغفر للمسلمين
والمسلمات، وأن يحفظ إخواننا المستضعفين في كل مكان وأن ينصرهم على عدوه وعدوهم
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
تعليقات
إرسال تعليق