اصنع مستقبلك الجميل بجميل الصلة بوالديك

 قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُبْسَطَ لَهُ فِي رِزْقِهِ، وَيُنْسَأَ لَهُ فِي أَثَرِهِ فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ» رواه مسلم. وقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَا مِنْ ذَنْبٍ أَجْدَرُ أَنْ يُعَجِّلَ اللَّهُ لِصَاحِبِهِ الْعُقُوبَةَ فِي الدُّنْيَا، مَعَ مَا يَدَّخِرُ لَهُ فِي الْآخِرَةِ، مِنَ الْبَغْيِ وَقَطِيعَةِ الرَّحِمِ». رواه أبو داود وابن ماجة والترمذي وصححه الألباني والأرناؤوط. وأهم ذوي الرحم وأولاهم بالصلة هما الوالدان فهما رابطة هذا الرحم وهما سببه، ومما عرفه الناس بتجاربهم أن برّ الوالدين عمل سريع الأثر على الولد في روحه وهدوءه وطمأنينته وفي رزقه ومستقبل حياته. وبرّ الوالدين أيا كانوا هو سلوك المنيبين الأوابين المقربين وقال تعالى "وَإِن جَٰهَدَاكَ عَلَىٰٓ أَن تُشۡرِكَ بِي مَا لَيۡسَ لَكَ بِهِۦ عِلۡمٞ فَلَا تُطِعۡهُمَاۖ وَصَاحِبۡهُمَا فِي ٱلدُّنۡيَا مَعۡرُوفٗاۖ وَٱتَّبِعۡ سَبِيلَ مَنۡ أَنَابَ إِلَيَّۚ ثُمَّ إِلَيَّ مَرۡجِعُكُمۡ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ" قال أبو الليث السمرقندي: لو لم يذكر الله تعالى في كتابه حرمة عقوق الوالدين، ولم يوص بهما، لكان يعرف بالعقل أن خدمتهما واجبة. وقال ابن عباس: ما من مسلم له أبوان فيصبح ويمسي وهو محسن لهما إلا فتح الله له بابين من الجنّة. وتأمل رعاك الله قول الله سبحانه "وَوَصَّيۡنَا ٱلۡإِنسَٰنَ بِوَٰلِدَيۡهِ حُسۡنٗاۖ وَإِن جَٰهَدَاكَ لِتُشۡرِكَ بِي مَا لَيۡسَ لَكَ بِهِۦ عِلۡمٞ فَلَا تُطِعۡهُمَآۚ إِلَيَّ مَرۡجِعُكُمۡ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ" وصيةٌ منه سبحانه بالوالدين حتى في أقصى مراحل ابتعاد الإنسان عن ربه بالشرك، وصيةٌ بالإحسان والصحبة الجيدة لهما حتى وهما بعيدان عن الله محاربين له بالشرك وبممارسة ضغوط كبيرة على ابنهما المسلم كي يشرك بالله، ومن لم يدرك من هذه النصوص عظمة الوالدين وعظمة أثرهما في حياة ولدهما سواء اكان ابنا أم ابنة فاحكم على إدراكه وفهمه بالقصور والسوء.

