التحذير من الشائعات نقلا وتحدثا 9/ 6/ 1445

يقول جلّ جلاله "وَوُضِعَ ٱلۡكِتَٰبُ فَتَرَى ٱلۡمُجۡرِمِينَ مُشۡفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَٰوَيۡلَتَنَا مَالِ هَٰذَا ٱلۡكِتَٰبِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةٗ وَلَا كَبِيرَةً إِلَّآ أَحۡصَىٰهَاۚ وَوَجَدُواْ مَا عَمِلُواْ حَاضِرٗاۗ وَلَا يَظۡلِمُ رَبُّكَ أَحَدٗا"

عباد الله إن مما لا يرضاه الله ولا يُسرّ به الصالحون، وسيكون مصدر ألأم لأهله، هو الحديث بما لا خير فيه، وأعظم منه الحديث بما فيه إفساد الحياة على النفس وعلى الآخرين.

والحديث المفسد للحياة كثيرة صوره، وأبرزها الغيبة والنميمة، فالغيبة أن تتحدث بدون قصد الإساءة، تتحدث لمجرد الحديث عن مسلم في غيابه بما وقع منه وأنت تعلم كراهيته ورفضه لهذا الحديث، والنميمة أن تتحدث عن غيرك بما حدث منه بقصد الإساءة إليه وتنفير الناس منه، فكلتا الحالتين هما حديث عمّا وقع منه حقا ومع ذلك هما كبيرتان عظيمتان، وأما ما لم يقع منه فهذا بهتان إضافة لكونه نميمة.

وهذه الأحاديث السيئة من غيبة ونميمة وبهتان تَحرِمُ بوعد الله ووعد رسوله صاحبَها من دخول الجنة، وسيشقى بسببها أهلها المتحدثون بها والمستمعون لها بقدر ما تسببوا فيه من ألم لدى يفترض أنهم إخوانهم، ولو كان الباعث مجرد مزاح وتمضية وقت، او بدعوى تبيان لحقيقة المُتحدث عنه، وسيُقِرُّ اللهُ عين المظلوم من مؤذيه بإعادة مكرهم عليهم وبحسناتهم تصبّ عليه صبا.

ومن الأحاديث السيئة، المسيئة لصاحبها قبل غيره ما قال عنها صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مَا يَتَبَيَّنُ مَا فِيهَا يَهْوِي بِهَا فِي النَّارِ أَبْعَدَ مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ» متفق عليه.

من تلك الكلمات التي لا يُلقى لها بالا وعاقبتها وخيمة أليمة شديدة هو التحدث بكل ما يُسمع، ونقل كل خبر وصل بدون تثبت، وهذا ما يسمى بنقل الإشاعات يقول عليه الصلاة والسلام: «بِئْسَ مَطِيَّةُ الرَّجُلِ زَعَمُوا» أحمد وأبو داود والبيهقي وصححه الألباني. وزعموا أي قالوا ويقولون، فينقل عن الآخرين معتقدا بأن ذمته بريئة لأن دوره فقط نقل الحديث الذي سمع أو تحويل الرسالة التي وصلت لهاتفه. ويقول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «كَفَى بِالْمَرْءِ كَذِبًا أَنْ يُحَدِّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ» مسلم.

ومن الأحاديث السيئة المسيئة لصاحبها قبل غيره ما توعد الله فاعله بسرعة العقوبة الغليظة من حيث لا يحتسب قال تعالى "لَّئِن لَّمۡ يَنتَهِ ٱلۡمُنَٰفِقُونَ وَٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٞ وَٱلۡمُرۡجِفُونَ فِي ٱلۡمَدِينَةِ لَنُغۡرِيَنَّكَ بِهِمۡ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَآ إِلَّا قَلِيلٗا مَّلۡعُونِينَۖ أَيۡنَمَا ثُقِفُوٓاْ أُخِذُواْ وَقُتِّلُواْ تَقۡتِيلٗا سُنَّةَ ٱللَّهِ فِي ٱلَّذِينَ خَلَوۡاْ مِن قَبۡلُۖ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ ٱللَّهِ تَبۡدِيلٗا

