دعوة لتدارك عشر ذي الحجة الموسم العظيم
يقول تعالى "وَمَا تَكُونُ فِي شَأۡنٖ وَمَا تَتۡلُواْ مِنۡهُ مِن قُرۡءَانٖ وَلَا تَعۡمَلُونَ مِنۡ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيۡكُمۡ شُهُودًا إِذۡ تُفِيضُونَ فِيهِۚ وَمَا يَعۡزُبُ عَن رَّبِّكَ مِن مِّثۡقَالِ ذَرَّةٖ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَلَا فِي ٱلسَّمَآءِ وَلَآ أَصۡغَرَ مِن ذَٰلِكَ وَلَآ أَكۡبَرَ إِلَّا فِي كِتَٰبٖ مُّبِينٍ أَلَآ إِنَّ أَوۡلِيَآءَ ٱللَّهِ لَا خَوۡفٌ عَلَيۡهِمۡ وَلَا هُمۡ يَحۡزَنُونَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ لَهُمُ ٱلۡبُشۡرَىٰ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا وَفِي ٱلۡأٓخِرَةِۚ لَا تَبۡدِيلَ لِكَلِمَٰتِ ٱللَّهِۚ ذَٰلِكَ هُوَ ٱلۡفَوۡزُ ٱلۡعَظِيمُ"
ويقول عليه الصلاة والسلام:
يَتَعَاقَبُونَ فِيكُمْ مَلَائِكَةٌ بِاللَّيْلِ وَمَلَائِكَةٌ بِالنَّهَارِ،
وَيَجْتَمِعُونَ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ وَصَلَاةِ الْعَصْرِ، ثُمَّ يَعْرُجُ
الَّذِينَ بَاتُوا فِيكُمْ، فَيَسْأَلُهُمْ رَبُّهُمْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِهِمْ:
كَيْفَ تَرَكْتُمْ عِبَادِي؟ فَيَقُولُونَ: تَرَكْنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ
وَأَتَيْنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ" مسلم.
وعلى هذا ندرك بأن المتابعة الإلهية مستمرة، والمحاسبة دقيقة، وأن من وفقه
الله وهداه لتدارك فسحة العمر القصيرة لاستغلال الفرص العابرة بصالحٍ من العمل فأنه
من أولياء الله الآمنين، الفائزين بالفرح يوم لقاء ربهم وحين استلام الناس لكتب
أعمالهم.
يعلم الله تعالى ضعف الإنسان وكثرة نسيانه وغفلاته وهو سبحانه يحب عباده
المؤمنين ويريد تطهيرهم وتقريبهم وإعلاء منازلهم، فلذا فهو جلّ جلاله يوالي عليهم
الفرص ويرسل لهم التذكيرات بها ويدعوهم لاستغلالها لعلّهم يسعدون بالنعيم المقيم.
وقد أزفت لنا فرصة عظيمة من
تلك الفرص العظام التي يواليها علينا ربنا الكريم جلّ وعلا يقول عليه الصلاة
والسلام: «مَا مِنْ أَيَّامٍ، الْعَمَلُ الصَّالِحُ فِيهَا أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ،
مِنْ هَذِهِ الْأَيَّامِ» يَعْنِي الْعَشْرَ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا
الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ؟ قَالَ: «وَلَا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ،
إِلَّا رَجُلٌ خَرَجَ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ، فَلَمْ يَرْجِعْ مِنْ ذَلِكَ
بِشَيْءٍ» ويقول صلى الله عليه وسلم: مَا مِنْ أَيَّامٍ أَعْظَمُ عِنْدَ اللهِ
وَلَا أَحَبُّ إِلَيْهِ الْعَمَلُ فِيهِنَّ مِنْ هَذِهِ الْأَيَّامِ الْعَشْرِ،
فَأَكْثِرُوا فِيهِنَّ مِنْ التَّهْلِيلِ وَالتَّكْبِيرِ وَالتَّحْمِيدِ"
إن في افتتاح الله تعالى لسورة الفجر بالقسم بهذه الأيام القادمة عشر ذي
الحجة تنبيه لعظمتها، واختتام السورة بقوله تعالى "يَوۡمَئِذٖ يَتَذَكَّرُ ٱلۡإِنسَٰنُ
وَأَنَّىٰ لَهُ ٱلذِّكۡرَىٰ يَقُولُ يَٰلَيۡتَنِي قَدَّمۡتُ لِحَيَاتِي" تنبيه لأهمية تدارك الفرص واستغلالها، كما هو تأكيد خاص على استغلال
هذه العشر المباركة، فالله تعالى يؤكد لنا أن كلً منّا سواء ممن فاز أو خسر سيتمنى
أن لو قدّم أكثر لتلك الحياة الحقة، وهذه فرصة سانحة قد أقبلت فلنبادر إليها ولنحرص
عليها ولنختر العمل الذي نراه مصلحا لقلوبنا، مصلحا لصلتنا بربنا ولصلتنا بمن حولنا.
