الحفاظ على الغنائم بعد الموسم العظيم موسم النسك الأعظم

 وها قد ترحلت الأيام وأسرع التناقص في زمن الإمهال وتقلصت مساحة العمل المتاحة، واقترب رحيلنا كما رحل غيرنا، رحلت الأيام المعلومة التي أقسم الله تعالى بها تنبيها لعظمتها والتي نبّهنا نبينا محمد صلى الله عليه وسلم لحب الله للعمل الصالح فيها أكثر من غيرها، رحلت ولا ندري هل سندرك عودتها القادمة أم يسبق إلينا الأجل؟ نسأل الله الإعانة على ما يرضيه ويجلب لنا رحمته ومغفرته وفضله.

ولئن أحب الله زمنا وحَبَّب لعباده فيه العمل، فبلا شك أن العامل بالمحبوب في الزمن المحبوب هو محبوب كذلك، وعليه فقد فاز أقوام بحب الله تعالى لهم بسبب استغلالهم للزمن الفاضل بعمل صالح فاضل، فمن مُتقربٍ بالنسك الأعظم الأضحية والحجّ، ومُتقربٍ بالعناية بالفرائض ومُتقربٍ بالعناية بالنوافل ومُتقربٍ بالأذكار جهرا وسرا، ومُتقربٍ بجميل الصلة بالله تعالى وتعظيمه وتعظيم نسكه العظيم، ومن مُتقربٍ بجميل الصلة بمن أوجب الله صلته والإحسان إليه، وكلُ عملٍ مُتَقربٌ به في تلك الأيام فهو عملٌ محبوب وصاحبه كذلك، ولئنّ كان الله تعالى يَبُشّ للعبد حينما يخرج من بيته متطهرا قاصدا المسجد لأداء الصلاة، فإن هذه البشاشة أعظم في الزمن المحبوب، يبشُّ سبحانه مع بالغ وعظيم غناه عن الخلق وعن أعمالهم، وإنّ الناس عادة لتفرح بالعمل الصالح يُقدم إليها ابتسامة فما فوقها، ومن بشّ الله له وفرح الخلق بجميل عمله، فحقيق أن يحبه الله وأن يضع القبول له وأن يفرح في كل شأنه. نسأل الله بمنّه وكرمه أن نكون ممن فاز بهذا الحب على يسير ما قدّمنا.

ولئن قدّمت عبد الله ما تيسر لك في الزمن الفاضل، ولئن أمّلت أنك ممن أحبه الله ورضيه، فاعلم رعاك الله أن علامة الحب الصادق استمرار الصلة بجميل التواصل، إن من تركك من صحبك وانقطع عنك فستصله لفترة ما ثم تتركه استغناء عنه، ولله المثل الأعلى فإنه سبحانه يترك ويُبعد عنه كلَ غافلٍ متعمدٍ للصدود مهملٍ للصلة.

