عمل يدخلني الجنّة
في الطريق لغزوة تبوك
وحينما اشتد الحرّ وتفرق الناس طلبا لنسمات الهواء، نظر معاذ بن جبل رضي الله عنه
يمنة ويسرة فوجد رسول الله صلى الله عليه وسلم أقرب الناس إليه يسير لوحده، فأدرك
أنها فرصته للتعلم أكثر، وهكذا الطامحون للأفضل يستغلون كل الفرص لصناعة مستقبلهم
بالعلم والتعلم.
عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ
رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: بَيْنَمَا نَحْنُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى
اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ وَقَدْ أَصَابَ الْحَرُّ
فَتَفَرَّقَ الْقَوْمُ حَتَّى نَظَرْتُ، فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَقْرَبُهُمْ مِنِّي قَالَ: فَدَنَوْتُ مِنْهُ فَقُلْتُ: يَا
رَسُولَ اللَّهِ، أَنْبِئْنِي بِعَمَلٍ يُدْخِلُنِي الْجَنَّةَ وَيُبَاعِدُنِي
مِنَ النَّارِ. قَالَ: «لَقَدْ سَأَلْتَ عَنْ عَظِيمٍ وَإِنَّهُ لَيَسِيرٌ عَلَى
مَنْ يَسَّرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ. = عظيم لأنه ذو أثر عظيم على فاعله، وعظيم لأنه
يحتاج عظيم جدّ وانضباط وقوة مقاومة للأهواء، ويسير سهل محبّب على من أعانه الله
فثبت وانضبط والتزم، فأعطاه عليه الصلاة والسلام خطة توضح وترسم طريق الجنّة= قال
له: تَعْبُدُ اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا وَتُقِيمُ الصَّلَاةَ
الْمَكْتُوبَةَ، وَتُؤْتِي الزَّكَاةَ الْمَفْرُوضَةَ، وَتَصُومُ رَمَضَانَ»
فالركائز الرئيسة وحّد الله في كل أقوالك وأفعالك، وأظهر تعظيمك لشعائر الله من أن
يُشرك فيها أحد مع الله تعالى، ولا تحتج لفعلك المنافي للتوحيد بعادة قومك أو
اعتياد لسانك أو عدم قصدك، فإن التوحيد هو رأس الأمر في الإسلام ولا إسلام بدونه،
وحافظ على الصلوات في أوقاتها بشروطها وواجباتها فالصلاة هي عمود الدين ومن أسقط
الصلاة سقط دينه، وأدّ زكاة مالك إذا وجبت مرة كل عام كما أمرك ربك، وصم شهر رمضان
كما علّمك نبيك وحبيبك محمد صلى الله عليه وسلم، والحجّ لبيت الله الحرام مرة في
العمر حسب المستطاع وهو ركن مؤكد عليه في أحاديث أخر، ثم أعطاه ركائز مهمّة تُسهّل
له الحفاظ على استمرارية وجودة المسير نحو الفلاح والوصول للهدف الأسمى وهو الجنّة
قَالَ: «وَإِنْ شِئْتَ أَنْبَأْتُكَ بِأَبْوَابِ الْجَنَّةِ» قُلْتُ: أَجَلْ يَا
رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: «الصَّوْمُ جُنَّةٌ، وَالصَّدَقَةُ تُكَفِّرُ
الْخَطِيئَةَ، وَقِيَامُ الرَّجُلِ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ يَبْتَغِي وَجْهَ
اللَّهِ» قَالَ: ثُمَّ قَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ {تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ
الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ
يُنْفِقُونَ} فهذه العبادات التطوعية هي الأبواب الموصلة للجنّة هي مفاتيحك لتحقيق
النجاح والحصول على الخيرات، تفكّر في حالك وصلاتك حينما تصلي نافلة قبل فريضة
وحيما تصلي فريضة بدون نافلة تسبقها، أظنك ستجد فارقا بين الحالين في التركيز
وحضور القلب وقوة الدعاء، وهكذا تؤثر النوافل من صيام وصدقة في الفريضة الأصل لها،
فارتق بفرائضك من خلال العناية بنوافلها. قَالَ: «وَإِنْ شِئْتَ أَنْبَأْتُكَ
بِرَأْسِ الْأَمْرِ وَعَمُودِهِ وَذُرْوَةِ سَنَامِهِ» قَالَ: قُلْتُ: أَجَلْ يَا
رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: «أَمَّا رَأْسُ الْأَمْرِ فَالْإِسْلَامُ، وَأَمَّا
عَمُودُهُ فَالصَّلَاةُ، وَأَمَّا ذِرْوَةُ سَنَامِهِ فَالْجِهَادُ فِي سَبِيلِ
اللَّهِ، ثم بيّن له الخطوة الأهم في طريق النجاح والمسار الأقوى للحصول على الدعم
والعون الإلهي لأجل الفوز بكل الخير. قال له: وَإِنْ شِئْتَ أَنْبَأْتُكَ
بِمِلَاكِ ذَلِكَ كُلِّهِ» أي بما يمكنك به امتلاك ذلك كله والتمتع بآثاره الجميلة
ونتائجه المثمرة. فَقُلْتُ: مَا هُوَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «فَأَهْوَى
