فضل الحج ووجوب الحصول على التصريح

اتقوا الله عباد الله واستعينوا بنعمه على طاعته، وتداركوا العمر باستغلال الفرص المُقرّبة لكم عنده والمُطهّرة لسجلكم الرافعة لمنازلكم، ومن تلك الفرص فرصة موسم الحج، حيث النسك الأعظم لهذه الأمة يقول تعالى "وَلِكُلِّ أُمَّةٖ جَعَلۡنَا مَنسَكٗا لِّيَذۡكُرُواْ ٱسۡمَ ٱللَّهِ عَلَىٰ مَا رَزَقَهُم مِّنۢ بَهِيمَةِ ٱلۡأَنۡعَٰمِۗ فَإِلَٰهُكُمۡ إِلَٰهٞ وَٰحِدٞ فَلَهُۥٓ أَسۡلِمُواْۗ وَبَشِّرِ ٱلۡمُخۡبِتِينَ ٱلَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ ٱللَّهُ وَجِلَتۡ قُلُوبُهُمۡ وَٱلصَّٰبِرِينَ عَلَىٰ مَآ أَصَابَهُمۡ وَٱلۡمُقِيمِي ٱلصَّلَوٰةِ وَمِمَّا رَزَقۡنَٰهُمۡ يُنفِقُونَ" فبشارة من الله تعالى لكل عبدٍ يُعظّم اللهَ ويعظّم أوامر الله ونواهيه وشرائعه وشعائر دينه. ومن تلك الشرائع والشعائر شعيرة الحجّ.

الحجّ عبادة خصّها الله تعالى بفضل خاص وما ذاك إلا لخصوصيتها عنده جلّ وعلا، فهي عبادة حددّ سبحانه كيفيتها وعلّم خليله إبراهيم عليه السلام تفاصيلها وحفظ سبحانه لأهل الحنيفية السمحة معالمها وصرف أهل الشرك والضلال عنها.

يكفي في الحج فضلا أن الله تعالى بذاته المقدسة يطلّع على الحجيج راضيا عنهم فيُشهد الملائكة بغير حاجة لإشهادهم أنه قد قبِل هؤلاء الحجيج وغفر لهم وأعطاهم سؤلهم، ويكفي أن الحاج الملتزم بنُظم الحج وأحكامه ولم يرفث ولم يفسق وانشغل بطاعته لربه في هذه الأيام الوجيزة المحددة تمحى عنه كل خطيئة ارتكبها، فيكون من حيث السيئات كطفل للتوّ ولدته أمه.

هذا الحج فضلا من الله ونعمة لم يُكلف به المسلم سوى مرة واحدة في عمره وفي حال الاستطاعة إليه سبيلا، ومن تعذر عليه الحج عذره الله وأعطاه بحسب نيته. من خصوصية الحج أن الأفئدة من حيث لا تشعر تحنّ لزيارة البيت الحرام عمرة وحجا، وما ذاك إلا استجابة لدعوة الخليل عليه السلام "رَّبَّنَآ إِنِّيٓ أَسۡكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيۡرِ ذِي زَرۡعٍ عِندَ بَيۡتِكَ ٱلۡمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ فَٱجۡعَلۡ أَفۡ‍ِٔدَةٗ مِّنَ ٱلنَّاسِ تَهۡوِيٓ إِلَيۡهِمۡ وَٱرۡزُقۡهُم مِّنَ ٱلثَّمَرَٰتِ لَعَلَّهُمۡ يَشۡكُرُونَ" منظر الحجيج كل عام هو رسالة من الله تعالى لعباده تذكرهم بوعده جلّ جلاله للخليل عليه السلام "وَأَذِّن فِي ٱلنَّاسِ بِٱلۡحَجِّ يَأۡتُوكَ رِجَالٗا وَعَلَىٰ كُلِّ ضَامِرٖ يَأۡتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٖ" وبالتالي يفترض بكل مسلم أن يتأمل هذا و أن يثق بوعد الله له وبقرب وقوة الاستجابة لدعائه ولو رأى استحالة تحققه لشدة ظروفه وقسوة ما نزل به.

وعلى من أراد الحج أن يتفقه في دينه فيقرأ ويتعلم المناسك وأحكامها والأدعية الواردة عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن السلف الصالح، إذ الدعاء عبادة عظيمة لا يستغني عنها العبد أبدا، وهي خطيرة فالخلل فيها باختيار ألفاظ غير مناسبة بمثابة اعتداء في الدعاء قد يبطله وقد ينقل الداعي من متعبد مستحق للرحمة إلى عبد مخطئ مستحق للعقوبة، وبالعلم والتفقه يسلم المرء من الخطأ ويجلب لنفسه خيري الدنيا والآخرة بأسهل طريق وأيسره. وبحمد الله فسُبل التعلم كثيرة ويسيرة إذ الدروس والفتاوى من العلماء المعتبرين موجودة ومشهورة ومتيسر الحصول عليها بكل يسر وسهولة، فخذوا العلم من أهله واحذروا من نقلة الفتاوى بغير علم، ومن كل مفت يتحدث في كل فن، وإن من الخطأ في الحياة عموما وفي العبادة خصوصا أن يسير المرء على جهالة متبعا ما عليه الناس بدون بصيرة.

