الصلاة بين مدح ووعد ووعيد، وترغيب وترهيب.

 الحمد لله الملك العليّ العظيّم، واسع الفضل والعطاء، لا معطي لما منع ولا مانع لما أعطى وهو الوليّ الحميد، أشهد أن لا إله إلا هو العزيز الحكيم، وأشهد أن محمد بن عبد الله عبده ورسوله إمام المرسلين وسيد الأولين والآخرين صلى الله عليه وعلى آله وصحبه والتابعين وسلم تسليما كثيرا. وبعد عباد الله، فاتقوا الله وأطيعوه، وتقربوا إليه بما افترض عليكم وبما أحبّ منكم ودعاكم إليه، وتقربوا إليه جلّ جلاله بالحذر مما حذّركم من التفريط فيه، يقول تعالى "فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ فَيُوَفِّيهِمۡ أُجُورَهُمۡ وَيَزِيدُهُم مِّن فَضۡلِهِۦۖ وَأَمَّا ٱلَّذِينَ ٱسۡتَنكَفُواْ وَٱسۡتَكۡبَرُواْ فَيُعَذِّبُهُمۡ عَذَابًا أَلِيمٗا وَلَا يَجِدُونَ لَهُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ وَلِيّٗا وَلَا نَصِيرٗا" ويقول صلى الله عليه وسلم: "كُلُّ أُمّتي يَدْخُلُونَ الجنَّةَ إلا مَنْ أَبَى" قَالُوا: يَا رَسولُ الله! وَمَنْ يَأبَى؟ قَالَ: "مَنْ أطَاعَني دَخَلَ الجَنَّةَ، وَمنْ عَصَانِي فَقَدْ أبَى". البخاري.

عباد الله لأن الحياة قصيرة فإن من طبيعة الإنسان فيها مسابقة الزمان لتحقيق المعيشة الأجمل والأمتع، فتنقضي أوقاته وهو مشتت لم يحصّل كل مبتغا له، كلنا نتطلع للرزق بمختلف أنواعه من إعانة وهداية وصحة وعافية وسعة عيش ورضا وقرة عين، وربنا العزيز الحكيم لمّا خلقنا فقد عَلِمَ سبحانه آجالنا وحاجاتنا وضعفنا وقِلة حيلتنا، ولأنه تعالى أرحم بنا من أمهاتنا، فقد اختصر علينا طريق تحقيق ذلك الاحتياج الحياتي ويسّر أسباب ومتطلبات التوازن الروحي المحقق للسعادة وللحياة المتكاملة.

