جمال الحياة تبع لجمال الروح والقلب
الحمد لله الوليّ
الحميد العزيز الحكيم أشهد، أن لا إله إلا هو وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد
وهو على كل شيء قدير، وأشهد أن محمد بن عبد الله عبده ورسوله إمام المرسلين وسيد
الأولين والآخرين صلى الله عليه وعلى آله وصحبه والتابعين إلى يوم الدين وسلم
تسليما كثيرا وبعد عباد الله فاتقوا الله من خلال السعي لصلاح القلب وطهارته
ونظافته، فإن هذا القلب هو أداة صلاح الصلة بالله تعالى ومن ثَمَّ صلاح الحال في
الدنيا وفي الآخرة يقول ربنا تبارك وتعالى "وَلَيۡسَ
عَلَيۡكُمۡ جُنَاحٞ فِيمَآ أَخۡطَأۡتُم بِهِۦ وَلَٰكِن مَّا تَعَمَّدَتۡ
قُلُوبُكُمۡۚ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُورٗا رَّحِيمًا" ويقول
الحبيب المصطفى صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ اللهَ لَا يَنْظُرُ إِلَى
صُوَرِكُمْ وَأَمْوَالِكُمْ، وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ
وَأَعْمَالِكُمْ» مسلم. يقول سبحانه وتعالى "يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ
قُل لِّمَن فِيٓ أَيۡدِيكُم مِّنَ ٱلۡأَسۡرَىٰٓ إِن يَعۡلَمِ ٱللَّهُ فِي
قُلُوبِكُمۡ خَيۡرٗا يُؤۡتِكُمۡ خَيۡرٗا مِّمَّآ أُخِذَ مِنكُمۡ وَيَغۡفِرۡ
لَكُمۡۚ وَٱللَّهُ غَفُورٞ رَّحِيمٞ"
عباد الله
لقد أحبّ الله تعالى من عباده المؤمنين أن يكونوا في حياتهم الدنيا على حالهم يوم
يدخلون الجنّة، أو على الأقل أن يحاولوا أن يكونوا كذلك، يقول تعالى "إِنَّ ٱلۡمُتَّقِينَ
فِي جَنَّٰتٖ وَعُيُونٍ ٱدۡخُلُوهَا بِسَلَٰمٍ ءَامِنِينَ وَنَزَعۡنَا مَا فِي
صُدُورِهِم مِّنۡ غِلٍّ إِخۡوَٰنًا عَلَىٰ سُرُرٖ مُّتَقَٰبِلِينَ لَا يَمَسُّهُمۡ
فِيهَا نَصَبٞ وَمَا هُم مِّنۡهَا بِمُخۡرَجِينَ"
فهنا بيان ووعد منه جلّ جلاله بأن المتقين في جنات ونعيم وأمن تامّ وقلوبهم في
سلام ووئام تجاه الآخرين ومن الآخرين، وهذا تأكيد على أن سر الفوز بالسلام الداخلي
والعيش الهني والحفاظ على النعمة واستدامتها مهما كثرت التحديات وتأزمت ومهما كثر
الحسّاد والمتآمرون هو القلب الذي لا يحمل الحقد ولا يعرف الحسدُ إليه سبيلا. وحباً
للمؤمنين وعناية بهم وجمعا لقلوبهم، وقطعا لأسباب حرمانهم من تلك الصلة الجيدة
بالله تعالى وقطعا لأسباب فقدانهم للسلام الداخلي في أنفسهم قال تعالى "يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ
ءَامَنُواْ لَا يَسۡخَرۡ قَوۡمٞ مِّن قَوۡمٍ عَسَىٰٓ أَن يَكُونُواْ خَيۡرٗا
مِّنۡهُمۡ وَلَا نِسَآءٞ مِّن نِّسَآءٍ عَسَىٰٓ أَن يَكُنَّ خَيۡرٗا مِّنۡهُنَّۖ
وَلَا تَلۡمِزُوٓاْ أَنفُسَكُمۡ وَلَا تَنَابَزُواْ بِٱلۡأَلۡقَٰبِۖ بِئۡسَ ٱلِٱسۡمُ
ٱلۡفُسُوقُ بَعۡدَ ٱلۡإِيمَٰنِۚ وَمَن لَّمۡ يَتُبۡ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلظَّٰلِمُونَ
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱجۡتَنِبُواْ كَثِيرٗا مِّنَ ٱلظَّنِّ إِنَّ