ولأن الحجّ عبادة عظيمة ذات أعمال خاصة مُقيّدة بمراحل محددة وفي مناطق مخصوصة ضيّقة والناس هناك كثر فإن التعرض للمضايقات والصدامات مع الآخرين متوقعة ولذا قال تعالى "ٱلۡحَجُّ أَشۡهُرٞ مَّعۡلُومَٰتٞۚ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ ٱلۡحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي ٱلۡحَجِّۗ وَمَا تَفۡعَلُواْ مِنۡ خَيۡرٖ يَعۡلَمۡهُ ٱللَّهُۗ وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيۡرَ ٱلزَّادِ ٱلتَّقۡوَىٰۖ وَٱتَّقُونِ يَٰٓأُوْلِي ٱلۡأَلۡبَٰبِ" أمرٌ بتجنب الإساءة وتجنب الفسق وتجنب المجادلة مع الآخرين لأنها متوقعة بسبب كثرة الزحام، وأمرٌ بالتقوى في كل ما يتعرض له الحاج وفي كل ما يُطلب منه، كي يسلم له حجه ويسلم الآخرون من إزعاجه وشره، فلا يؤذي ولا يتعرض للأذى، وإن مما يُتقى الله فيه بالنسبة للحاج هو التنظيمات التي تقرها الدولة رعاية لمصالح الحجيج، ومن ذلك الحصول على التصريح بالحج وعدم معصية الله بمخالفة الأمر الذي صدر رعاية للمصلحة العامّة، وقد أفتت هيئة كبار العلماء في المملكة بتحريم الحج بدون تصريح لما في ذلك من المفاسد الشرعية والتنظيمية، ولما فيه من تفويت للمصالح العظيمة على الحجاج عامة وعلى المخالف خاصة، وإن من التقوى التي أمر الله الحاج بالتزود بها توقي الحج بدون تصريح وتوقي الاندساس بين الحجيج وتوقي التسول للظل وللمركب وتوقي إزعاج المنظمين والملتزمين بالتعليمات، كما أن في هذه المخالفة مشاركة لقاصدي الإساءة وإفساد الحج من حيث لا يحتسب المخالف. 

إن الالتزام بأخذ التصريح مستند للأحكام الشرعية المتمثلة في قول الله تعالى "يُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمۡۚ وَخُلِقَ ٱلۡإِنسَٰنُ ضَعِيفٗا" أي يخفف في شرائعه وأوامره ونواهيه، وفي قوله تعالى " هُوَ ٱجۡتَبَىٰكُمۡ وَمَا جَعَلَ عَلَيۡكُمۡ فِي ٱلدِّينِ مِنۡ حَرَجٖۚ مِّلَّةَ أَبِيكُمۡ إِبۡرَٰهِيمَ" تنبيه للمسلم بأن الحج من آثار الخليل وملته السمحة، ومن مبادئها رفع الحرج عن المتعبدين، والحج بدون تصريح هو إحراج وإعنات للنفس وتعريض العبادة للفساد والجهد للخسران، كما أن الحج بدون تصريح يتسبب في ضرر يتعدى إلى الآخرين وهذا من أشد أنواع الضرر التي يرتكبها الإنسان فالضرر المتعدي غير الضرر القاصر على الفاعل نفسه. ومن أهم قيم الحج السكينة والطمأنينة وهذا لا يتأتى بدون الحصول على التصريح. ومن هنا فقد أفتت هيئة كبار العلماء بتحريم الحجّ بدون تصريح وبيّنت بأن من تعذر عليه الحصول على التصريح فهو معذور لأنه لا يستطيع إلى الحج سبيلا والله تعالى يقول "وَلِلَّهِ عَلَى ٱلنَّاسِ حِجُّ ٱلۡبَيۡتِ مَنِ ٱسۡتَطَاعَ إِلَيۡهِ سَبِيلٗا" ورعاية المصلحة العامة هو من باب تعظيم الله تعالى والله يقول "ذَٰلِكَۖ وَمَن يُعَظِّمۡ شَعَٰٓئِرَ ٱللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقۡوَى ٱلۡقُلُوبِ"

ولنتذكر قول الله تعالى "وَلِكُلِّ أُمَّةٖ جَعَلۡنَا مَنسَكٗا لِّيَذۡكُرُواْ ٱسۡمَ ٱللَّهِ عَلَىٰ مَا رَزَقَهُم مِّنۢ بَهِيمَةِ ٱلۡأَنۡعَٰمِۗ فَإِلَٰهُكُمۡ إِلَٰهٞ وَٰحِدٞ فَلَهُۥٓ أَسۡلِمُواْۗ وَبَشِّرِ ٱلۡمُخۡبِتِينَ ٱلَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ ٱللَّهُ وَجِلَتۡ قُلُوبُهُمۡ وَٱلصَّٰبِرِينَ عَلَىٰ مَآ أَصَابَهُمۡ وَٱلۡمُقِيمِي ٱلصَّلَوٰةِ وَمِمَّا رَزَقۡنَٰهُمۡ يُنفِقُونَ" ولنكن من المخبتين الذين إذا ذُكّروا وقفوا وتأملوا واستجابوا فاستحقوا بشارة ربهم.

أعان الله كل مريد للحج ويسّر أمره وتقبل منه تعبده وبذله، وأجزل الثواب لكل من تعذر عليه الحج بقدر نيته وأمنيته وصلى الله وسلم على نبينا محمد

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

التقوى والتوبة سببان لأداء أمانة الوصول إلى الجنّة

المسلم وشدّ البنيان الإيماني أو هدمه

يوم عاشوراء يوم التوحيد، يوم العلم والعمل، يوم الصبر والتفاؤل