بِإِصْبَعِهِ إِلَى فِيهِ» قَالَ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَإِنَّا
لَنُؤَاخَذُ بِمَا نَقُولُ بِأَلْسِنَتِنَا؟ قَالَ: «ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ ابْنَ
جَبَلٍ هَلْ يَكُبُّ النَّاسَ عَلَى مَنَاخِرِهِمْ فِي جَهَنَّمَ إِلَّا حَصَائِدُ
أَلْسِنَتِهِمْ؟» الترمذي وأحمد والحاكم وصححه
الألباني وغيره. جاهد نفسك في توحيد ربك
وفي إقامة أركان دينك كما أمرك ربك، وجاهد أعداء دينك إن حاربوك وقاتلوك، وجاهد
نفسك في كفّ لسانك ومنعه من كل كلام محرم مما فيه شرك وكذب وشهادة زور وقول على
الله بغير علمٍ، وكفّ لسانك عن الموبقات كالغيبة والنميمة والهمز واللمز والفحش من
القول ومنه ما يسمى بالطقطقة على المسالمين الهادئين، اعرض عن اللغو من الكلام فلا
تتكلم فيما لا فائدة فيه ولا معنى له، وحاول ألاّ تتكلم إلا بخير كأمر بصدقة وأمر
بمعروف ونهي عن منكر، جاهد لسانك بحمله على الطيب من القول، وعلى الصمت إن لم يكن
ثمة خير، ما استطعت لذلك سبيلا، وجاهد نفسك إن أخطأت كعادة البشر أن تعتذر وتصحح
الخطأ، فبذلك تفز بالعزة والرفعة وكمال الدين. فما فسدت الحياة على أهلها إلا بسبب
ألسنتهم فالألسن هي الجامعة لكلمتهم أو المفرقة لهم وهي مدخلتهم الجنة أو العائق
دونها. "يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ
وَقُولُواْ قَوۡلٗا سَدِيدٗا يُصۡلِحۡ لَكُمۡ أَعۡمَٰلَكُمۡ وَيَغۡفِرۡ لَكُمۡ
ذُنُوبَكُمۡۗ وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَقَدۡ فَازَ فَوۡزًا عَظِيمًا" أقول قولي هذا
واستغفر الله لي ولكم ولوالدينا واحبتنا وللمسلمين والمسلمات
الحمد لله هادي المؤمنين للطيّب من القول وإلى الصراط المستقيم والشكر له سبحانه على فضله ومننه وإحسانه والصلاة والسلام على النبي محمد سيد الأولين والآخرين ذي الخُلق الكريم المبعوث رحمة للعالمين وعلى آله وصحبه والتابعين إلى يوم الدين وسلم تسليما كثيرا وبعد عباد الله عن ابْنِ الْمُنْتَفِقِ قَالَ: قُلْتُ لرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ثِنْتَانِ أَسْأَلُكَ عَنْهُمَا: مَا يُنَجِّينِي مِنَ النَّارِ؟ وَمَا يُدْخِلُنِي الْجَنَّةَ؟ قَالَ: اعْبُدِ اللَّهَ لَا تُشْرِكْ بِهِ شَيْئًا، وَأَقِمِ الصَّلَاةَ الْمَكْتُوبَةَ، وَأَدِّ الزَّكَاةَ الْمَفْرُوضَةَ، وَصُمْ رَمَضَانَ، وَمَا تُحِبُّ أَنْ يَفْعَلَهُ بِكَ النَّاسُ فَافْعَلْهُ بِهِمْ، وَمَا تَكْرَهُ أَنْ يَأْتِيَ إِلَيْكَ النَّاسُ فَذَرِ النَّاسَ مِنْهُ». وعَنْ هَانِئِ بْنِ يَزِيدَ رضي الله عنه قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ دُلَّنِي عَلَى عَمِلٍ يُدْخِلُنِي الْجَنَّةَ قَالَ: " إِنَّ مِنْ مُوجِبَاتِ الْمَغْفِرَةِ، بَذْلُ السَّلَامِ، وَحُسْنُ الْكَلَامِ" وعَنْ أَبِي بَرْزَةَ الْأَسْلَمِيِّ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! دُلَّنِي عَلَى عَمَلٍ يُدْخِلُنِي الْجَنَّةَ، قَالَ: "أمطِ الْأَذَى عَنْ طَرِيقِ النَّاسِ". وعن الْبَراء: جَاءَ أَعْرَابِي فَقَالَ دلَّنِي عَلَى عمل يدخلني الْجنَّة قَالَ «أطْعم الجائع واسق الظمآن وَأمر بِالْمَعْرُوفِ وانه عَن الْمُنكر فَإِن لم تطق فَكف لسَانك إِلَّا من خير» وعن رَبِيعَةَ بْنُ كَعْبٍ الْأَسْلَمِيُّ، قَالَ: كُنْتُ أَبِيتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَتَيْتُهُ بِوَضُوئِهِ وَحَاجَتِهِ فَقَالَ لِي: «سَلْ» فَقُلْتُ: أَسْأَلُكَ مُرَافَقَتَكَ فِي الْجَنَّةِ. قَالَ: «أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ» قُلْتُ: هُوَ ذَاكَ. قَالَ: «فَأَعِنِّي عَلَى نَفْسِكَ بِكَثْرَةِ السُّجُودِ» اللهم أعنّا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك وهيئ لنا أسباب دخول الجنّة ومرافقة نبيك فيها وأعنّا على الالتزام بها. وصل اللهم وسلم على عبدك ورسولك سيدنا وحبيبنا محمد وعلى آله وصحبه والتابعين
تعليقات
إرسال تعليق