بَعۡضَ ٱلظَّنِّ إِثۡمٞۖ وَ لَا تَجَسَّسُواْ وَلَا يَغۡتَب بَّعۡضُكُم بَعۡضًاۚ
أَيُحِبُّ أَحَدُكُمۡ أَن يَأۡكُلَ لَحۡمَ أَخِيهِ مَيۡتٗا فَكَرِهۡتُمُوهُۚ وَٱتَّقُواْ
ٱللَّهَۚ إِنَّ ٱللَّهَ تَوَّابٞ رَّحِيمٞ" ونبينا
وسيدنا وحبيبنا محمد بن عبد الله عليه صلوات الله وسلامه يقول: «إِيَّاكُمْ
وَالظَّنَّ، فَإِنَّ الظَّنَّ أَكْذَبُ الْحَدِيثِ، وَلَا تَحَسَّسُوا، وَلَا
تَجَسَّسُوا، وَلَا تَنَافَسُوا، وَلَا تَحَاسَدُوا، وَلَا تَنَاجَشُوا، وَلَا
تَبَاغَضُوا، وَلَا تَدَابَرُوا، وَلَا يَبِعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ، ولا
يَخْطُبُ الرَّجُلُ عَلى خِطْبَةِ أَخيهِ؛ حتَّى يَنْكِحَ أَوْ يَتْرُكَ. وَكُونُوا
عِبَادَ اللهِ إِخْوَانًا الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ، لَا يَظْلِمُهُ وَلَا
يَخْذُلُهُ، وَلَا يَحْقِرُهُ التَّقْوَى هَاهُنَا» وَيُشِيرُ إِلَى صَدْرِهِ
ثَلَاثَ مَرَّاتٍ «بِحَسْبِ امْرِئٍ مِنَ الشَّرِّ أَنْ يَحْقِرَ أَخَاهُ
الْمُسْلِمَ، كُلُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ حَرَامٌ، دَمُهُ، وَمَالُهُ،
وَعِرْضُهُ» متفق عليه. وقَالَ
صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ
فَوْقَ ثَلَاثِ لَيَالٍ، يَلْتَقِيَانِ فَيُعْرِضُ هَذَا وَيُعْرِضُ هَذَا،
وَخَيْرُهُمَا الَّذِي يَبْدَأُ بِالسَّلَامِ» متفق عليه. فما تهاجرا إلا لأجل خصومة وخلاف ومع
ذلك يسميه رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أخاه كما سمّى الله
تعالى الطائفتين المؤمنتين المتقاتلتين بالإخوة، وقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى
اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ مُسْلِمًا
فَوْقَ ثَلَاثِ لَيَالٍ، فَإِنَّهُمَا نَاكِبَانِ عَنِ الْحَقِّ مَا دَامَا عَلَى
صُرَامِهِمَا، وَأَوَّلُهُمَا فَيْئًا يَكُونُ سَبْقُهُ بِالْفَيْءِ كَفَّارَةً
لَهُ، وَإِنْ سَلَّمَ فَلَمْ يَقْبَلْ وَرَدَّ عَلَيْهِ سَلَامَهُ رَدَّتْ
عَلَيْهِ الْمَلَائِكَةُ وَرَدَّ عَلَى الْآخَرِ الشَّيْطَانُ، وَإِنْ مَاتَا
عَلَى صُرَامِهِمَا لَمْ يَدْخُلَا الْجَنَّةَ جَمِيعًا أَبَدًا» أحمد وابن حبان وصححه الألباني. ولا أظنه يخفى أن المقصود بالهجر هنا هو التباعد عند
المواجهة والذي يدفع إليه خصومة وخلاف وإحساس بالظلم، تباعد بين الأرواح لدرجة
أنهما يلتقيان ثم يعرضان عن بعضهما، وليس المقصود انقطاع التواصل بين ذوي الرحم أو
الأحبة بسبب ظروف الحياة ومشاغلها إذ الأمر مختلف جدا، والمعتبر هو ما في القلب والتصرف
حين اللقاء.
نسأل الله
رحمته وفضله وغناه لأنفسنا بالهدى والتقى والعفاف والغِنى، وبطهارة قلوبنا من
الشرك ومن الشك ومن كل ما حذّرنا منه، وبمغفرة للذنب دِقَهُ وجلّه علانيته وسره
وأن يغفر لوالدينا ووالديهم وللمسلمين والمسلمات الأحياء منهم والأموات.
