فرصة لكسب حُبِّ المولّى جلّ وعلا زالفوز بولايته
الحديث أيها الأحبة الكرام عن هذا الموسم العظيم عشر ذي الحجّة حديث ذو شؤون، إذ أن السعي لاكتشاف ما أودعه الله فيه من الفضائل لا يمكن أن يقف عند حدّ، ولا يمكن أن يبلغه أحد، ذلك أن الواعدَ هو اللهُ وأن الفضلَ فضلُ الله والملكَ ملكُ الله، ولا حادّ لفضل الله، فيكون مجرد الظن باقتصار الفضل على شيء محدد نوعا من الجهل بسعة وشمول فضل الله تعالى.
لما
حثّ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على استغلال هذه الأيام نبّه لقضايا
عظيمة ومنها قضية مهمة نحبها جميعا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا،
قَالَ: إِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "مَا مِنْ
أَيَّامٍ الْعَمَلُ فِيهِنَّ أَحَبُّ إِلَى اللهِ تَعَالَى مِنْهُ فِي هَذِهِ
الْأَيَّامِ يَعْنِي أَيَّامَ الْعَشْرِ، قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ، وَلَا
الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللهِ؟ قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "
وَلَا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللهِ، إِلَّا رَجُلٌ خَرَجَ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ
فَلَمْ يَرْجِعْ مِنْ ذَلِكَ بِشَيْءٍ.
أتحدثُ عن ملحظ مُهمّ ألمح إليه النبي صَلَّى اللَّهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هو سرّ تميز هذه الأيام، ألا وهو الحُبّ حبّ الزمان وحبّ العمل
وحبّ الإله للعابدين مما يوجب تحبب العباد لربهم رب العالمين، فهل يمكن أن نتحبب
إلى الله علّنا نكسب حُبّه لنا؟ وإذا كسبنا هذا الحُبّ فما الثمرات المرجوّة منه؟
لعلّ
من ثمرات الحبّ بين الله وعباده ما رواه أبو هُرَيْرَة قَالَ: قَالَ رَسُول الله
صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: " إِن الله قَالَ: من عادى لي وليا فقد آذنته
بِالْحَرْبِ، وَمَا تقرب إِلَى عَبدِي بشيء أحب إِلَى مِمَّا افترضته عَلَيْهِ،
وَمَا يزَال عَبدِي يتَقرَّب إِلَيّ بالنوافل حَتَّى أحبه، فَإِذا أحببته كنت
سَمعه الَّذِي يسمع بِهِ، وبصره الَّذِي يبصر بِهِ، وَيَده الَّتِي يبطش بهَا،
وَرجله الَّتِي يمشي بهَا، -فيكون العبدُ مسددا في كل ذلك محفوظا حين كل ذلك معانا
على كل ذلك- وَلَئِن سَأَلَني لأعطينه، وَلَئِن استعاذني لأعيذنه، -وهل يريد العبد
في دنياه أكثر من ذلك- وَمَا ترددت عَن شَيْء أَنا فَاعله ترددي عَن نفس الْمُؤمن
يكره الْمَوْت، وَأَنا أكره مساءته -ولعل صورة الحُبّ هذه تغني عن كل حديث فقد بلغ
منزلة تردد الإله العظيم عن سُنّة كونية لأجل هذا المحبوب الضعيف-" البخاري.
قَالَ
رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إِنَّ اللهَ إِذَا أَحَبَّ
عَبْدًا دَعَا جِبْرِيلَ فَقَالَ: إِنِّي أُحِبُّ فُلَانًا فَأَحِبَّهُ، قَالَ:
فَيُحِبُّهُ جِبْرِيلُ، ثُمَّ يُنَادِي فِي السَّمَاءِ فَيَقُولُ: إِنَّ اللهَ
يُحِبُّ فُلَانًا فَأَحِبُّوهُ، فَيُحِبُّهُ أَهْلُ السَّمَاءِ، قَالَ ثُمَّ
يُوضَعُ لَهُ الْقَبُولُ فِي الْأَرْضِ، الحديث" مسلم.
