الاعتبار بشدة الحر، الجمعة 27/ محرم/ 1446
قال جلّ شأنه محذرا أعداءه "وَيُحَذِّرُكُمُ ٱللَّهُ نَفۡسَهُۥۗ وَإِلَى ٱللَّهِ ٱلۡمَصِيرُ" وقال محذرا عباده "يَوۡمَ تَجِدُ كُلُّ نَفۡسٖ مَّا عَمِلَتۡ مِنۡ خَيۡرٖ مُّحۡضَرٗا وَمَا عَمِلَتۡ مِن سُوٓءٖ تَوَدُّ لَوۡ أَنَّ بَيۡنَهَا وَبَيۡنَهُۥٓ أَمَدَۢا بَعِيدٗاۗ وَيُحَذِّرُكُمُ ٱللَّهُ نَفۡسَهُۥۗ وَٱللَّهُ رَءُوفُۢ بِٱلۡعِبَادِ" ومن رحمة الله بعباده ورأفته بهم وقد علم ضعف عزمهم وكثرة نسيانهم وغفلتهم أن يكثر من تحذيرهم وأن يرسل لهم ما يُذكّرهم، ومن تلك الرسائل الإلهية للمؤمنين هذا الحرّ الشديد، فإن لفحاته الحارّة وسمومه المؤذي لَيذكّر المؤمنين بقول الله تعالى "وَمَنۡ خَفَّتۡ مَوَٰزِينُهُۥ فَأُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ خَسِرُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ فِي جَهَنَّمَ خَٰلِدُونَ تَلۡفَحُ وُجُوهَهُمُ ٱلنَّارُ وَهُمۡ فِيهَا كَٰلِحُونَ" وكذلك بهذا الحرّ وسمومه يستذكر المؤمنون قُولَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "اشْتَكَتِ النَّارُ إِلَى رَبِّهَا، فَقَالَتْ: يَا رَبِّ أَكَلَ بَعْضِي بَعْضًا، فَأَذِنَ لَهَا بِنَفَسَيْنِ، نَفَسٍ فِي الشِّتَاءِ، وَنَفَسٍ فِي الصَّيْفِ، فَهْوَ أَشَدُّ مَا تَجِدُونَ مِنَ الْحَرِّ، وَأَشَدُّ مَا تَجِدُونَ مِنَ الزَّمْهَرِيرِ" متفق عليه. فإذا لفحتنا لفحة عابرة من هذا السموم المؤقت الذي ندرك قرب انتهائه، أدركنا شدة وخطورة سموم لافح لا حدّ لتخيل قسوته ولا مدى لتوقع نهايته، وحينها ندرك وجوب رعاية أنفسنا بالاستعاذة من العذاب السرمدي الذي توصل إليه خطوات الشيطان المزينة للفاحشة وللمنكر، لئن كانت هذه الشدة المناخية المُلَطّفة بحركة الهواء المستمرة مؤلمة لدرجة أن الجميع يحتمي عنها بشتى الطرق، فكيف سيكون الحال مع شدة مستمرة لا يُلطفها شيء ولا يحمي عنها شيء، بل وحتى رحمة الله قد فارقتها وحلّ محلها غضب ومقت منه جلّ جلاله، في جهنم عياذا بالله تعالى عذاب متواصل لا يقل عن سبعين سنة لأجل كلمة خاطئة عابرة، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «إِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ، مَا يَتَبَيَّنُ مَا فِيهَا، يَهْوِي بِهَا فِي النَّارِ، أَبْعَدَ مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ» وفي رواية "إن الرجل ليتكلم بالكلمة لا يريد بها بأسا، يهوي بها سبعين خريفا في النار". فكيف بخطيئة فعلية بشهوة مادية أو غريزية؟ وكيف بجناية على مسلم بغيبة أو نميمة؟ ولذا فحريٌ بالمؤمنِ العاقلِ السعيُ الآن للنجاة من ذلك العذاب، بالاعتبار بما يمرُّ به من أحوال ورسائل إلهية والانتباه من غفلاته التي صنعتها شهواته ولَهثه وراء مصالح مادية يجمعها لغيره.