فدلّنا سبحانه ووجّهنا إلى البوابة التي جعلها جلّ وعلا مدخلا للخير علينا ومدخلنا إلى الخير كافة، ألا وهي بوابة الصلاة. فللصلاة نبّه جلّ وعلا ووعد، ومدح سبحانه ووعد، وحذّر جلّ جلاله وتوعد، فقال تبارك وتعالى منبها "وَأۡمُرۡ أَهۡلَكَ بِٱلصَّلَوٰةِ وَٱصۡطَبِرۡ عَلَيۡهَاۖ لَا نَسۡ‍َٔلُكَ رِزۡقٗاۖ نَّحۡنُ نَرۡزُقُكَۗ وَٱلۡعَٰقِبَةُ لِلتَّقۡوَىٰ" فهنا ينبّه جلّ وعلا إلى أنك لن تُرزق الرزق النافع لك ولأهلك ولن تقرّ عينك بهم بعيدا عن الصلاة، والأمر هذا يتطلب منك صبرا ومصابرة، وبحاجة لأمرٍ ولدعوةٍ بلطف وبحزم وبلا إفراط ولا تفريط وبلا تدليل ولا تنفير، وعناية بعياله وهم امرأة ورضيعها في صحراء قاحلة لا رفقة لهم ولا أثر لحياة حولهم، قال الخليل عليه السلام "رَّبَّنَآ إِنِّيٓ أَسۡكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيۡرِ ذِي زَرۡعٍ عِندَ بَيۡتِكَ ٱلۡمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ فَٱجۡعَلۡ أَفۡ‍ِٔدَةٗ مِّنَ ٱلنَّاسِ تَهۡوِيٓ إِلَيۡهِمۡ وَٱرۡزُقۡهُم مِّنَ ٱلثَّمَرَٰتِ لَعَلَّهُمۡ يَشۡكُرُونَ" الصلاة بوابة للألفة وللرزق وهي علامة شكر فكن وأسرتك من أهلها، ولأن مشاغل الحياة كثيرة ومصادر اللهو أكثر، وقليل من يدرك أولوية هذه العبادة ويستشعر قوة هذه الصِلة فقد امتدح جلّ وعلا قوما فقال عنهم "فِي بُيُوتٍ أَذِنَ ٱللَّهُ أَن تُرۡفَعَ وَيُذۡكَرَ فِيهَا ٱسۡمُهُۥ يُسَبِّحُ لَهُۥ فِيهَا بِٱلۡغُدُوِّ وَٱلۡأٓصَالِ رِجَالٞ لَّا تُلۡهِيهِمۡ تِجَٰرَةٞ وَلَا بَيۡعٌ عَن ذِكۡرِ ٱللَّهِ وَإِقَامِ ٱلصَّلَوٰةِ وَإِيتَآءِ ٱلزَّكَوٰةِ يَخَافُونَ يَوۡمٗا تَتَقَلَّبُ فِيهِ ٱلۡقُلُوبُ وَٱلۡأَبۡصَٰرُ لِيَجۡزِيَهُمُ ٱللَّهُ أَحۡسَنَ مَا عَمِلُواْ وَيَزِيدَهُم مِّن فَضۡلِهِۦۗ وَٱللَّهُ يَرۡزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيۡرِ حِسَابٖ" فمن حافظ على صلاة الجماعة في المساجد واقتطع من وقته وقتا للذكر والتسبيح والتلاوة في هذه المساجد فقد فاز بهذا المديح والثناء الإلهي واستحق العطاء الموعود، وتأمل فهذا الجزاء وهذه الزيادة هما رزق من الله يرزقه لمن تقرّب إليه بما يحبه سبحانه.

وحذّر جلّ جلاله وتوعد فقال "يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تُلۡهِكُمۡ أَمۡوَٰلُكُمۡ وَلَآ أَوۡلَٰدُكُمۡ عَن ذِكۡرِ ٱللَّهِۚ وَمَن يَفۡعَلۡ ذَٰلِكَ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡخَٰسِرُونَ" والمقصود بذكر الله هنا هو الصلاة، وأعظم الخسران خسران الثروة والقوة في وقت الحاجة إليها، أو خسران النفس بالنسيان فيخسر المتعة بها مع تيسرها واستمتاع الأسرة والرفقة بها، يخسرها لهوا عنها لأجل طلب المزيد منها أو يخسر نفسه بخسران ما هو أولى وأكبر وأنفع بسبب استمتاع عابث غير واع مدمر للفرصة وللصحة وللفكر وللثروة المُجمّعة. فالغفلة عن الصلاة سبب للخسارة مع توهم الكسب والغنيمة.

الصلاة عباد الله سبب رضا الله وبالتالي فهي بوابة الخير لعباد الله ومن أغلق دون نفسه هذه البوابة أو ضيّق مساحة الدخول منها، فبالتأكيد ضيّق على نفسه مصادر الرزق وأغلق دونه باب الرحمات وفتح على نفسه بابا من الشر لا قِبل له به عياذا بالله تعالى. أعيذ نفسي وإيّاكم وأحبتنا من كسل ولهو وعمل يصدّ عن ذكر الله ويجلب الخسران، واستغفر الله لي ولكم ولوالدينا والمسلمين والمسلمات.