وحين الحديث عن أثر الوالدين في حياة ولدهما فلابد من التعريج والإشارة لخبرين عظيمين في الحياة الإنسانية أولهما قصة جُريجٍ العابد الثابتة في الصحيح، رجلٌ من بني إسرائيل زكيٌ تقيٌ متعبدٌ لله تعالى، قد انقطع عن الناس للعبادة في صومعة في الخلاء، تأتيه أمه تناديه وهو يصلي، فيستمر في صلاته ويترك أمه، لأنه كان يرى أن الاستمرار في الصلاة أهمّ من الاستجابة لرغبة أمه في حديث مكرر معروف، ويتكرر الحدث ثلاث مرات، تأتيه تناديه ويستمر في صلاته، وبعد الثالثة تغضب أمه فتدعو عليه أن يرى وجوه المومسات، فقال الله وجبت، مع أنه كان يصلي، إذ من الدعاء الذي لا يُرد دعاء الوالد على ولده، قال عليه الصلاة والسلام: «ثَلَاثُ دَعَوَاتٍ مُسْتَجَابَاتٌ لَا شَكَّ فِيهِنَّ: دَعْوَةُ الْمَظْلُومِ، وَدَعْوَةُ الْمُسَافِرِ، وَدَعْوَةُ الْوَالِدِ عَلَى وَلَدِهِ» رواه احمد والترمذي وابن حبان وصححه الألباني. وهنا ملحظ مهم بالغ الأهمية وهي الحذر من مشاعر الوالدين السيئة وضرورة استغلال مشاعرهما الطيبة، فإن المشاعر باعثة على الدعاء، فاصنع مشاعرهما السعيدة لتبعث دعائهما الطيّب المُسعِد لك ولأسرتك. وكذلك حين الحديث عن الوالدين وأثرهما في صناعة حياة ولدهما، لابد من الإشارة لخبر أوس القرني. فحينما بدأت طلائع الفتح الإسلامي وبدأت القبائل تُمِدّ الجيشَ المسلم بالرجال في عهد الفاروق أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان رضي الله عنه كلما جاءت قبيلة من اليمن، واليمن ذلك الوقت يطلق على كل المناطق الواقعة جنوب مكة جهة الركن اليماني من الكعبة، كلما جاءت قبيلة من اليمن يسأل: أفيكم أويس بن عامر، رجل يحقره قومه حتى أنه إنما يٌعرف بتصغير اسمه، ويظل عمر يسأل والناس لا تعرف، حتى قيل له ذات يوم: هو معنا، ولكنه عند الإبل يحرسها! ترى ماذا يريد القائد العام أمير المؤمنين من رجل لا يُعرف ولا يُؤبه له؟ وما الذي يجعل عمر على جلالة قدره يهتمّ له ويسأل عنه؟ فيفاجئون بعمر ينطلق إليه مباشرة في ذهول من الجميع مع أنه كان بإمكانه أن يقول ادعوه فليأت إليّ، فهو مجرد حارس وهذا أمير المؤمنين.

عَنْ أُسَيْرِ بْنِ جَابِرٍ، قَالَ: كَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ إِذَا أَتَى عَلَيْهِ أَمْدَادُ أَهْلِ الْيَمَنِ، سَأَلَهُمْ: أَفِيكُمْ أُوَيْسُ بْنُ عَامِرٍ؟ حَتَّى أَتَى عَلَى أُوَيْسٍ فَقَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَقُولُ: «يَأْتِي عَلَيْكُمْ أُوَيْسُ بْنُ عَامِرٍ مَعَ أَمْدَادِ أَهْلِ الْيَمَنِ، مِنْ مُرَادٍ، ثُمَّ مِنْ قَرَنٍ، كَانَ بِهِ بَرَصٌ فَبَرَأَ مِنْهُ إِلَّا مَوْضِعَ دِرْهَمٍ، لَهُ وَالِدَةٌ هُوَ بِهَا بَرٌّ، لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللهِ لَأَبَرَّهُ، فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ يَسْتَغْفِرَ لَكَ فَافْعَلْ» فَاسْتَغْفِرْ لِي، فَاسْتَغْفَرَ لَهُ، الحديث. رواه مسلم. عمر الذي قال له النبي صلى الله عليه وسلم: لا تنسانا من دعائك يا أخي لما أراد العمرة، يطلب من هذا الرجل أن يستغفر له! لا يسع المقام للتفصيل، ولكن اعلم أن بره بأمّه كان سبب حرمانه من صحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم وحرمانه من الجهاد معه عليه الصلاة والسلام فما زاده ذلك إلا رفعة عند الله وقبولا حتى أن النبي صلى الله عليه وسلم بشّر به ودعا لاستغلال دعوته، وما ذاك إلا لأنه كان بارّا بأمّه، فخذّ الدرس وقدّم برّ والديك على كل شيء، يُقدّمك الله ويقدم لك كل خير. واحرص على كسب دعاء والديك بصناعة مشاعرهما السعيدة، وعليك اكتشاف مشاعرهما التي يخفيانها حبا لك وكراهية إزعاجك اكتشفها حتى لا يتكدرا في وجودك أو بسببك فتتكدر حياتك. وإن واجهت بارّا بوالديه فاحرص على كسب دعائه فثمة فرصة للخير والسعادة لا تعوّض. 