مع هذا
الحر الشديد يستذكر المؤمنُ قَولَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ: «تُدْنَى الشَّمْسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْخَلْقِ، حَتَّى
تَكُونَ مِنْهُمْ كَمِقْدَارِ مِيلٍ فَيَكُونُ النَّاسُ عَلَى قَدْرِ
أَعْمَالِهِمْ فِي الْعَرَقِ، فَمِنْهُمْ مَنْ يَكُونُ إِلَى كَعْبَيْهِ،
وَمِنْهُمْ مَنْ يَكُونُ إِلَى رُكْبَتَيْهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَكُونُ إِلَى
حَقْوَيْهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُلْجِمُهُ الْعَرَقُ إِلْجَامًا» قَالَ: وَأَشَارَ
رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِيَدِهِ إِلَى فِيهِ. مسلم. ومن ذكر الله ذكّره
الله وأعانه على نفسه، فانتبه وبادر للتخلص من قيود الشهوات إلى صالح العمل كي يصنع
لنفسه بيئة تسعده حينما يَقدِمُ عليها، وكلنا قادم لما صنع وقدم لا محالة، وقد
يكون القدوم قريبا ونحن لا ندري. ولئن طال المقام بأكثر الخلق منتظرين الفصل والقضاء
بين الخلق فإن المؤمنَ المنقذَ لنفسه بالانتباه والاعتبار وصالح القول والعمل، تمر
عليه لحظات ذلك الموقف كأجمل اللحظات التي عاشها يقول الله سبحانه وتعالى "وُجُوهٞ يَوۡمَئِذٖ مُّسۡفِرَةٞ
ضَاحِكَةٞ مُّسۡتَبۡشِرَةٞ" ويقول جل شأنه "۞لِّلَّذِينَ أَحۡسَنُواْ ٱلۡحُسۡنَىٰ
وَزِيَادَةٞۖ وَلَا يَرۡهَقُ وُجُوهَهُمۡ قَتَرٞوَلَا ذِلَّةٌۚ أُوْلَٰٓئِكَ
أَصۡحَٰبُ ٱلۡجَنَّةِۖ هُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ"
وإن مما يجب العناية به هو تفقدُ نعم الله وشكرهُ عليها والعملُ على استغلالها لجلب المزيد منها ولصناعة بيئة مُسعدة مبهجة يوم نسكن قبورنا ويوم نبعث منها، ومن تلك النعم نعمة الكهرباء وأجهزة التكييف. عن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ كُنَّا نُصَلِّي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ e فِي شِدَّةِ الْحَرِّ فَإِذَا لَمْ يَسْتَطِعْ أَحَدُنَا أَنْ يُمَكِّنَ جَبْهَتَهُ مِنْ الْأَرْضِ بَسَطَ ثَوْبَهُ فَسَجَدَ عَلَيْهِ} مسلم. إذا سجد المؤمن اليوم تذكر هذا الحديث فعلم أن هذه البيئة الربيعية الجميلة اللطيفة التي يعيشها في عزّ حرارة الصيف إنما هي نعمة حظي بها وتمتع بها ابتلاء وامتحانا! هل يستغلها لشكر الله أم تكون سببا في الغفلة والصدّ عن طاعة الله؟ أم تكون سببا في سخط الله بالإسراف فيها والاستهانة بها؟ والجناية على الجسد بسوء استخدمها؟ "قَالَ هَٰذَا مِن فَضۡلِ رَبِّي لِيَبۡلُوَنِيٓ ءَأَشۡكُرُ أَمۡ أَكۡفُرُۖ وَمَن شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشۡكُرُ لِنَفۡسِهِۦۖ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيّٞ كَرِيمٞ"
في شدة الحرّ ولهيب
الشمس وقسوة الطقس يتبين المؤمن من ضده، فالمؤمن يتخذ من هذه الشدة سببا للتفاؤل
الحسن ولكثرة الحمد والشكر والبعد عن التذمر من الشمس والطقس لعلمه أن كل ذلك هو
بيد الله وبأمر الله وبتدبير الله فلا يؤذي الله بسب الدهر، وحينما يجد في الصيف ما
لذّ وطاب من الفواكه والتمور وعاطر الورود يدرك أن داخل كل شدة ومع كل مكروه خيرات
عدة تحتاج لمن يتأمل ويكتشف ما خفي فيتفاءل بالخير ويشكر الله ويسأله من فضله خير
العوض عمّا ظنّه فاته بسبب ذلك القَدَر الذي انزعج منه.
في الحر نستعيذ بالله
من جهنم ومن كل خطوة شيطانية صادّة عن طاعة وقاطعة للعلاقة مع الخالق جلّ وعلا،
ومع شدة الحر نشكر الله نعمه كلها وبالأخص نعمة الكهرباء والتكييف، وشكرها يكون في
تقنين استخدامها وعدم الاسراف فيها والاستعانة بها على جيد الصلة بالله تعالى. ومع
شدة الحر نكون متفائلين بأن الآخرة خير من الأولى، نتفاءل بأن عاقبة كل أمر هو خير
من حاضره ونسأل الله من فضله مغفرة ورحمة وعفوا وعافية وسعة رزق وعيشة سوية هانئة.
وصل اللهم وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وصحبه والتابعين
تعليقات
إرسال تعليق