وبين ذلك القسم بعظمة هذه
العشر وذاك التأكيد على الحسرة لمن فرّط، جاء التنبيه لأهم العمل بعد التوحيد
والفرائض ألا وهو العمل الإنساني الذي يشمل إدخال السرور على المسلمين كلُ وما
تيسر له، وكلٌ ومن حوله، والأقربون أولى بالمعروف. "كَلَّاۖ بَل لَّا تُكۡرِمُونَ ٱلۡيَتِيمَ
وَلَا تَحَٰٓضُّونَ عَلَىٰ طَعَامِ ٱلۡمِسۡكِينِ" إنّ أهمّ أسباب كسب
الرضا والسعادة هو المسارعة إلى البِر وهو العمل التطوعي وما يعرف بالعمل الخيري،
لما فيه من صناعة رضا وسعادة الآخرين، والله تعالى تفضلا منه قد جعل ما يقدمه
الإنسان لغيره كأنما يُقدّمه لله جلّ شأنه وتقدس في علاه، يقول سبحانه "إِن تُقۡرِضُواْ ٱللَّهَ
قَرۡضًا حَسَنٗا يُضَٰعِفۡهُ لَكُمۡ وَيَغۡفِرۡ لَكُمۡۚ وَٱللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ" فالقرض الحسن هو المساندة والمساعدة للآخرين وقد جعله الله وهو الغني
الحميد كأنما هو قرض له جلّ جلاله، وأيضا في الحديث مشهور توضيح أكثر لهذه
المسألة، قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إِنَّ
اللهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: يَا ابْنَ آدَمَ مَرِضْتُ
فَلَمْ تَعُدْنِي، قَالَ: يَا رَبِّ كَيْفَ أَعُودُكَ؟ وَأَنْتَ رَبُّ
الْعَالَمِينَ، قَالَ: أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ عَبْدِي فُلَانًا مَرِضَ فَلَمْ
تَعُدْهُ، أَمَا عَلِمْتَ أَنَّكَ لَوْ عُدْتَهُ لَوَجَدْتَنِي عِنْدَهُ؟ يَا
ابْنَ آدَمَ اسْتَطْعَمْتُكَ فَلَمْ تُطْعِمْنِي، قَالَ: يَا رَبِّ وَكَيْفَ
أُطْعِمُكَ؟ وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ، قَالَ: أَمَا عَلِمْتَ أَنَّهُ
اسْتَطْعَمَكَ عَبْدِي فُلَانٌ، فَلَمْ تُطْعِمْهُ؟ أَمَا عَلِمْتَ أَنَّكَ لَوْ
أَطْعَمْتَهُ لَوَجَدْتَ ذَلِكَ عِنْدِي، يَا ابْنَ آدَمَ اسْتَسْقَيْتُكَ، فَلَمْ
تَسْقِنِي، قَالَ: يَا رَبِّ كَيْفَ أَسْقِيكَ؟ وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ،
قَالَ: اسْتَسْقَاكَ عَبْدِي فُلَانٌ فَلَمْ تَسْقِهِ، أَمَا إِنَّكَ لَوْ
سَقَيْتَهُ وَجَدْتَ ذَلِكَ عِنْدِي" مسلم.
ولأهل البِرّ والعمل الخيري
التطوعي يقول تعالى "إِنَّ ٱلۡأَبۡرَارَ لَفِي نَعِيمٍ عَلَى ٱلۡأَرَآئِكِ
يَنظُرُونَ تَعۡرِفُ فِي وُجُوهِهِمۡ نَضۡرَةَ ٱلنَّعِيمِ يُسۡقَوۡنَ مِن رَّحِيقٖ
مَّخۡتُومٍ خِتَٰمُهُۥ مِسۡكٞۚ وَفِي ذَٰلِكَ فَلۡيَتَنَافَسِ ٱلۡمُتَنَٰفِسُونَ
وَمِزَاجُهُۥ مِن تَسۡنِيمٍ عَيۡنٗا يَشۡرَبُ بِهَا ٱلۡمُقَرَّبُونَ" والقرض الحسن ليس دعما ماديا فقط بل هو كل دعم مادي ومعنوي، ولربما
كان الدعم المعنوي أقوى أثرا من المادي، ولعله أفضل عمل صالح يُقدم هذه الأيام بعد
الفرائض بطبيعة الحال.
العمل الصالح هو الذي يرتقي بفكرك ويسمو في الحق بنفسك، ويُصلح صلتك بربك
ويجوّدها، ويصلح صلتك بمن له حق عليك كوالديك وزوجك وذوي رحمك وجيرانك ونحوهم،
العمل الصالح كل ما أنتج أثرا حسنا صالحا في قلبك أو في قلب من تتعامل معهم، كل
ذلك عمل صالح تقديمه في الأيام المحبوبة سبب لكسب حب الله تعالى، ومن ثم ولايته
وفضله.