ولقد نبّه ربنا تبارك وتعالى لصفات عباده الأتقياء الفائزين بالحب والولاء وباستحقاق الفضل والعطاء فقال سبحانه "إِنَّ ٱلَّذِينَ هُم مِّنۡ خَشۡيَةِ رَبِّهِم مُّشۡفِقُونَ وَٱلَّذِينَ هُم بِ‍َٔايَٰتِ رَبِّهِمۡ يُؤۡمِنُونَ وَٱلَّذِينَ هُم بِرَبِّهِمۡ لَا يُشۡرِكُونَ وَٱلَّذِينَ يُؤۡتُونَ مَآ ءَاتَواْ وَّقُلُوبُهُمۡ وَجِلَةٌ أَنَّهُمۡ إِلَىٰ رَبِّهِمۡ رَٰجِعُونَ أُوْلَٰٓئِكَ يُسَٰرِعُونَ فِي ٱلۡخَيۡرَٰتِ وَهُمۡ لَهَا سَٰبِقُونَ وَلَا نُكَلِّفُ نَفۡسًا إِلَّا وُسۡعَهَاۚ وَلَدَيۡنَا كِتَٰبٞ يَنطِقُ بِٱلۡحَقِّ وَهُمۡ لَا يُظۡلَمُونَ" في قلوبهم مشاعرٌ خاصةٌ عامرةٌ بالحب لله تعالى يتمثل في حب فرائضه التي فرض وحب أوامره التي أمر، وفي بغض ما نهى عنه وزجر، وفي حب رسوله الكريم عليه الصلاة والسلام وحبّ ما أمر به وبغض ما نهى عنه، وفي محاولة الاقتداء به قدر الوسع والطاقة في خاص الأمر وعامّه، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ {وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ} أَهُوَ الَّذِي يَزْنِي، وَيَسْرِقُ، وَيَشْرَبُ الْخَمْرَ؟ قَالَ: «لَا، يَا بِنْتَ أَبِي بَكْرٍ أَوْ يَا بِنْتَ الصِّدِّيقِ، وَلَكِنَّهُ الرَّجُلُ يَصُومُ وَيَتَصَدَّقُ وَيُصَلِّي، وَهُوَ يَخَافُ أَنْ لَا يُتَقَبَّلَ مِنْهُ» ابن ماجة وأحمد والحاكم. فمن خاف على عَمِله وعلى أَملِه وعلى قرةِ عينه سارع للعمل المناسب لهدفه وحافظ على طيب الصلة مع من بيده الأمرَ كلَه، وكان شعاره "وَعَجِلۡتُ إِلَيۡكَ رَبِّ لِتَرۡضَىٰ" قال ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى "وَٱلَّذِينَ يُؤۡتُونَ مَآ ءَاتَواْ وَّقُلُوبُهُمۡ وَجِلَةٌ أَنَّهُمۡ إِلَىٰ رَبِّهِمۡ رَٰجِعُونَ أُوْلَٰٓئِكَ يُسَٰرِعُونَ فِي ٱلۡخَيۡرَٰتِ وَهُمۡ لَهَا سَٰبِقُونَ" قَالَ: {لَهَا سَابِقُونَ}: سَبَقَتْ لَهُمُ السَّعَادَةُ. وأي مبتغى للإنسان أكثر من أن يسعد في حياته ويضمن السعادة في مستقبله وفي قبره وبعد مبعثه. 

إن التواصل الجميل مع الله تعالى يكون كما علّمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذلك من خلال الصلوات المفروضة ونوافلها والأذكار المعروفة بصيغها المشهورة تحميدا وتهليلا وتسبيحا وتكبيرا بعد الصلوات المفروضة وصباحا ومساء وكل حين تغلب فيه الغفلة، وتلاوة القرآن هي أجمل الصِلات بالخالق جلّ وعلا، فيجعلُ العبد لنفسه نصيبا من القرآن يوميا، ويكون التواصل الجميل مع الله تعالى بالاستغفار المستمر في كل حين خصوصا بعد الفراغ من العبادة صلاة وغيرها، ومع كل غفلة وفي كل خلوة، وبالتوبة عقب كل ذنب وخطيئة وكل تقصير غير مبرر، ويكون التواصل الجميل مع الله تعالى بالتواصل الجميل مع خلقه كلٌ وما وجب له من حق، فإن جميل الصلة يوجب مثلها، ومن راقب الله حفظه الله وأعانه وحقق له أهدافه وآماله وأسعده في كل أحواله. فجوّدوا الصلة بالله تجود لكم الحياة وأكثروا من الصلاة على رسول الله تقوى الصلة بالله وبرسوله يقول عليه الصلاة والسلام: مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلَاةً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ عَشْرًا. ويقول عليه الصلاة والسلام: «مَا مِنْ أَحَدٍ يُسَلِّمُ عَلَيَّ إِلَّا رَدَّ اللَّهُ عَلَيَّ رُوحِي حَتَّى أَرُدَّ عَلَيْهِ السَّلَامَ» وقال "إِنَّ مِنْ أَفْضَلِ أَيَّامِكُمْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، فِيهِ خُلِقَ آدَمُ، وَفِيهِ قُبِضَ، وَفِيهِ النَّفْخَةُ، وَفِيهِ الصَّعْقَةُ، فَأَكْثِرُوا عَلَيَّ مِنَ الصَّلَاةِ فِيهِ، فَإِنَّ صَلَاتَكُمْ مَعْرُوضَةٌ عَلَيَّ"  وقبل ذلك كله يقول الله تعالى "إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلَٰٓئِكَتَهُۥ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِيِّۚ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ صَلُّواْ عَلَيۡهِ وَسَلِّمُواْ تَسۡلِيمًا" اللهم صلّ وسلم وزد وبارك على عبدك ورسولك إمامنا وسيدنا وحبيبنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

التقوى والتوبة سببان لأداء أمانة الوصول إلى الجنّة

المسلم وشدّ البنيان الإيماني أو هدمه

يوم عاشوراء يوم التوحيد، يوم العلم والعمل، يوم الصبر والتفاؤل