وما أعظم هذا الشعور حينما يُعلن الله للملأ حبه لك! إذا كان المرء مسلما محبا
لأمر الله وأمر رسوله يبادر لطاعتهما بحب، فهو وليٌ من أولياء الله وأحبته، ومن
كان كذلك فكيف يمكن للخوف أو للحزن أن يصل لقلب هذا العبد الذي أحبَه ربُه ووالاه؟
يقول تعالى: "أَلَآ إِنَّ
أَوۡلِيَآءَ ٱللَّهِ لَا خَوۡفٌ عَلَيۡهِمۡ وَلَا هُمۡ يَحۡزَنُونَ ٱلَّذِينَ
ءَامَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ لَهُمُ ٱلۡبُشۡرَىٰ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا
وَفِي ٱلۡأٓخِرَةِۚ لَا تَبۡدِيلَ لِكَلِمَٰتِ ٱللَّهِۚ ذَٰلِكَ هُوَ ٱلۡفَوۡزُ ٱلۡعَظِيمُ" هذه بعضا من ثمرات حّبّ الله لك إن فُزتَ
بحبه.
لتحصيل
هذا الحب الإلهي، علينا التعرف على أسباب كسبه، والتي هي أيسر على العبد مما يظنه،
فسِرُّ كسب حب الله هو قلبك، "يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ
قُل لِّمَن فِيٓ أَيۡدِيكُم مِّنَ ٱلۡأَسۡرَىٰٓ إِن يَعۡلَمِ ٱللَّهُ فِي
قُلُوبِكُمۡ خَيۡرٗا يُؤۡتِكُمۡ خَيۡرٗا مِّمَّآ أُخِذَ مِنكُمۡ وَيَغۡفِرۡ
لَكُمۡۚ وَٱللَّهُ غَفُورٞ رَّحِيمٞ"
قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ اللهَ لَا يَنْظُرُ
إِلَى صُوَرِكُمْ وَأَمْوَالِكُمْ، وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ
وَأَعْمَالِكُمْ» مسلم.
فعلينا
تنشيط قلبنا للعمل بمحبوبات الله دوما، وبالأخص في الأزمنة التي أحبها الله تعالى،
وأن نعملَ العملَ بحبٍ، وما قال عليه الصلاة والسلام "مَا مِنْ أَيَّامٍ
الْعَمَلُ فِيهِنَّ أَحَبُّ إِلَى اللهِ تَعَالَى مِنْهُ فِي هَذِهِ
الْأَيَّامِ" إلا تأكيدا على مسألة الحُبّ، فالله يحب عباده المؤمنين،
والمؤمنون يحبون الله أشد من حب كل شيء، والله يتحبب لعباده بالنعم وأعظمها
الهداية، والمؤمنون يتحببون لله بالعمل الصالح الذي يرضاه، ويبحثون عن مزيد حبٍ
بتحري الزمن الذي يحبه الله، وباختيار ما نبّه عليه رسول الله من القول والعمل
الذي يحبه الله.
ومما
أحبّه الله من القول والعمل وينبغي للمؤمن العناية به، خصوصا في هذا الزمان الذي
فضّله وأحبه الله، أعني عشر ذي الحجة:
· أهمُّ أمرٍ هو ما أكدّ عليه ربنا
جلّ وعلا بقوله (وَمَا تقرب إِلَى عَبدِي بشيء أحب إِلَى مِمَّا افترضته عَلَيْهِ)
ليكون في هذا دعوة لمن اعتاد التقصير في صلاة الجماعة أن يراجع أسلوب حياته وسلوكه
ونشاطه اليومي ليكتشف جميع ما يسبب له هذا التقصير ثم يعالجه، وكذلك دعوة لمن جعل
النوم في مقام أعلى من مقام الصلاة في وقتها، فجعل سهره وعبثه المفسد عليه نومه
وحياته أحبَّ إليه من حُبِّ الله له، ومن حُبِّ النجاح والفلاح الذي وعده الله به.