كل هذا جزاءَ نفس خبيثة غير سوية تُفسد بلسانها المنفلت حياة الناس وتروّعهم وتنشر البغضاء بينهم، مستغلة طبيعة عامة البشر حيث يتشوقون لمعرفة الأحوال العامة محليا ودوليا، بل وإلى معرفة ما يهمهم من معلومات وأحكام دينية وطبية واقتصادية وغيرها بأبسط وأيسر أسباب المعرفة، ولذلك نجد أن الناس عادة يتجهون لمن اقترب منهم مُصدّراً نفسه للحديث في هذا المجال، وغالبا يستقون المعلومة منه بكل أريحية وترحاب وتصديق وبدون تفكير، وهذه بُغية كل مفسد من المنافقين والمرجفين وغيرهم.

في زمان سابق كان من يعرفون بالقُصّاص والوعاظ يتعرضون للناس في مجالسهم طلبا للمال ويتلبس بلباسهم الجواسيس والمفسدون المُمولون من الأعداء، فيحدّثون الناس بما يلائمهم ويرضي أفكارهم من أخبار التاريخ والمستقبل، والتي غالبا ما تصنع الإثارة والرعب، وتصنعُ الخوف والتحوّط المعطّل للحياة، لأنها أخبار واهية ولا تستند على واقع ولا على نص شرعي ثابت، وكذلك في العلم الشرعي كان هناك من يقدم من الفتوى ما يُرضي الأذواق ليتكسب، واليوم نفس أولئك القصاصين والوعاظ بذات المقاصد ومعهم من هو جاسوس مُفسد مُمول من الأعداء يتصدرون المشهد، ويقدمون ما يتوافق مع الأذواق السائدة لدى ضحاياهم وهم جمهورهم المتابعون والمستمعون لهم، وما يحقق أهداف مموليهم من التجار ومن الأعداء، ولكن بمظهر مختلف وبوسائل مختلفة، ولا زال الكثير يُقبلون عليهم ويصدّقونهم بالرغم مما يحملون من شهادات علمية وخبرات عملية.

ولئن كان وصول أولئك المتحدثين في السابق لمريديهم يتم في أماكن عامة ومحدودة ومع ذلك أفسدوا دين وصحة ومستقبل من يستمع إليهم، فإن قصاص اليوم ووعاظهم الذين ملئوا القنوات الفضائية وبرامج التواصل المختلفة هم أشد خطرا من أولئك، لأن مصادر وصولهم إلى الناس صارت اليوم في يد كل بشر صغير وكبير وعاقل وسفيه وذكر وأنثى فلا حاجة لتلك التجمعات، وأساليبهم في الطرح تنوّعت حتى أغرت بصدقهم، وبالتالي أصبح التأثير أشدّ والخطر أكبر لأن كلٌ يستمع لوحده وحسب ثقافته وبدون رقيب ولا موجّه ناصح.

ستجد اليوم كثير يعطونك فتوى دينية غريبة تخالف ما تعرفه وتتعبد به بحجة أن الإمام فلان يقول بها وإن سألته عن مصدره قال: فلان قال لي ذلك!

ستجد من يتحدث عن المرض والطب وهو أبعد الناس عن العلم به ومصدره قال فلان أو رسالة برنامج تواصل افتراضي!

ستجد من يتحدث حول الاقتصاد والاستثمار ومصدره برامج التواصل وأفكاره ومصالحه الخاصة!

ستجد من يحدثك في شأن السياسة المحلية والدولية ومصدره برامج تواصل أو قناة محددة!

