الإجازة الدراسية ليست إغفاءة للعقل واسباتا له، بل مجالا خصبا للنمو والمعرفة

 

يقول الله تعالى "وَلَقَدۡ كَرَّمۡنَا بَنِيٓ ءَادَمَ وَحَمَلۡنَٰهُمۡ فِي ٱلۡبَرِّ وَٱلۡبَحۡرِ وَرَزَقۡنَٰهُم مِّنَ ٱلطَّيِّبَٰتِ وَفَضَّلۡنَٰهُمۡ عَلَىٰ كَثِيرٖ مِّمَّنۡ خَلَقۡنَا تَفۡضِيلٗا" يجمع العقلاء على أن مصدر كرامة الإنسان وفضله هو عقله، فبهذا العقل تكمن إرادته وقدرته وبه يتعايش مع بيئته ويوظفها لمصلحته، وبعقله يصنع مستقبله، وبقدر نماء عقله تكن مرتبته في الدنيا وفي الآخرة "يُؤۡتِي ٱلۡحِكۡمَةَ مَن يَشَآءُۚ وَمَن يُؤۡتَ ٱلۡحِكۡمَةَ فَقَدۡ أُوتِيَ خَيۡرٗا كَثِيرٗاۗ وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّآ أُوْلُواْ ٱلۡأَلۡبَٰبِ" ولقد جاءت النصوص في القرآن الكريم وفي السُنّة النبوية تدعو وتحثّ على إعمال العقل وتفعيله من خلال القراءة والمشاهدة والتفكر والتأمل، كما جاءت معاتبة ومنذرة من يهمل عقله. قال سبحانه "إِنَّ شَرَّ ٱلدَّوَآبِّ عِندَ ٱللَّهِ ٱلصُّمُّ ٱلۡبُكۡمُ ٱلَّذِينَ لَا يَعۡقِلُونَ" ولا نماء للعقول ولا ارتقاء إلا بالعلم والتعلم بوسائله المختلفة عَنِ أَبِي الدَّرْدَاءِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: قَالَ: «مَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْمًا، سَهَّلَ اللَّهُ لَهُ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ، وَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ لَتَضَعُ أَجْنِحَتَهَا رِضًا لِطَالِبِ الْعِلْمِ، وَإِنَّ طَالِبَ الْعِلْمِ يَسْتَغْفِرُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، حَتَّى الْحِيتَانِ فِي الْمَاءِ، وَإِنَّ فَضْلَ الْعَالِمِ عَلَى الْعَابِدِ كَفَضْلِ الْقَمَرِ عَلَى سَائِرِ الْكَوَاكِبِ، إِنَّ الْعُلَمَاءَ وَرَثَةُ الْأَنْبِيَاءِ، إِنَّ الْأَنْبِيَاءَ لَمْ يُوَرِّثُوا دِينَارًا وَلَا دِرْهَمًا، إِنَّمَا وَرَّثُوا الْعِلْمَ، فَمَنْ أَخَذَهُ أَخَذَ بِحَظٍّ وَافِرٍ} ابن ماجة وأحمد وصححه الألباني. ومن حظّ العالم والمتعلم رضا الله تعالى ودعم الملائكة له واستغفارهم له فضلا عمّا سيحصّله في دنياه من رُقيٍ وقوةٍ وتمكّنٍ وإدارة إرادة.

ولأن العقل يقدم لصاحبه كل ذلك فلابد من ثمن لصناعة هذا العقل الخادم لصاحبه المميز له عن غيره، وأول ثمن لصناعة هذا العقل النافع هو معرفة أن الوقت لا يسمح بتضييع الفرص وأن المكانة المنتظرة لنمو العقل ستواجه سلبيا من قِبل الكُسالى الذين لا طاقة لهم بالمنافسة، والحسّاد الكارهين لكل خير، فالعاقل يدرك ندرة الفرص ويدرك أن المحبطين يسخرون ظاهرا، ولكن مغبونون باطنا.

العقل عباد الله نعمة من الله تعالى وسيحاسب الله العباد عليها، ماذا صنعت بها؟ ولأجلها؟ وما مدى محافظتك عليها واستثمارك لها؟ وكيف سخرتها لخدمتك؟

ونحن الآن نعيش إجازة مدرسية يراها الكثير مجالا خصبا للترويح عن النفس ولتنمية علاقاتها بأحبتها ولأخذ راحة جسدية من عناء العام الدراسي، وفي كل سنة تمرّ هذه الإجازة تتكرر هذه المسائل الثلاث الترويح والعلاقات والراحة الجسدية، ولكن يغيب العقل عند الكثير في هذه الإجازة فيفقدوا كل تلك الثلاث المنشودة، يغيب العقل حين إرادة الترويح فيُبنى وفق العادة ورغبات الأشباه والنظراء وجاذبية الإعلانات لا وفق الظروف والمصالح مما يُثمر مشاكل نفسية وأسرية، ويغيب العقل حين التواصل الأسري فيُفقد الاحترام والتقدير والتغاضي لتعود تلك اللقاءات بخصومات جديدة وتقطّع أرحام ما كان يفترض أنها تحدث، ويغيب العقل في مجال إراحة الجسد فيحل السهر والكسل، ومرافقة الهاتف، حتى الدخول في غيبوبة النوم فتكون العاقبة خمول وكسل وضعف ووهن جسدي كبير! وكم عادت الإجازة على أصحابها بالويل والحسرات لأن عقولهم تعطلت فيها عن العمل، أو كما يوهمون أنفسهم بأنهم ليسوا بفاضيين لاستثمار عقولهم مع أنهم غالبا بطالين، جيفٌ إن ناموا مقلقين إن استيقظوا، وهكذا يريدهم الحسّاد من شياطين الإنس والجنّ فيجلبون عليهم بخيلهم ورجلهم وأصواتهم ليفسدوا عقولهم ويعطلوها عن العمل النافع لها أو يتلفوها بموادهم الخطرة القبيحة من مخدرات ومفترات ونحوها.