عبد الله إن بررت بوالديك منذ نشأتك فهنيئا لك، وإن أخطأت في حقهما وقصرت في برهما، فلم يغلق الله تعالى الباب في وجهك ما دمت حيّا، فتدارك الفرصة وبرّهما بما تعلم أنه يفرحهما حتى ولو رحلا، ارجع لربك فيهما ما دمت حيا قادرا فالتوبة من الذنب معها أولى الذنوب بالتوبة والله تعالى يقول "رَّبُّكُمۡ أَعۡلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمۡۚ إِن تَكُونُواْ صَٰلِحِينَ فَإِنَّهُۥ كَانَ لِلۡأَوَّٰبِينَ غَفُورٗا"، وثّق وتأكد بأن الفرح ينتظرك بفرحهما. عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: جِئْتُ لِأُبَايِعَكَ، وَتَرَكْتُ أَبَوَيَّ يَبْكِيَانِ، قَالَ: «فَارْجِعْ إِلَيْهِمَا فَأَضْحِكْهُمَا كَمَا أَبْكَيْتَهُمَا» وَأَبَى أَنْ يُبَايِعَهُ، رواه أحمد وابن حبان والنسائي وصححه الألباني. ذلك أن خطر الذنب بحقهما قد يعمّ الجيش بأكمله.

بُنيّ وأخيّ أيها الشاب المتطلع للمستقبل الجميل، مع بداية عام جديد اصنع لك حياة جديدة ملؤها الرضا والسعادة وهناء العيش من خلال والديك، وبالأخص أمّك، وبالأخص حينما ترى منهما خطأ وقسوة فإن مبعث تصرفاتهما معك هو عاطفتهما ورجاء الخير لك، واعلم علم اليقين أنهما أكثر الخلق حرصا عليك ورعاية لك واهتماما بأسباب سعادتك، ولن تجد حبا كحبهما ولا عطفا كعطفهما ولا خوفا عليك مثل خوفهما، ولن تجد من يكتم مشاعره تجاهك مثلهما فلم يعتادا التعبير عن مشاعر الحب ويكرهان إزعاجك بمشاعرهما، فاكتشف أنت مشاعرهما في خدماتهما لك واهتمامهما بك، وكن لهما خيرا منهما معك، فالسلوك هو ما يكشف حقيقة ما في القلوب، والعاقبة يصنعها القلب ومشاعره. أحسن الصلة بهما واصنع سعادتك بسعادتهما فهما أعظم وأيسر أسباب الرزق والسعادة "۞وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعۡبُدُوٓاْ إِلَّآ إِيَّاهُ وَبِٱلۡوَٰلِدَيۡنِ إِحۡسَٰنًاۚ إِمَّا يَبۡلُغَنَّ عِندَكَ ٱلۡكِبَرَ أَحَدُهُمَآ أَوۡ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَّهُمَآ أُفّٖ وَلَا تَنۡهَرۡهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوۡلٗا كَرِيمٗا وَٱخۡفِضۡ لَهُمَا جَنَاحَ ٱلذُّلِّ مِنَ ٱلرَّحۡمَةِ وَقُل رَّبِّ ٱرۡحَمۡهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرٗا"

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

التقوى والتوبة سببان لأداء أمانة الوصول إلى الجنّة

المسلم وشدّ البنيان الإيماني أو هدمه

يوم عاشوراء يوم التوحيد، يوم العلم والعمل، يوم الصبر والتفاؤل