التوحيد فضل الله تأسست عليه دولتنا وليلة النصف من شعبان
الحمد لله غافر الذنب وقابل التوب اللطيف الخبير، أشهد أن لا إله إلا هو الرحمن الرحيم، وأشهد أن محمد بن عبد الله عبده ورسوله سيدنا وإمامنا صلى الله عليه وعلى آله وصحبه والتابعين إلى يوم الدين وسلم تسليما كثيرا وبعد عباد الله فاتقوا الله وراقبوه، وتفقدوا نعمه فاشكروها، يزدكم وييسر أمركم.
عباد الله إن من أعظم النعم على العباد هي نعمة العقل والقلب السليمين، اللذين فطرا على الإيمان بالله والتعلق به، وفطرا على حب الخير وتقديمه والعون عليه. ذَاتَ يَوْمٍ فِي خُطْبَتِهِ قَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إنّ الله تعالى قال: وَإِنِّي خَلَقْتُ عِبَادِي حُنَفَاءَ كُلَّهُمْ، وَإِنَّهُمْ أَتَتْهُمُ الشَّيَاطِينُ فَاجْتَالَتْهُمْ عَنْ دِينِهِمْ، وَحَرَّمَتْ عَلَيْهِمْ مَا أَحْلَلْتُ لَهُمْ، وَأَمَرَتْهُمْ أَنْ يُشْرِكُوا بِي مَا لَمْ أُنْزِلْ بِهِ سُلْطَانًا... الحديث" مسلم. وعنه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنّهُ قَالَ: إِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ أَيِسَ أَنْ يَعْبُدَهُ الْمُصَلُّونَ، وَلَكِنْ فِي التَّحْرِيشِ بَيْنَهُمْ» أحمد ومسلم.
فمما فُطِر الناس عليه هو عبادة الله وحده لا شريك له وصفاء القلوب تجاه بعضهم البعض، ولقد عبثت الشياطين فكريا بعقول بعض الضعفاء فأفسدت فطرتهم، فأخذوا بالشرك والشحناء وسوء الخُلق منهجا لهم، فخسروا اصطفاء الله ووعده لهم، وخسروا بعضهم.
عباد الله الإيمان منزلة عالية رفيعة لا يصلها إلا قوم تطهرت قلوبهم تماما فكانوا كما أحب الله وأمر "لَّيۡسَ ٱلۡبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمۡ قِبَلَ ٱلۡمَشۡرِقِ وَٱلۡمَغۡرِبِ وَلَٰكِنَّ ٱلۡبِرَّ مَنۡ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ وَٱلۡمَلَٰٓئِكَةِ وَٱلۡكِتَٰبِ وَٱلنَّبِيِّۧنَ وَءَاتَى ٱلۡمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِۦ ذَوِي ٱلۡقُرۡبَىٰ وَٱلۡيَتَٰمَىٰ وَٱلۡمَسَٰكِينَ وَٱبۡنَ ٱلسَّبِيلِ وَٱلسَّآئِلِينَ وَفِي ٱلرِّقَابِ وَأَقَامَ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَى ٱلزَّكَوٰةَ وَٱلۡمُوفُونَ بِعَهۡدِهِمۡ إِذَا عَٰهَدُواْۖ وَٱلصَّٰبِرِينَ فِي ٱلۡبَأۡسَآءِ وَٱلضَّرَّآءِ وَحِينَ ٱلۡبَأۡسِۗ أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ صَدَقُواْۖ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُتَّقُونَ"
نلحظ هنا أن هذا المديح الإلهي كان بسبب شيء في قلوبهم ميّزهم عن غيرهم وأظهر صدق قولهم، فهم تعلقوا بربهم، وأعطوا على حبٍ لأجل ربهم، وصبروا في كل أحوالهم ثقةً بربهم، ولكن كل هذا لا يعطيهم جميع ما يحتاجون لإصلاح دنياهم قال تعالى "وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنكُمۡ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ لَيَسۡتَخۡلِفَنَّهُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ كَمَا ٱسۡتَخۡلَفَ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمۡ دِينَهُمُ ٱلَّذِي ٱرۡتَضَىٰ لَهُمۡ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّنۢ بَعۡدِ خَوۡفِهِمۡ أَمۡنٗاۚ يَعۡبُدُونَنِي لَا يُشۡرِكُونَ بِي شَيۡٔٗاۚ وَمَن كَفَرَ بَعۡدَ ذَٰلِكَ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡفَٰسِقُونَ" فكل هذه الوعود لن تتم ولن تتحقق لهم لأنهم فقط مؤمنون ويعملون الصالحات بل حتى تكون قلوبهم مع الإيمان مخلصة العبادة لله لا يشركون به شيئا، ولذا فإن تعلم صيانة هذا الإخلاص في العبادة والتخلص من الشرك بكافة صوره وأشكاله واجب على كل عبد يرجو العيش في عزة وسرور وحبور ويرجو قرة العين حين لقاء الله، كما يجب إدراك أن النشأة على هذا التوحيد والعمل به وبمتطلباته هو هداية وتفضل من الله تعالى قال يوسف عليه السلام: "وَٱتَّبَعۡتُ مِلَّةَ ءَابَآءِيٓ إِبۡرَٰهِيمَ وَإِسۡحَٰقَ وَيَعۡقُوبَۚ مَا كَانَ لَنَآ أَن نُّشۡرِكَ بِٱللَّهِ مِن شَيۡءٖۚ ذَٰلِكَ مِن فَضۡلِ ٱللَّهِ عَلَيۡنَا وَعَلَى ٱلنَّاسِ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَشۡكُرُونَ" فمن النعم الإلهية على العباد نعمة إدراك الفضل ونعمة الهداية والعون على العمل به شكرا للمولى على التفضل به، وإن مما يجب علينا شكره هو فضل الله تعالى علينا في هذه البلاد بهذا التوحيد الذي يلتزم به قادة البلاد قبل غيرهم ويعتزون به في كل محافلهم كبقية شعبهم، وبحمد الله هذا هو سر ظهور الشعائر وعزة الحكم وسعة العيش وقوة التفاؤل ونسأله سبحانه المزيد من فضله.
قال تعالى "يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱرۡكَعُواْ وَٱسۡجُدُواْۤ وَٱعۡبُدُواْ رَبَّكُمۡ وَٱفۡعَلُواْ ٱلۡخَيۡرَ لَعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ۩ وَجَٰهِدُواْ فِي ٱللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِۦۚ هُوَ ٱجۡتَبَىٰكُمۡ وَمَا جَعَلَ عَلَيۡكُمۡ فِي ٱلدِّينِ مِنۡ حَرَجٖۚ مِّلَّةَ أَبِيكُمۡ إِبۡرَٰهِيمَۚ هُوَ سَمَّىٰكُمُ ٱلۡمُسۡلِمِينَ مِن قَبۡلُ وَفِي هَٰذَا لِيَكُونَ ٱلرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيۡكُمۡ وَتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِۚ فَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُواْ ٱلزَّكَوٰةَ وَٱعۡتَصِمُواْ بِٱللَّهِ هُوَ مَوۡلَىٰكُمۡۖ فَنِعۡمَ ٱلۡمَوۡلَىٰ وَنِعۡمَ ٱلنَّصِيرُ"
وإن مما يجب الفرح به والفخر به وشكر الله عليه والتذكير بأسيه هو يومٌ تأسست فيه الدولة على التوحيد ومحاربة الشرك وعلى إقامة الشعائر وتأمين السبل وإعادة جزيرة العرب إلى عهدها الذي قرّت به عيني رسول الله صلى الله عليه وسلم، فحمدا لله وشكرا أن ظَهرنا على التوحيد، وأن عُلّمنا التوحيد، وأن مُنع عنّا كل ما يعارض التوحيد، وأن أعاننا على العمل وفق مبادئ هذا التوحيد، فتنعمنا بظلال التوحيد وبوعد الله لمن وحّده وأخلص العبادة له سبحانه، فلله الحمد أولا وآخر، واستغفر الله لي ولكم وللمسلمين
الحمد لله كما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه والصلاة والسلام على النبي الكريم الداعي إلى رضوانه محمد بن عبد الله وعلى آله وصحبه وإخوانه وسلم تسليما كثيرا وبعد عباد الله فواجب على كل مسلم يؤمن بأن الله تعالى قد وهبه قلبا سليما أن يتفقدَ قلبه، وكل مسلم يرى أن له وعدا عند الله ولم يتحقق أن يتفقد قلبه، ليكشفَ ما استطاعت الشياطين الوصول إليه من قلبه فأفسدت عليه وعد ربه، {وَإِنِّي خَلَقْتُ عِبَادِي حُنَفَاءَ كُلَّهُمْ، وَإِنَّهُمْ أَتَتْهُمُ الشَّيَاطِينُ فَاجْتَالَتْهُمْ عَنْ دِينِهِمْ} وديننا يتطلب منا عبادة مخلصة، وقلبا طيبا رقيقا رحيما يحب ويرحم ويغفر ويعفو، وللشياطين أيادي عابثة بتلك القلوب، فلنتفقد قلوبنا ولنغسلها من تلك البقع السوداء الملوّثة لها قَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «تُعْرَضُ الْفِتَنُ عَلَى الْقُلُوبِ كَالْحَصِيرِ عُودًا عُودًا، فَأَيُّ قَلْبٍ أُشْرِبَهَا نُكِتَ فِيهِ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ، وَأَيُّ قَلْبٍ أَنْكَرَهَا نُكِتَ فِيهِ نُكْتَةٌ بَيْضَاءُ، حَتَّى تَصِيرَ عَلَى قَلْبَيْنِ، عَلَى أَبْيَضَ مِثْلِ الصَّفَا فَلَا تَضُرُّهُ فِتْنَةٌ مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ، وَالْآخَرُ أَسْوَدُ مُرْبَادًّا كَالْكُوزِ، مُجَخِّيًا لَا يَعْرِفُ مَعْرُوفًا وَلَا يُنْكِرُ مُنْكَرًا إِلَّا مَا أُشْرِبَ مِنْ هَوَاهُ» مسلم. تعرض فتن الشهوات من حب المال والجنس والسيطرة والتملك فمن تقبّلها دخل الحسد والحقد والجشع وسوء الخلق قلبه فأعماه حتى يطرد كل بياض ونقاء في قلبه فيختم عليه بالسوء والطرد من رحمة الله ويكون كل عمل صالح قدّمه حظا لمن ظلمهم، وأما من أنكر تلك الفتن وكرهها وتراجع عنها إن وُقِع فيها وغسل قلبه بالتوبة وعالج آثار مرور الفتنة بقلبه فهو صاحب القلب الطيّب النقيّ التقيّ الرقيق الرحيم الذي تمحو الصالحات ذنوبه وإن كثرت كزبد البحر. قال صلى الله عليه وسلم: وَأَهْلُ الْجَنَّةِ ثَلَاثَةٌ ذُو سُلْطَانٍ مُقْسِطٌ مُتَصَدِّقٌ مُوَفَّقٌ، وَرَجُلٌ رَحِيمٌ رَقِيقُ الْقَلْبِ لِكُلِّ ذِي قُرْبَى وَمُسْلِمٍ، وَعَفِيفٌ مُتَعَفِّفٌ ذُو عِيَالٍ" مسلم. فالقلب هو سر التفريق بين منازل الناس عند ربهم وعند مجتمعهم، وهو سر الفوز بوعد الله الذي وعد. ونحن الآن عباد الله مقبلون على ليلة عظّمها الله وأراد من عباده أن تحلّ عليهم وقلوبهم نقية من الشرك نقية من الظغائن والحقد يقول عليه الصلاة والسلام: «يَطْلُعُ اللَّهُ إِلَى خَلْقِهِ فِي لَيْلَةِ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ فَيَغْفِرُ لِجَمِيعِ خَلْقِهِ إِلَّا لِمُشْرِكٍ أَوْ مُشَاحِنٍ» أحمد وابن ماجة وابن حبان وصححه الأرناؤوط. فالمطلوب منّا قبل ليلة النصف من شعبان معالجة قلوبنا وإزالة شحنائها وردّ المظالم إن وجدت وتصفية العلاقات مع الإخوة وذوي القربى خاصة والتحلل من كل مظلمة، وهنيئا لمن جاء اللهَ بقلب سليم قد تمتع في الدنيا بنعيم أهل الجنّة قال تعالى "وَنَزَعۡنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنۡ غِلٍّ إِخۡوَٰنًا عَلَىٰ سُرُرٖ مُّتَقَٰبِلِينَ" فلنجدد العهد بإخوتنا وأحبتنا، نتجاوز الإساءة ونعود إخوة أفضل مما كنّا نصقل قلوبنا ونطهرها من كل عبث شيطاني بها، لنفوز بلذة العيش وبكل ما وعد الله به عباده المؤمنين المُخلِصين المُخلَصين الأتقياء الأنقياء.
ثم صلوا وسلموا عباد الله على الحبيب الذي عُمر بالحب قلبه وباللُطف خُلقه وأعلن أمام رفقته وصحابته أنه يحبكم أنتم يا من آمنتم به ولم تروه، فاستبشروا بحب الله لكم وحب حبيب الله لكم وحافظوا على سنة تبيكم والتزموا خلقه تصنعوا لكم وله الفرحة يوم يقف عند حوضه العظيم مستقبلا أمته، أكثروا الصلاة عليه دوما وبالأخص يوم الجمعة.
تعليقات
إرسال تعليق