وبطيب القلب تطيب الحياة. الجمعة 5/ شعبان/ 1445
الحمد لله الملك العليّ العظيم، يعلم خائنة الأعين وما تخفي
الصدور، وجعل الثواب والعطاء وفق ما تحمله القلوب، أشهد أن لا إله إلا هو وحده لا
شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، وأشهد أن محمد بن عبد الله عبده
ورسوله إمام المرسلين وسيد الأولين والآخرين صلى الله عليه وعلى آله وصحبه
والتابعين وسلم تسليما كثيرا وبعد عباد الله فيقول ربنا تبارك وتعالى "وَأُزۡلِفَتِ ٱلۡجَنَّةُ
لِلۡمُتَّقِينَ غَيۡرَ بَعِيدٍ هَٰذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٖ
مَّنۡ خَشِيَ ٱلرَّحۡمَٰنَ بِٱلۡغَيۡبِ وَجَآءَ بِقَلۡبٖ مُّنِيبٍ ٱدۡخُلُوهَا
بِسَلَٰمٖۖ ذَٰلِكَ يَوۡمُ ٱلۡخُلُودِ لَهُم مَّا يَشَآءُونَ فِيهَا وَلَدَيۡنَا
مَزِيدٞ"
حينما تجتمع الخلائق بين يدي الله عزّ وجلّ والملائكة تحوطهم،
وحينما يأتي الله تعالى كما يليق بجلال وجهه وعظيم سلطانه والملائكة مصطفة صفوفا،
تُحضر الجنة والنار، أما النار فتأتي بها الملائكة تجرها، لها سبعون ألف زمام وكل
زمام يمسكه سبعون ألف ملك، وقد أضرمت فاشتدت واسوّدت، فإذا رأت أهلها كادت أن تتميز
من الغيظ، غيظا منهم وحقدا عليهم وهم يسمعون زفيرها وشهيقها، ينظرون إليها وقد
تغيرت وجوههم خوفا وفزعا وفرّت الدماء من وجوههم رعبا، فوجوههم كالحة مغبرة خاشعة
ينظرون للنار وللملائكة من طرف خفي لما حلّ بهم من الخضوع والذلّ، ومن شدة ما فيها
من العذاب فأبوابها مغلقة لا تفتح إلا لحظة القذف بأهلها فيها حتى لا يصاب
المؤمنون بشيء من أذاها، نعوذ بوجه الله العظيم منها.
وفي المقابل أمم أخرى لا يدرون عن أولئك آمنون مطمئنون لا يشعرون
برعب ولا قلق وإن أزعجتهم الشمس بشيء من حرها، وطوائف من هؤلاء مطمئنة قلوبهم منعمون
بظلال أعمالهم الخيرة، وطائفة أكثر تنعما وأمانا واطمئنان قد استظلوا بظل العرش مستبشرين
بقربهم من ربهم وبرضاه عليهم، فإذا رأوا حال غيرهم من أهل الجنّة وليس حال أهل
النار، بل حال غيرهم من أهل الجنّة، حمِدوا لقلوبهم أن أوصلتهم لهذه المنزلة، فلقد
كانت قلوبا كما أحب خالقها وربها وإلهها، قلوبا ودودة لطيفة أوّابة مطيعة محبة لكل
خير محبة لكل مؤمن محبة الخير للغير أيا كانوا، قلوب تفرح لكل آخر يكسب خيرا أو يتجاوز
محنة وكربا.
قالوا المفسرون في القلب المنيب الحفيظ: هو القلب الذي يُذنب
ثم يتوب ثم يُذنب ثم يتوب، هو القلب الذي يذكر ذنوبه في الخلوات ولا ينساها فيستغفر
الله منها، هو القلب الذي لا ينسى ربه فيُكثر من ذكره دوما وأبدا، هو القلب الحافظ
لأمر الله ما دام ذاكرا قادرا، هو القلب المحافظ على نفسه والمتعهد لها، هو القلب
المحافظ على مشاعره الطيبة للآخرين ومحافظ على مشاعر الآخرين أن تُجرح بسببه، فهو
أوّاب حفيظ أي كثير الرجوع إلى الله كثير الحفظ لحدود الله، دائم الحفظ والتذكر لذنبه
فيُحدث توبة لكل ذنب، فهو قلب أواب حفيظ استحق صاحبه كل وعد جميل من خالقه جلّ
وعلا.
