الأشهر الحُرم أشهر اختصها الله تعالى وعظّمها فحق علينا معرفتها وتعظيمها
يخبر ربنا سبحانه عن نفسه بقوله "يَعۡلَمُ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَيَعۡلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعۡلِنُونَۚ وَٱللَّهُ عَلِيمُۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ" وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ اللهَ لَا يَنْظُرُ إِلَى صُوَرِكُمْ وَأَمْوَالِكُمْ، وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ وَأَعْمَالِكُمْ» مسلم.
فبحسب ما
في الصدور من تقوى وصدقٍ وخيرٍ يكمن صدق الصِلة بالله وهنا تكن مغفرة الذنوب ويكن قرب
الخير وسابغ الفضل منه جلّ جلاله.
عباد
الله شرع الله تعالى هذا الدين وجعل له شعائر ظاهرة هي بمثابة الأعلام والعلامات له
تدل على عزته وشموخه وقوة حضوره في قلوب أتباعه ومن ثم قلوب أعدائه، ومن هذه
الشعائر ما هو مرتبط بزمان، أو مرتبط بمكان، أو مرتبط بعمل، وإنّ من الغَيرة والحفاظ
على هذا الدين والعناية به عزيزا شامخا راسخا في النفوس، الحفاظ والرعاية والتعظيم
لهذه الشعائر الدينية الظاهرة وما يرتبط بها من أحكام خاصة بها، سواء المقدسات
المكانية أو المقدسات الزمانية أو الأفعال المقدسة من صلاة وتلاوة ونحوها "ذَٰلِكَۖ وَمَن يُعَظِّمۡ شَعَٰٓئِرَ
ٱللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقۡوَى ٱلۡقُلُوبِ" ومن هذه الشعائر
المقدسات الزمانية ومنها الأشهر الحُرم. يقول ربنا تبارك وتعالى "إِنَّ عِدَّةَ ٱلشُّهُورِ عِندَ ٱللَّهِ
ٱثۡنَا عَشَرَ شَهۡرٗا فِي كِتَٰبِ ٱللَّهِ يَوۡمَ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ
مِنۡهَآ أَرۡبَعَةٌ حُرُمٞۚ ذَٰلِكَ ٱلدِّينُ ٱلۡقَيِّمُۚ فَلَا تَظۡلِمُواْ
فِيهِنَّ أَنفُسَكُمۡۚ وَقَٰتِلُواْ ٱلۡمُشۡرِكِينَ كَآفَّةٗ كَمَا
يُقَٰتِلُونَكُمۡ كَآفَّةٗۚ وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلۡمُتَّقِينَ"
وإنما سُميّت حرما لعظمتها عند الله ولعظم الجناية على النفس وعلى الآخرين فيها،
فمن أراد أن يكون الله معه فليُعظّم ما عظّم الله. عندما انحرف المشركون وضلّوا عن
صراط الله المستقيم هانت عندهم هذه الشعيرة الزمانية العظيمة وهان عندهم ما يرتبط
بها من أحكام، فعبثوا بها تعديلا لزمانها وتغييرا لنظامها تبعا لمصالحهم وأهوائهم،
فلما فتح الله تعالى لنبيه عليه الصلاة والسلام مكة وأزال عنها صور الشرك والظلم وقضى
على العبث بشعائر الحج والعمرة زمنا وكيفية، أعلن عليه الصلاة والسلام في حجة
الوداع أن الزمان أي الأجواء العامّة والأحكام والنُظم العامة قد عادت كما كانت
يوم خلق الله تعالى السماوات والأرض. قَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
"إِنَّ الزَّمَانَ قَدِ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللهُ
السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ، السَّنَةُ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا، مِنْهَا أَرْبَعَةٌ
حُرُمٌ، ثَلَاثَةٌ مُتَوَالِيَاتٌ: ذُو الْقَعْدَةِ، وَذُو الْحِجَّةِ،
وَالْمُحَرَّمُ، وَرَجَبٌ شَهْرُ مُضَرَ الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ
" متفق عليه. قال قَتَادَةَ: فَإِنَّ الظُّلْمَ فِي الْأَشْهُرِ