هذه العشر المباركة هي أيام فاضلة محبوبة عند الله، نهارها أفضل من ليلها،
فيها نسكٌ هذه الأمة "لِّكُلِّ أُمَّةٖ جَعَلۡنَا مَنسَكًا هُمۡ نَاسِكُوهُۖ
فَلَا يُنَٰزِعُنَّكَ فِي ٱلۡأَمۡرِۚ وَٱدۡعُ إِلَىٰ رَبِّكَۖ إِنَّكَ لَعَلَىٰ
هُدٗى مُّسۡتَقِيمٖ" فهي فرصة عظيمة، مفتوحة مجالا وثوابا محدودة
زمانا، وفيها ينشط الحساد من جند إبليس أبعدهم الله، يأتون بلباس الناصح وكأنهم
اكتسبوا علما لم يعرفه من سبقهم ولا من ولّاه الله أمر الرأي والفكر الشرعي في
زمانهم، فيثبّطون الناس عن بعض العمل الصالح كالصيام مثلا بحجة أنه لم يثبت أن
النبي صلى الله عليه وسلم صام عشر ذي الحجة أو يوم عرفة بالرغم من وصيته عليه
الصلاة والسلام بالعناية بالعمل الصالح مطلقا ووصيته بالصيام عموما وبصوم يوم عرفة
خصوصا، وتأكيده عليه الصلاة والسلام أن الصيام من أحب العمل إلى الله، وبالرغم من
تنبيهه عليه الصلاة والسلام إلى أن الزمان هو أحب الأزمان إلى الله، ولكنه حسد
الكسالى للمتقربين المبادرين كي يكسلوا كما كسلوا.
وكذلك ينشط الحساد في تثبيط الناس عن وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم لمن
أراد أن يضحي قَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِذَا دَخَلَتِ
الْعَشْرُ، وَأَرَادَ أَحَدُكُمْ أَنْ يُضَحِّيَ، فَلَا يَمَسَّ مِنْ شَعَرِهِ
وَبَشَرِهِ شَيْئًا» وفي الحديث الآخر: «مَنْ كَانَ لَهُ ذِبْحٌ يَذْبَحُهُ
فَإِذَا أُهِلَّ هِلَالُ ذِي الْحِجَّةِ، فَلَا يَأْخُذَنَّ مِنْ شَعْرِهِ، وَلَا
مِنْ أَظْفَارِهِ شَيْئًا حَتَّى يُضَحِّيَ» مسلم. جميع الفقهاء
والعلماء الذين يحثون على الأخذ بهذا الحديث يعرفون حديث عائشة رضي الله عنها في
هذا السياق، ونعلم جميعا عدم فساد الأضحية وعدم الإثم لمن أخذ من شعره وأظفاره في
المدة المذكورة، كما نعلم جميعا أن المستجيب لرسول الله صلى الله عليه وسلم سيحظى
بثواب عظيم، ولكن هناك من لا يرضى لك بنعمة حتى تُرفع عنك فاحذرهم. والله تعالى
يقول "لِّكُلِّ أُمَّةٖ جَعَلۡنَا مَنسَكًا هُمۡ نَاسِكُوهُۖ
فَلَا يُنَٰزِعُنَّكَ فِي ٱلۡأَمۡرِۚ وَٱدۡعُ إِلَىٰ رَبِّكَۖ إِنَّكَ لَعَلَىٰ
هُدٗى مُّسۡتَقِيمٖ" وهذا نسكنا وقد أُمِرنا
بتعظميه وبإظهار تعظيمه، فنسأل الله العون على عدم الخضوع لمنازعتهم إيانا في طاعة
ربنا جلّ وعلا وفي اتباع نبينا عليه الصلاة والسلام.
هي أيام فاضلة ثوابها غير محدودة ومدتها قصيرة وأيامها سريعة وكلٌ على نفسه
بصيرة وكلٌ يتمنى ألا يندم يوم يبدأ أهل الجنة بالرقي نحو منازلهم يقول عليه
الصلاة والسلام: "إنَّ أهلَ الجنةِ يَتَراءَيُونَ أهلَ الغُرَفِ من فوقهِم،
كما يتراءَيُونَ الكوكَبَ الدُّرِّيَّ الغابِرَ في الأفُقِ من المَشْرِقِ أو
المَغْرِبِ، لِتَفْاضُلِ ما بينَهُم"، قالوا: يا رسولَ اللهِ! تلك منازِلُ
الأنبياءِ لا يَبْلُغُها غيرُهم؛ قال: "بلى؛ والذي نفسي بيده؛ رجالٌ آمَنوا
باللهِ وصَدَّقُوا المُرْسَلِيْنَ". متفق عليه.
أسأل الله جلّ في علاه أن يعيننا على ذكره وشكره وحسن عبادته وأن يتقبّلنا
ويتقبل منّا وكما جمعنا في هذا المجلس أن يجمعنا في فردوسه الأعلى ووالدينا
وأحبتنا وأن يغفر هذه الساعة لنا وللمسلمين أجمعين وصلى الله وسلم على نبينا محمد
ونلتقي بكم في مجلس قادم بإذن الله تعالى والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
تعليقات
إرسال تعليق