· وكذلك مما يجلب حبَّ الله: ما
وصّى به الله جلّ في علاه وبيّن أثره في كسب الحُبِّ بقوله (وَمَا يزَال عَبدِي
يتَقرَّب إِلَيّ بالنوافل حَتَّى أحبه) فلنعتن بالنوافل، فللشهادتين نوافلها وهي
الأذكار، وللصلوات نوافلها وهي السنن الرواتب والوتر والضحى وتحية المسجد وما نشطت
إليه الروح من هذه الصلوات فإنها راحة للقلوب المؤمنة وقرة عينها كما مع النبي
الحبيب عليه الصلاة والسلام، وكذلك للزكاة نوافلها وذلك بما تيسر لك من الصدقات
وخصوصا صدقات السرّ التي هي الخبيئة المحبوبة عند الله وعند صاحبها يوم يجدها بين
يدي لقائه لربه، والتي تيسرت كثيرا مع هذه الوسائل الحديثة في الدفع ومع الجمعيات
المأمون الدفع إليها، وللصيام نوافله المعروفة فحاول صيام ما استطعت من هذه الأيام،
فإن الصيام لا يخفى فضله ولا يخفى قول الله عنه إلا الصيام فإنه لي وأنا أجزي به،
ولا يُخذّلك عنه من ضعف عنه واستثقله وكرِه أن تكون خيرا منه، فإن كان محبوك كثر
فكثير منهم لا يريدونك أن تكون أحسن منهم، والمؤمن الصادق هو من يقول خيرا أو يصمت،
أما المحبّط والمستكثر فضع عندهم وتحتهم خطوطا وكن واعيا حذِرا، إن تيسّر لك الخير
فأقدم وإلا فادعّ بخير وأعن بكلمة طيبة أو بمسك لسانك، فذلك صدقة منك على نفسك.
· ومما يجلب للعباد حُبّ ربهم
التقرب إليه بالعمل الخاص بهذه العشر وهو:
1.
الحجّ لمن تيسر له، فالحجّ هو النسك الأعظم.
2.
وكذلك الأضحية التي أوجبها كثير من أهل العلم، كما أنها
من ملّة إبراهيم عليه السلام وسنة نبينا محمد عليه الصلاة والسلام. وقد روي أن دمها
يقع عند الله بمكان قبل أن يقع على الأرض. ولا ننس قول الله تعالى "لَن يَنَالَ ٱللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَآؤُهَا
وَلَٰكِن يَنَالُهُ ٱلتَّقۡوَىٰ مِنكُمۡۚ كَذَٰلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمۡ
لِتُكَبِّرُواْ ٱللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَىٰكُمۡۗ وَبَشِّرِ ٱلۡمُحۡسِنِينَ" فالتقرب بها هو نوع من التقوى ومن شكر المولى
على الهداية للصراط المستقيم، وسبب للبشارة المحبوبة.
3.
ومما يجلب الحبّ من الله تعالى لعباده في هذا الزمان
الفاضل: كثرة الذِكرِ لله تعالى فقد جاء في الحثّ على استغلال هذه العشر، قوله
عليه الصلاة والسلام: مَا مِنْ أَيَّامٍ أَعْظَمُ عِنْدَ
اللهِ وَلَا أَحَبُّ إِلَيْهِ الْعَمَلُ فِيهِنَّ مِنْ هَذِهِ الْأَيَّامِ
الْعَشْرِ، فَأَكْثِرُوا فِيهِنَّ مِنْ التَّهْلِيلِ وَالتَّكْبِيرِ
وَالتَّحْمِيدِ" فنعتني بالذكر الذي ورد التنبيه على حب الله له فالحِرصُ
عليه سببٌ لكسب حب الله أكثر، والله تعالى يقول "فَٱذۡكُرُونِيٓ أَذۡكُرۡكُمۡ وَٱشۡكُرُواْ
لِي وَلَا تَكۡفُرُونِ" وفي
الحديث المعروف قوله عليه الصلاة والسلام: يَقُولُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: «أَنَا
عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي، وَأَنَا مَعَهُ حِينَ يَذْكُرُنِي، إِنْ ذَكَرَنِي فِي
نَفْسِهِ، ذَكَرْتُهُ فِي نَفْسِي، وَإِنْ ذَكَرَنِي فِي مَلَإٍ، ذَكَرْتُهُ فِي
مَلَإٍ هُمْ خَيْرٌ مِنْهُمْ، وَإِنْ تَقَرَّبَ مِنِّي شِبْرًا، تَقَرَّبْتُ
إِلَيْهِ ذِرَاعًا، وَإِنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ ذِرَاعًا، تَقَرَّبْتُ مِنْهُ
بَاعًا، وَإِنْ أَتَانِي يَمْشِي أَتَيْتُهُ هَرْوَلَةً. متفق
عليه.