بسبب هذه القلوب تُقرب الجنة لأهلها تقريباً يوحي بالعطاءِ
بتكريم، تُقرب الجنّة لهم مفتحة أبوابها كي تسبقَها روائحُها الموحية بالإكرام
التامّ لمن دخلها، تُقرب الجنّة إليهم مفتحة الأبواب كي يسبَقَها جمالُها وبهجتُها
نحو أعين أهلها، فاستحقت هذه القلوب الرقيقة الودودة الأوّابة أن يحمدَها أهلها إذ
كانت قلوبا سمحة في كل أحوالها ومع كل من حولها، سمحة إذا باعت سمحة إذا اشترت
سمحة إذا اقتضت، سمحة لكل من اعتذر وتأسف، سمحة مع كل من أبدى ودّا. لقد كانت في
دنياها قلوبا يرى أهلُ الجفاء أهلَها مساكين بسطاء لا يرون أبعد من أنوفهم، يرونهم
مساكين قلوبهم كقلوب الطير مما فيها من الخوف والهيبة للآخرين ولما فيها من الثقة
بكل مُظهر ودّ ولطف، ولبعد سوء الظن عنها، وحينما قُرّبت لهم الجنة ندم أهل الجفاء
الساخرين وتذكروا قول النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يَدْخُلُ
الْجَنَّةَ أَقْوَامٌ، أَفْئِدَتُهُمْ مِثْلُ أَفْئِدَةِ الطَّيْرِ» مسلم. وتذكروا قوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "رَحِمَ اللهُ رَجُلاً سَمْحاً
إذا باعَ، وإذا اشْتَرى، وإذا اقْتَضى" البخاري. فأيقنوا أن تلك القلوب بحالتها تلك إنما كانت
رحمة من الله وُهبت لأهلها وجلبت لهم رحمة الله حينما احتاجوا لها، فتمنوا أن لو
كان لهم مثلها. قالَ صَلَّى اللهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ألا
أخْبرُكُمْ بِأهْلِ الجَنَّةِ؟ كُلُّ ضَعِيفٍ مُتَضاعِفٍ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى
اللَّهِ لأَبَرَّهُ، أَلاَ أُخْبِرُكُمْ بِأَهْلِ النَّارِ؟ كُلُّ عُتُلٍّ
جَوَّاظٍ مُسْتَكْبِرٍ" البخاري.
نسأل الله قلوبا تجلب لنا رحمته ومغفرته والخلود في جناته. واستغفر الله لي ولكم
الحمد لله حمدا يليق بجلال وجهه وعظيم سلطانه، والصلاة والسلام
على سيدنا محمد الداعي إلى رضوانه وعلى آله وصحبه وأتباعه إلى يوم الدين وسلم
تسليما كثيرا وبعد عباد الله فإن أعظم نعيم في هذه الدنيا هو ما كان جُزءً من نعيم
الجنّة، قال تعالى "وَنَزَعۡنَا مَا فِي صُدُورِهِم
مِّنۡ غِلٍّ إِخۡوَٰنًا عَلَىٰ سُرُرٖ مُّتَقَٰبِلِينَ" ما أعظم هذا القلب حينما يُعمر بالإيمان فيسير في هذه
الحياة بالحب والطيبة والطهر والنقاء والإخوّة، سيرا لا توقفه مكدرات الحياة التي
يصنعها الأنانيون الجفاة، قلب يسير في صلته بأهله وبأحبته وبرفقته مفرقا بين
تصرفاتهم السيئة وبين حقوقهم الواجبة، يصنع الودّ ويسابق إلى أسبابه، لا يُفتش عن
خطأ ولا يَتهم بسوء قصد، وإن أساءوا وتجاوزوا هجرهم هجر هجراً جميلا، ليبقى الجميل
من المشاعر والذكريات ولتموت الأخطاء والسلبيات حينما سُكت عنها ودفنت في مقبرة
الذكريات.
هذا القلب هو السبب في أن يغفر الله لصاحبه كل ذنب "إِنَّ ٱللَّهَ
لَا يَغۡفِرُ أَن يُشۡرَكَ بِهِۦ وَيَغۡفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَآءُۚ
وَمَن يُشۡرِكۡ بِٱللَّهِ فَقَدۡ ضَلَّ ضَلَٰلَۢا بَعِيدًا" هذا القلب هو السبب في قرب العبد
من ربه وسرعة قبول الله لعمله عن النبي صَلَّى
اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
أنه قَالَ: تُعْرَضُ الْأَعْمَالُ فِي كُلِّ يَوْمِ خَمِيسٍ وَاثْنَيْنِ،
فَيَغْفِرُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ، لِكُلِّ امْرِئٍ لَا
يُشْرِكُ بِاللهِ شَيْئًا، إِلَّا امْرَأً كَانَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَخِيهِ
شَحْنَاءُ، فَيُقَالُ: ارْكُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا، ارْكُوا هَذَيْنِ
حَتَّى يَصْطَلِحَا" مسلم.