ستجد أشنع من ذلك وهو من يقذف الناس في أعراضهم وفي نواياهم بشتى الدعاوى، وهؤلاء لهم لعنة الله في الدنيا وفي الآخرة وعذاب شديد، والمستمع لهم مشارك لهم في الجرم وفي العقوبة.

إن من واجب المسلم صيانة لدينه ودنياه: التثبت من صحة ما وصل إليه، وعدم نقل ما لا حاجة فعلية لنقله، وبالأخص رسائل الواتس أب وأخواتها التي تتحدث عن السياسات والمستقبل والفتاوى الشرعية والطبية والاقتصادية، لأن برامج التواصل أصبحت مسرحا لتمرير المعلومات الكاذبة المضرة، وإفسادها للحياة أكثر من متعتها.

والعلم والأخبار إنما تكون نافعة حينما تُستقى من مصادرها الموثوقة فقط، والإنسان إنما يكون مُتعلما عالما مُثقفا حينما يرتقي عن مستوى أولئك البسطاء الذين يتلقون بالتسليم ما يُحدّثهم به كلَ متحدث.

إن نقل الكلام المسيء ومقاطع الفيديو المشبوهة أيا كانت مع التثبت والتيقن منها تدخل في باب إشاعة الفاحشة والله تعالى يقول "إِنَّ ٱلَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ ٱلۡفَٰحِشَةُ فِي ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٞ فِي ٱلدُّنۡيَا وَٱلۡأٓخِرَةِۚ وَٱللَّهُ يَعۡلَمُ وَأَنتُمۡ لَا تَعۡلَمُونَ"

وإن كان نقلا بغير تثبت فإنما هو نقل للشائعات فجُرمه أشد وقعا وعقوبته أشد ألما، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ خَبَّبَ خَادِمًا عَلَى أَهْلِهَا فَلَيْسَ مِنَّا، وَمَنْ أَفْسَدَ امْرَأَةً عَلَى زَوْجِهَا فَلَيْسَ مِنَّا» أحمد وأبو داود والحاكم وصححه جمع من المحققين. فما بالك بمن أفسد جيلا أو مجتمعا؟ وروّعهم وتسبب في تشتت أمرهم؟ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إِذَا قَالَ الرَّجُلُ: هَلَكَ النَّاسُ فَهُوَ أَهْلَكُهُمْ " قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ: لَا أَدْرِي، أَهْلَكَهُمْ بِالنَّصْبِ، أَوْ أَهْلَكُهُمْ بِالرَّفْعِ. مسلم.

أي من حكم على الناس بالفساد والهلاك أكان هو السبب في هلاكهم أم انه أشد هلاكا منهم.

فغيرة على الدين وعلى الوطن وحفظا للنفس وللذمة وللمجتمع وقيمه:

يجب الحذر من كل من يأتي بغريبِ علمٍ وخبرٍ.

ويجب صيانة النفس عن الاستماع لكل ما لا خير فيه، وبالأخص من ذلك الذي يجعل من نفسه وصياً على الناس مزكيا نفسه بأنه يعرف كل شيء وقصده الخير وهو ينشر البغضاء.

ويجب الحذر من نقل كل ما يصل إليك حتى ولو وثقت فيمن نقل لك الخبر أو الفتوى ما لم تقف على مصدرها يقول تعالى "وَلَا تَقۡفُ مَا لَيۡسَ لَكَ بِهِۦ عِلۡمٌۚ إِنَّ ٱلسَّمۡعَ وَٱلۡبَصَرَ وَٱلۡفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَٰٓئِكَ كَانَ عَنۡهُ مَسۡ‍ُٔولٗا" حفظنا الله وأحبتنا وجعلنا هداة مهتدين.


 


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

التقوى والتوبة سببان لأداء أمانة الوصول إلى الجنّة

المسلم وشدّ البنيان الإيماني أو هدمه

يوم عاشوراء يوم التوحيد، يوم العلم والعمل، يوم الصبر والتفاؤل