رسالة تذكير مع نهاية العام 1445 للهجرة (الاعتبار بتصرم الأعوام والأعمار) الرسالة الأولى
الاعتبار
بتصرم الأعوام والأعمار، جملة تدعو للوعي بالحياة التي نعيشها وما هي عاقبتها، والوعي
بمتطلباتها كي تكون مرحلة مهيئة لما بعدها! هي جملة تكشف لنا بأننا في مسار يتناقص
وفرص تفوت.
ها
قد غربت الشمس معلنة انقضاء يوم وإقبال ليل، كما في كل يوم وليلة، وإن في قسم الله
تعالى بهذا التعاقب المستمر لليل والنهار وللشمس والقمر وتأكيده جلّ وعلا على
التأمل والتفكر في دقة سيرهما وانتظام حركتهما لتنبيه لضرورة أخذ العبرة من هذا
الحراك الذي لم يُنشا عبثا، والذي لم ينتظم إلا ليقدم رسالة يجب أن نعيها جيداً
"إِنَّ فِي خَلۡقِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَٱخۡتِلَٰفِ
ٱلَّيۡلِ وَٱلنَّهَارِ لَأٓيَٰتٖ لِّأُوْلِي ٱلۡأَلۡبَٰبِ"
هذا
الحراك المنتظم للشمس وللقمر وما ينتج عن حركتهما الدائبة هو رسالة لنا كي ننتبه
لأمور عدة، منها القدرة الإلهية في هذا النظام، ومن حركة الشمس والقمر وتعاقب
الليل والنهار ندرك أن لكل شيء نهاية ستحلّ يوما ما، وأن كل مخلوق إنما خُلق لحكمة
وأن له رسالة في هذا الكون، فإن كان مخلوقا غير مُكلّف لا يملك فِكرا ولا إرادة
فسينتهي وجوده بانتهاء دوره، وأما من امتاز عن بقية الخلق بعقل به يدرك ويفكر، ومن
خلاله يستطيع الاختيار واتخاذ قرار، فإنه باقٍ إلى ما شاء الله وتبع لهذا البقاء
فهو محاسب على مدة وجوده في هذه المرحلة المبدئية من الحياة، وبناء على هذه
المحاسبة يكن مستوى استحقاقه للسعادة أو الشقاء، إذ الحياة تبدأ هنا في هذه الدنيا،
من تلك اللحظة التي بلغنا فيها التكليف، وهذه هي الحياة الأولى التي تنتهي بحلول
الموت، ثم تبدأ الحياة البرزخية حيث لارقود في القبور وما فيهما من نعيم أو عذاب،
ثم الحياة الباقية التي لا تفنى وفيها الحساب والجزاء وفيها الفرح والسرور أو
الحسرات والندم.
ومن
هذا التعاقب لليل والنهار نحسب حساب الزمن وبالتالي ندرك حجم المساحة التي أتيحت
لنا للعمل وحجم تقصيرنا ومدى استفادتنا لنتدارك الوقت فنتزود بالخير لما بقي لنا من
حياتنا الأولى ولما سنأخذه معنا للحياتين البرزخية والباقية.
نلحظ
في حياتنا أننا مهما عشنا من سعادة وفرح في هذا اليوم المنقضي فلا يمكننا إعادته
ولا إعادة لحظاته السعيدة إلا من خلال الذكرى فقط، كما نلحظ بأن ما مرّ بنا من
أحداثٍ مؤلمة في هذا اليوم المنصرم فمصيرها أن تزول وترحل ولن تتمكن من البقاء معنا
ما لم نصحبها معنا بالذكرى، ليكون في تعاقب الليل والنهار تنبيه بضرورة تدارك
اللحظة فنعيشها عيشة تسرّنا في لحظتنا وتسرّنا عند تذكرها، ويسرّنا الحديث عنها لمن
هو أهلٌ للحديث بالمفاخر والأفراح وتسُرّنا حين يذّكرنا بها ربنا جلّ وعلا، كما أن
هذا التعاقب تنبيه لضرورة مسابقة الزمن في معالجة الخطأ بالتوبة والاستغفار وضرورة
إزالة أو التخفيف من أسباب الخطر الموقعة في ذلك الخطأ، ولا فرح كالفرح بالطاعة
ولذا يقول الله تعالى "قُلۡ بِفَضۡلِ ٱللَّهِ
وَبِرَحۡمَتِهِۦ فَبِذَٰلِكَ فَلۡيَفۡرَحُواْ هُوَ خَيۡرٞ مِّمَّا يَجۡمَعُونَ"
فما آمنّا بأن ما نعيشه ونفرح به نِلّناه بفضل الله ورحمته فلنفرح به ولنكثر منه ولنعمر
حياتنا به، وما حاك في أنفسنا وأدركنا أن للشيطان وجنده ولهوى النفس الأمّارة
بالسوء دورٌ بارز فيه وكرهنا اطلّاع الناس عليه فإنه مما لن يسرنا مستقبلا وسنندم
بسببه ولو استمتعنا به ولو كثر المستمتعون بمثله.
الحديث
عن الاعتبار بتصرم الأعمار ليس المراد منه البكاء على ما فات ولا الاستنقاص والذمّ
للدنيا والحرمان من متعها، قال أبو نضرة العبدي وهو من التابعين: طلبت حاجة إلى
أمير المؤمنين عمر في خلافته، فانتهيت إلى المدينة ليلا فغدوت عليه، وقد أعطيت فِطنةً
ولساناً فأخذتُ في الدنيا فصغّرتها فتركتها لا تسوى شيئا، وإلى جنبه رجل أبيض
الشعر أبيض الثياب. فقال لما فرغت: كل قولك كان مقاربا، إلا وقوعك في الدنيا، وهل
تدري ما الدنيا؟ إن الدنيا بلاغنا إلى الآخرة وفيها أعمالنا التي نُجزى بها في
الآخرة، قال فأخذ في الدنيا رجل هو أعلم بها مني، فقلت يا أمير المؤمنين من هذا
الرجل؟ قال سيد المسلمين أبيّ بن كعب.
إذا
فالمراد بحديثنا ليس عيب وانتقاص الدنيا، بل المراد بالحديث هو كيفية استثمار
اليوم لتحقيق غدٍ أفضل، والأخذ من الذكريات الجيدة والسيئة زاداً لصناعةِ أحداثٍ
جيدة نفاخر بها يوم نخرج من لقاء ربنا، فنعرف السيئات ونتوب من كل خطأ، ونعرف
الصالحات ونستحث الهمم للمزيد منها ولخير منها.
كثيرا ما يدعونا ربنا جلّ وعلا للاعتبار بهذا
المسار المتناقص الذي نعيشه ونسير عليه، وللوعي برسالته التي يقدمها للسائرين عليه.
يقول سبحانه وتعالى "وَهُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ ٱلَّيۡلَ وَٱلنَّهَارَ
خِلۡفَةٗ لِّمَنۡ أَرَادَ أَن يَذَّكَّرَ أَوۡ أَرَادَ شُكُورٗا"
إن كل ليلة ينهيها شروق الشمس هي عبرة وعظة، وكل يوم مشرق يفقد نوره بغياب شمسه هو
عبرة وعظة لنا، وهذا التسارع في الزمن يعني تسارع انقضاء العمر وتقلص المساحة
المحددة لنا للعمل والإمكانات كل ليلة تتضاءل، مما عني تسارع فوات الفرص، ويعني
ضرورة الانتباه لاستغلال الوقت عمارة للمستقبل.
إننا إذا لحظنا عدد المتعبين بالأمراض المفاجئة
وبالحوادث المرورية المؤلمة وعدد الراحلين يوميا على مستوى مدينتنا الصغيرة أو
انتقلنا بالنظر للمناطق المزدحمة سنجد العدد مروعا، نزور مريضا فنطمئنه بأن أجر عمله
الصالح حين الصحة والعافية مستمراً له، فهلّا أخذنا من هذا عبرةً وعظةً فنصنع لنا
عملا صالح قبل أن توقفنا أعراض الدنيا فنتمتع بأجر العمل بالرغم من التوقف عنه،
وهلّا بادرنا للتوبة والاستغفار ومعالجة السلوكيات التي فيها تجاوز لما أمرنا به
ونهينا عنه، تجاوزات نعلم أنها إن اجتمعت أوبقت ما بقي من الحياة الدنيا قبل أن
توبق الحياتين الباقيتين؟ كم هم الذين نصلي عليهم مودعين لهم أو نسمع أنه صُلّيَ
عليهم وودعهم أهلهم وأحبتهم؟ فهلّا تخيلنا أن هذا الوداع سيكون منّا لبعض أحبتنا
فنعينهم على التزود قبل رحيلهم؟ وهلّا تخيلنا أننا نحن من سيُودَع ويُصلى عليه
فحملنا أنفسنا على عمل صالح وتوبة عاجلة كي نرحل متزودين بما يسر، متخففين مما
نكره؟
وأراك
تحملهم ولست تردهم فكأني بك قد حُملت
ولم تُردّ
مما
ورد عن ابن مسعود رضي الله عنه قوله "ما ندمتُ على شيءٍ ندمي على يومٍ غَرَبَتْ
شَمْسُه، نقصَ فيه أجلِي ولم يَزِدْ فيه عَمَلِي. وكان يقول: إنِّي لأكْرَهُ أنْ أرى
الرَّجُلَ فارِغا، لا في عَمَلِ الدنيا، ولا في عَمَلِ الآخرةِ." وعمل الدنيا
هو عمل للآخرة ما دام يصلح الحال والمآل.
فأسأل
الله العون على ذكره وشكره وحسن عبادته، ونسأله الهداية لتوبة نصوح تَجِبُ ما
قبلها وتصلح ما بعدها، وأن يُحسنَ عاقبتنا في الأمور كلها وأن يُجرنا من خزي
الدنيا وعذاب الآخرة وألا يُشمت بنا عدوا ولا حاسدا وأن يغفر للمسلمين أجمعين وأن
ينصر الإسلام والمسلمين وأن يعلي شأن المسلمين في كل مكان وفي كل مجال، وأن يشكر
للإخوة في جمعية الدعوة بالمجمعة جهودهم ويكللها بالتوفيق والقبول وصلى الله وسلم
على نبينا محمد وعلى آله وصحبه والتابعين أجمعين
تعليقات
إرسال تعليق