 

الحمد لله الذي خلقنا ورزقنا وهدانا وبعث لنا خير أنبيائه ورسله محمد بن عبد الله عليه صلوات الله وسلامه، وبعد عباد الله فملحظ مهم يجب الانتباه إليه وهو قوله تعالى " فِي بُيُوتٍ أَذِنَ ٱللَّهُ أَن تُرۡفَعَ وَيُذۡكَرَ فِيهَا ٱسۡمُهُۥ يُسَبِّحُ لَهُۥ فِيهَا بِٱلۡغُدُوِّ وَٱلۡأٓصَالِ رِجَالٞ" وما دام في بيت الله رجال يسبحون ويذكرون ويصلون فبالتأكيد هناك ملائكة كرام تحضر تستمتع وتؤمن، فيجب التأدب في حضور الملائكة خُلقا وجلسة ورائحة واجتناب كل ما يُنفر الناس ويزعجهم وتشمئز منه أنفسهم، فإن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنوا آدم. ومعلوم أن مع حضور الملائكة تتنزل الرحمات وتُقبلُ الدعوات فلا تفوتوا السجدات بدعوات لكم ولوالديكم وذرياتكم وأزواجكم وأحبتكم.

عباد الله في صلاتنا نرجو رضا ربنا ومغفرة ذنوبنا، وأسباب المغفرة كثيرة ومن أهمها ما بيّنه الحبيب عليه الصلاة والسلام بقوله: "إذا قالَ أحدُكم: آمينَ، وقالتِ الملائكةُ في السماءِ: آمينَ، فوافقَت إحداهُما الأُخرى؛ غُفِرَ له ما تَقدَّم من ذنْبِه" البخاري. ومتى يوافق تأميني تأمين الملائكة؟ يقول عليه الصلاة والسلام: "إذا أمَّنَ الإمامُ فأَمِّنوا؛ فإن الملائكةَ تؤمِّن، فإنه مَن وافَقَ تأمينُهُ تأمينَ الملائكةِ غُفِرَ له ما تَقدَّم من ذنْبِه". متفق عليه. إذن انتبه لتأمين الإمام فأمنّ بعده وهو في جزء من الثانية يأخذ نَفَسَه بعد قوله ولا الضالين ثم يؤمن، كلها ثانية واحدة فقط فلا تستعجل فتفوتك موافقة تأمين الملائكة فتخسر فرصة عظيمة كانت سانحة متيسرة.

عباد الله بيوت الله هي أطهر البقاع على الأرض وهي أحب بقاع الأرض إلى الله، مدح الله روادها ووعدهم الخير والزيادة، فوجبت العناية بها في كل الجوانب نظافة وصيانة وتأدبا وحملا للصغار على الأدب فيها تعظيما لها، وفي مثل هذه الفترة من السنة حين تكثر التمور لدى الناس فإننا نجد البعض يتقرب بوضع ما فاض لديه من تمور في المساجد بُغية أكل الناس منها، والمشاهد أن الآكلين من التمر قلة قليلة والبواقي كثيرة، كثيرة، سرعان ما تتعفن مما يسبب امتهانا للنعمة وأذى للمصلين وللمساجد، وإحراجا لمنسوبي المساجد في التصرف بهذه البواقي، إضافة إلى أن الأنظمة المعنية بشؤون المساجد تمنع منعا باتا وضع التمور والأطعمة في المساجد وعند أبوابها، ومن أراد التصدق بتموره فالسبل عديدة وليست المساجد من ضمنها، ومثل التمور ما زاد من الكتب والنشرات فليست المساجد طريقا للتخلص منها، فانتبهوا لذلك وأعينوا إخوتكم منسوبي المساجد على صيانتها رعاكم الله وتقبل منكم.

عباد الله تذكروا تنبيه الله بالصلاة ومدحه للمصلين جماعة ووعوده لهم، فَفُوزا بها، وتذكروا تحذيره لمن لهى وفرّط في الصلاة فانجوا بأنفسكم مما توعد المفرطين به، اعتنوا بالصلاة وببيوت الله تفوزوا برضا الله وبوعوده العظيمة لعباده.

ثم صلوا وسلموا على من جعلت قرة عينه في الصلاة ومن كان إذا همّه أمرٌ واشتد به خطبٌ فزع إلى الصلاة، صلوا على حبيبكم محمد بن عبد الله فهذا أمر الله لكم، ولكم به وعدٌ منه سبحانه بأن يصلي عليكم أضعاف ما صليتم على حبيبه محمد

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

التقوى والتوبة سببان لأداء أمانة الوصول إلى الجنّة

المسلم وشدّ البنيان الإيماني أو هدمه

يوم عاشوراء يوم التوحيد، يوم العلم والعمل، يوم الصبر والتفاؤل