 ومن أبرز دلالات كمال العقل والتنعم به الاعتراف بالخطأ والتقصير ومن ثمّ معالجة ذلك بكثرة الاستغفار والتوبة تنظيفا لسجل العمل، وبتدارك الخير المتيسر والاستفادة منه فبهذا يدحر الشيطان وتفشل مخططاته وتنحصر خطواته، فاستغفر الله لي ولكم ولوالدينا ولكل من له ودٌ بنا وله حقٌ علينا وللمسلمين والمسلمات ونسأله العون على ما يعلي منازلنا عنده جلّ وعلا وعند عباده.

إن العقل نعمة تحتاج للشكر من خلال العناية بها تغذية وتطوير واستخداما، ولهذا صور كثيرة لا يسع المقام للمرور عليها، أذكر منها ما أراه سهل المنال متيسر لكل من أراد، فأنصح في الإجازة بمنح الجسد حقه من النوم الصحيح المحدد موعدا بداية ونهاية، وليس بغيبوبة النوم الناتجة عن الإرهاق واضطراب ساعات النوم وعن التعلق بالهاتف حتى تعجز اليد عن حمله اللهم إلا إن كان لتلاوة القرآن وقراءة أذكار النوم وهو معطّل البثّ والاستقبال، وأنصح بممارسة اليسير من الرياضة فإنهما أي النوم والرياضة إن تحققا وفق احتياج الجسد كان العقل في قوة نشاطه وأمكن استثماره وتنميته بكل يسر، وينمى العقل ويرتقي الفكر بالقراءة فإنها متعة الروح حقا، أنصح بالقراءة فالإجازة الدراسية ليست سوى استراحة من قيود النظام المدرسي وليس تعمية للعقل وإسباته، في القراءة مهارات عدة يكتسبها القارئ ما بين معارف جديدة وثروات لغوية فريدة وتنشيط لمهارة التخيل حيث يستمتع بالسياحة في عقول المفكرين وفي الأحداث التي عاشها غيره بدون قلق من ردة أفعالهم وتغير أفكارهم، بالقراءة يعيش القارئ الحدث ويتنبأ بالنتائج فيكون مدركا لأبعاد ما يدور حوله، بخلاف ما تقدمه العروض المرئية وإن كانت نافعة إلا أنها تحكم السيطرة على الفكر والخيال فتجعله منقادا خاضعا لها فلا يكسب المتابع ثمرة فكرية ولا قيمة لغوية، بل يكون مستسلما تابع متلهفا، وأسوء تلك العروض المرئية عروض برامج التواصل في الهواتف المحمولة التي تقصر مدتها وتتنوع في مضامينها وبالتالي يتوهم المرء مسألة الاستمتاع فيتعلق بها، بينما هي تشتت فكره وتتلف عليه مهارة التذكر والتركيز فلا يستوعب ولا يفهم بسهولة ويكثر نسيانه، ولا يخشع ولا يحضر قلبه في أي مُهِمٍّ من مهامه ومتطلبات حياته. فنمّ جيدا واقرأ جيدا ومارس الرياضة لتجود لك الحياة.

نوّع قراءاتك وتخيل الحدث حينها، فاقرأ القرآن الكريم وتخيل المشهد الذي تتحدث عنه الآيات، اقرأ السنة وتخيل رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحبه، اختر ما يناسبك فاقرأ في كل علم نافع، وكل رواية هادفة، اقرأ في السير والتجارب والأخبار للسابقين وللمعاصرين، اقرأ محاولا الاستيعاب وفكّر وتأمل فيما تقرأ، حتى ولو كان كتاب الله تعالى فبذلك أمر الله تعالى "أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ ٱلۡقُرۡءَانَ أَمۡ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقۡفَالُهَآ" وكل كتاب غير القرآن فهو أولى بالتفكر والنقد.

في الإجازة عليك حق لعقلك ولجسدك ولأحبتك، عليك حق لك أن تنمو فكريا وجسديا وعمليا وأن تكون من خيار مجتمعك.

يقول الله تعالى "إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلَٰٓئِكَتَهُۥ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِيِّۚ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ صَلُّواْ عَلَيۡهِ وَسَلِّمُواْ تَسۡلِيمًا" اللهم صلّ وسلم وزد وبارك على عبدك ورسولك إمامنا وسيدنا وحبيبنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

التقوى والتوبة سببان لأداء أمانة الوصول إلى الجنّة

المسلم وشدّ البنيان الإيماني أو هدمه

يوم عاشوراء يوم التوحيد، يوم العلم والعمل، يوم الصبر والتفاؤل