الْحُرُمِ أَعْظَمُ خَطِيئَةً وَوِزْرًا مِنَ الظُّلْمِ فِيمَا سِوَاهَا، وَإِنْ كَانَ
الظُّلْمُ عَلَى كُلِّ حَالٍ عَظِيمًا، وَلَكِنَّ اللَّهَ يُعَظِّمُ مِنْ أَمَرِهِ
مَا شَاءَ " ا. هـ عبد الله إن في قوله تعالى "ثُمَّ أَوۡرَثۡنَا ٱلۡكِتَٰبَ
ٱلَّذِينَ ٱصۡطَفَيۡنَا مِنۡ عِبَادِنَاۖ فَمِنۡهُمۡ ظَالِمٞ لِّنَفۡسِهِۦ
وَمِنۡهُم مُّقۡتَصِدٞ وَمِنۡهُمۡ سَابِقُۢ بِٱلۡخَيۡرَٰتِ بِإِذۡنِ ٱللَّهِۚ
ذَٰلِكَ هُوَ ٱلۡفَضۡلُ ٱلۡكَبِيرُ" دليل على ان الله تعالى اصطفاك
واختارك وأورثك العبادات والأحكام والفضائل التي حُرِمها كثير من الخلق بسبب ما
تحمله قلوبهم من فساد عقدي واستهانة بشعائر الله، فعظّم ما عظّم الله، يُعظم الله
قدرك وشأنك وتستدم لنفسك هذا الاصطفاء والاختيار الإلهي ومن ثمّ الفوز بالفضل
الكبير.
وإنّ مما حذرنا منه رسول الله صَلَّى اللهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بعد تبيانه للأشهر الحرم أن قَالَ: فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ
وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ حَرَامٌ
عَلَيْكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، فِي شَهْرِكُمْ
هَذَا، وَسَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ، فَلَا
تَرْجِعُنَّ بَعْدِي كُفَّارًا أَوْ ضُلَّالًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ
بَعْضٍ، أَلَا لِيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ، فَلَعَلَّ بَعْضَ مَنْ
يُبَلِّغُهُ يَكُونُ أَوْعَى لَهُ مِنْ بَعْضِ مَنْ سَمِعَهُ "، ثُمَّ قَالَ:
«أَلَا هَلْ بَلَّغْتُ؟»
عباد الله استجابة لرسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لنحذر الضلالة وأهلها، ولنحذر سيما وصفات الكفار، والتي أبرزها الظلم والإساءة بكل الأشكال ولا ظُلم ولا إساءة كالغيبة والنميمة فإنها مفتاح كلِ شرّ.
الأشهر الحرم هي رجب وذي القعدة وذي الحجة ومحرم، أشهر عظّمها الله تعالى واصطفاها وحدّدها جلّ جلاله، وخصّها بأحكام يُفترض أنها تبثّ الأمن والطمأنينة في النفوس وضاعف حرمة الظلم فيها بكل أنواعه تحريما أشد مما هو في غيرها من أشهر السنة، وإنّ من تعظيم هذه الأشهر المُعظّمة معرفتها والالتزام بنظمها في البيت وفي الطريق وفي كل التعاملات مع الاخرين، ومن تعظيمها التعريف بها والتذكير بها والوصية بتعظيمها وبتعظيم الظلم فيها بأي شكل، وإن من صفات الضُلّال من الناس العبث بالمشاعر الإنسانية والإساءة لها ولو بكلمة ساخرة أو بقيادة عابثة، فضلا عن تطاول على المال والحقوق الخاصة والعامّة. ومن تعظيمها العناية فيها بالعمل الصالح والقول الصالح حسب المستطاع، وقد قال ابن عباس رضي الله عنهما: اختص الله أربعة أشهر جعلهنّ حُرما وعظّم حُرماتهن وجعل الذنب فيهنّ أعظم وجعل العمل الصالح والأجر أعظم.
عباد الله اتقوا الله فيما عظّم وبثّوا الأمن والطمأنينة في نفوس من حولكم تستديموا
لأنفسكم تلك الهداية وذلك الاصطفاء الإلهي، فإن من اصطفاه الله كان وليا لله وكان
حقا على الله أن يكرمه وأن يغفر له وأن يجعله من السعداء في الدنيا وفي الآخرة
اللهم صلّ وسلم وزد وبارك على عبدك ورسولك إمامنا وسيدنا وحبيبنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
تعليقات
إرسال تعليق