هذه القلوب هي مصدر الرزق المبارك قال تعالى "يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ
قُل لِّمَن فِيٓ أَيۡدِيكُم مِّنَ ٱلۡأَسۡرَىٰٓ إِن يَعۡلَمِ ٱللَّهُ فِي
قُلُوبِكُمۡ خَيۡرٗا يُؤۡتِكُمۡ خَيۡرٗا مِّمَّآ أُخِذَ مِنكُمۡ وَيَغۡفِرۡ
لَكُمۡۚ وَٱللَّهُ غَفُورٞ رَّحِيمٞ"
هذا وهم كفار أسرى فكيف بمؤمن يتعبد سرا وجهرا.
عباد الله هذه القلوب الموجبة لأهلها مغفرة الذنب وفتح أبواب
الرزق لا تعني موت المشاعر ولا تعني السذاجة والحماقة بتقبل تكرار الأخطاء ولا
تعني المسامحة لكل متعمد خطأ لم يعتذر ولا التنازل عن الحقوق وإن تعذر تحصيلها إلا
أنها تترك مجالا لاستدامة العلاقة مفرقة بين ما حدث وما يجب. في قصة وحشي وقتله لحمزة
رضي الله عنه قال: فَأَقَمْتُ بِمَكَّةَ حَتَّى فَشَا فِيهَا الإِسْلاَمُ، ثُمَّ
خَرَجْتُ إِلَى الطَّائِفِ، فَأَرْسَلُوا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَسُولاً، أي وفدا فَقِيلَ لِي:
إِنَّهُ لاَ يَهِيجُ الرُّسُلَ قَالَ: فَخَرَجْتُ مَعَهُمْ حَتَّى قَدِمْتُ عَلَى
رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَلَمَّا رآني
قَالَ: آنْتَ وَحْشِىٌ؟ قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: أَنْتَ قَتَلْتَ حَمْزَةَ؟ قُلْتُ:
قدْ كَانَ مِنَ الأَمْرِ مَا بَلَغَكَ. قَالَ: فَهَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تُغَيِّبَ وَجْهَكَ
عَنِّى؟ قَالَ: فَخَرَجْتُ الخ خبره. رواه البخاري.
فلم يتحمله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ولم يرفضه وطلب الهجر الجميل ولم يحمله
عليه بالرغم من عمق الجرح الذي صنعه. وعن عَائِشَة أَنَّ رَجُلًا اسْتَأْذَنَ
عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: ائْذَنُوا لَهُ
فَلَبِئْسَ ابْنُ الْعَشِيرَةِ، فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ أَلَانَ لَهُ الْقَوْلَ،
قَالَتْ عَائِشَةُ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ قُلْتَ لَهُ الَّذِي قُلْتَ ثُمَّ
أَلَنْتَ لَهُ الْقَوْلَ؟ قَالَ: يَا عَائِشَةُ إِنَّ شَرَّ النَّاسِ مَنْزِلَةً
عِنْدَ اللهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَنْ تَرَكَهُ النَّاسُ اتِّقَاءَ فُحْشِهِ» مسلم. فلم يمنع العلم بسوء حاله من حسن
استقباله تألفا له وتجنبا للشر منه ومعه. عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو،
قَالَ: قِيلَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَيُّ
النَّاسِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: كُلُّ مَخْمُومِ الْقَلْبِ، صَدُوقِ اللِّسَانِ".
قَالُوا: صَدُوقُ اللِّسَانِ نَعْرِفُهُ، فَمَا مَخْمُومُ الْقَلْبِ؟ قَالَ:
"هُوَ التَّقِيُّ النَّقِيُّ، لَا إِثْمَ فِيهِ وَلَا بَغْيَ وَلَا غِلَّ
وَلَا حَسَدَ" ابن ماجة وصححه الأرناؤوط والألباني. يتقبل الحال كما هو والناس كما هم، ذاكرا ربه وعارفا ذنبه ومراعيا
حق نفسه وحق غيره، فهو أفضل الناس منزلة وأفضلهم معيشة وأفضلهم عاقبة وأسعدهم حالا
ومنقلبا، فإن أردت طيب الحياة وحسن العاقبة فليطب قلبك للحياة، تحيا بخير ويأتيك
الخير من حيث لا تحتسب، وطيبة القلب هذه هي التي ورد فيها الحديث «الْحَيَاءُ لَا
يَأْتِي إِلَّا بِخَيْرٍ» مسلم.
نسأل الله قلوبا تعيش بخير وتحب الخير وتهدي الخير وتجلب لأهلها الخير.
وصل اللهم وسلم على عبدك ورسولك سيدنا وإمامنا وحبيبنا محمد بن عبد الله وعلى آله وصحبه ومن والاه
تعليقات
إرسال تعليق