فمن
المهم في هذه الأيام الفاضلة الإكثار من ذكر الله بمختلف الصيغ الواردة وتلاوة
القرآن الكريم، وأذكّرُ بذكرٍ يحبه الله كثيرا، قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " كَلِمَتَانِ حَبِيبَتَانِ إِلَى الرَّحْمَنِ،
خَفِيفَتَانِ عَلَى اللِّسَانِ، ثَقِيلَتَانِ فِي المِيزَانِ: سُبْحَانَ اللَّهِ
وَبِحَمْدِهِ، سُبْحَانَ اللَّهِ العَظِيمِ "
كما
ينبغي الجهر بالذكر في الأماكن التي تكثر فيها الغفلة بسبب النشاطات التجارية
والرياضية ونحوها تذكيرا للعباد بالذكر في هذا الزمان وإظهارا لتعظيم هذا الموسم
العظيم.
وقبل الختام نقف مع قول الله تعالى " فَسَوۡفَ يَأۡتِي ٱللَّهُ بِقَوۡمٖ يُحِبُّهُمۡ
وَيُحِبُّونَهُ" ولاحظ قدّم
حبه هو جلّ جلاله لهم على حبهم له، فهل يمكن أن نكون منهم؟
يقول
سبحانه "ثُمَّ أَوۡرَثۡنَا ٱلۡكِتَٰبَ
ٱلَّذِينَ ٱصۡطَفَيۡنَا مِنۡ عِبَادِنَاۖ فَمِنۡهُمۡ ظَالِمٞ لِّنَفۡسِهِۦ
وَمِنۡهُم مُّقۡتَصِدٞ وَمِنۡهُمۡ سَابِقُۢ بِٱلۡخَيۡرَٰتِ بِإِذۡنِ ٱللَّهِۚ
ذَٰلِكَ هُوَ ٱلۡفَضۡلُ ٱلۡكَبِيرُ"
فما دمت مسلما متبعا لنبيك محمد صلى الله عليه وسلم فأنت من هؤلاء المصطفين، بدليل
أن الله أتى بك عبدا له متبعا لنبيه الحبيب، فما دام الله اصطفاك ففز بحبه من خلال
حب يظهر في صالح قول وعمل تقدمه في هذا الزمن الذي أحبه الله واصطفاه، فاعتن بقلبك
فهو سر فوزك واعتن بلسانك وجوارحك فهي أداوت فوزك، واتّبع نبيك الحبيب عليه الصلاة
والسلام فلن يُقبل منك عمل بدون اتباع، وثقّ في حُبِّ الله لك ما دمت تحبه كما أمر
جلّ وعلا "قُلۡ إِن كُنتُمۡ
تُحِبُّونَ ٱللَّهَ فَٱتَّبِعُونِي يُحۡبِبۡكُمُ ٱللَّهُ وَيَغۡفِرۡ لَكُمۡ
ذُنُوبَكُمۡۚ وَٱللَّهُ غَفُورٞ رَّحِيمٞ"
حتى
لا تندم حين لا ينفع الندم حاول الآن تغييّر سلوكك وعاداتك في هذه العشر نحو ما
يحبه الله ويرضاه من القول والعمل، وأكثر من النوافل مما تيسر لك، وعوّد نفسك كثرة
الذِكر تهليلا وتكبيرا وتحميدا وتسبيحا خصوصا يوم عرفة، وتذكر أن الله لا يغير ما
بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم.
جعلنا
الله من الذاكرين الشاكرين، الفائزين بحبه وولايته وفضله، وغفر لنا ولوالدينا
وأحبتنا ووهبنا السرور والحبور والسعادة في الدنيا والآخرة، وغفر للمسلمين
والمسلمات وأصلح شأنهم ودحر عدوهم وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه
أجمعين.
تعليقات
إرسال تعليق