الحمد لله
رب العالمين الملك البر الرحيم والصلاة والسلام على النبي البرّ الرحيم بأمته
الرؤوف بهم الحريص عليهم محمد بن عبد الله وعلى آله وصحبه ومن والاه وبعد عباد
الله فاتقوا الله واعلموا أن الله تعالى قد أمر بطهارة القلب ووعد عليها خيري
الدنيا والآخرة، وبيّن لنا ربنا سبحانه ونبينا الحبيب عليه الصلاة والسلام كيف
نفوز بهذه الطهارة كما في سبق من آيات وأحاديث، وأهمّ ذلك الطهارة من السخرية
والاحتقار وسوء الظنّ، فأكذب ما حدّثتك به نفسك أو حدّثك به أحد ما، هو الحديث عمّا
في نفوس الآخرين ومقاصدهم. وإن أحد ما كانت لك به صلة طيبة حدث منه خطأ ما، فلا
تجعل هذا الخطأ حجة للتدابر والهجران المذموم فإنه ليس بحجة ولا مبرر، وإنّ لنا في
قوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَخَيْرُهُمَا الَّذِي يَبْدَأُ
بِالسَّلَامِ» وفي قوله «وَأَوَّلُهُمَا فَيْئًا يَكُونُ سَبْقُهُ بِالْفَيْءِ
كَفَّارَةً لَهُ» تنبيه بأن المعرض لا خير فيه وأن ما كان كفّارة للذنب عند الله
فيجب أن يكون سببا لفتح صفحة جديدة في العلاقة بين الأحبة المتنافرَين.
يقول
تعالى "وَأَمَّا بِنِعۡمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثۡ" وإن من النعمة جميل الصلة بالأحبة وسابق المنفعة
بينهما، ولِقلبٍ طاهر فاضل حدّث نفسك بما سبق وكان بينكما من جميل صلة وحدّث نفسك
بما كان منك من خطأ، وتجاهل ما حدث من أخطاء يمكن علاجها ويمكن استمرار الحياة بالرغم
من حدوثها، أما ما لا يمكن معالجته فالبعد علاجه مع عدم الإعراض عند المواجهة
ودواعي السلام والمصافحة، فإن بهذا هدوء النفس وراحتها وسلامة العيش وهناءته
والتفرغ للعمل الصالح المصلح للدنيا وللآخرة، ولطهارة القلب وسلامته، انزع من قلبك
الغلّ ولا يشترط التنازل عن حقك الموعود عند ربك. ويقال ما خلا جسد من حسد ولكن
المؤمن يكفّ نفسه عن الشرّ ويُلجمها عن السير في السوء ويظهرها بمظهر حسن ويعايش
الناس بخلق حسن، كن عبداً لله تعالى أخا لعباه، فهذه أهمّ علامات وثمار طهارة
القلب ومن وراء ذلك بشارات بالخير في الدنيا وفي الآخرة.
أكثر
السلام على أحبتك وعلى من مررت بهم ممن عرفت وممن لم تعرف، فنشر هذه الكلمة،
السلام، سبب للسلامة من الآثام وللسلامة من ضغائن النفس وأحقادها وسبب للسلامة من
النار وأسبابها، وسبب لهدوء البيت وسكينته وطمأنينة أهله، قَالَ رَسُولُ اللهِ
صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا تَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى تُؤْمِنُوا،
وَلَا تُؤْمِنُوا حَتَّى تَحَابُّوا، أَوَلَا أَدُلُّكُمْ عَلَى شَيْءٍ إِذَا
فَعَلْتُمُوهُ تَحَابَبْتُمْ؟ أَفْشُوا السَّلَامَ بَيْنَكُمْ» مسلم. وقَالَ
صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "ما مِن مُسلِمَينِ يلتقيانِ، فيتصافحان،
إلا غُفِر لهُما قبلَ أن يَفْتَرِقا" أحمد وأبو داود وغيرهما وصححه الألباني وغيره.
وأكثر من
الصلاة والسلام على حبيبك محمد بن عبد الله فإن في ذلك ردّ منه عليك وصلاة من الله
ومن ملائكته عليك، وحسبك بهذا فضلا ونعمة سيغبطك عليه كل من رآك يوم القيامة وأنت أكثر
منه صلاة وسلاما على رسول الله. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
«إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَكْثَرُهُمْ عَلَيَّ صَلَاةً».
تعليقات
إرسال تعليق